Get Adobe Flash player

رسالة اليوم من هدي الرسول

حدث في مثل هذا اليوم:

قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة حاجاً في رابع ذي الحجة من السنة العاشرة ومعه أصحابه، وكان خروجهم من المدينة لخمس بقين من ذي القعدة، وهي حجته الوحيدة، وتسمى حجة الوداع، وكان يقول فيها: لتأخذوا عني مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه. صحيح مسلم.

البحث

كتاب الرحمة في حياة الرسول

شاهد مكة المكرمة مباشرة

إقرأ مقالا من أكبر كتاب في العالم

إبحث عن محتويات الموقع

شاهد المدينة المنورة مباشرة

المسجد النبوي _ تصوير ثلاثي الأبعاد

Madina Mosque 3D view

الرئيسية

You are missing some Flash content that should appear here! Perhaps your browser cannot display it, or maybe it did not initialize correctly.

الشيخ الدكتور خالد بن عبد الرحمن الشايع
تحميل نص البرنامج كاملا

بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

مستمعي الكرام: أحييكم أطيب تحية، وأتابع معكم عرض بعض المواقف من بيت النبوة، تلك المواقف التي تحيطها عناية الله ورعايته، فكان ربُّ ذلك البيت محمد -صلى الله عليه وسلم- يصدر عن أمر ربه في جميع الأمور، كما قال تعالى: {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 4].
والموقف الذي نتحدَّث في هذه الحلقة وعما فيه من دروس وفوائد هو: زواج النبي –صلى الله عليه وسلم- بأمِّ المؤمنين زينب بنت جحش -رضي الله عنها-، ولعلَّ من المناسب أن نمهِّد لهذا الموقف ببعض الملابسات السابقة له، فأقول: إنَّ زيد بن حارثة سُبي في صغره، وبِيع بمكة، واشترته خديجة -رضي الله عنها-، ثم وهبته للنبي -صلى الله عليه وسلم-، فأعتقه، وكان يحبه حبًا شديدًا حتى كان يعرف بِحِبِّ رسول -صلى الله عليه وسلم-، ولما علموا أهله بمكانه؛ جاؤوا يطلبونه، فخيَّره النبي -صلى الله عليه وسلم- بين أن يرجع مع أبيه وعمه، أو أن يبقى عنده، فاختار المقام عند النبي -صلى الله عليه وسلم-، فتبنَّاه -عليه الصلاة والسلام- حتى صار يُعْرَف بزيد بن محمد، حتى جاء الله بالإسلام، ونزل قوله تعالى: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ} [الأحزاب: 5]، وكان أنْ زوَّج النبي -صلى الله عليه وسلم- زيد بن حارثه بابنة عمته زينب بنت جحش، ثم وقع ما يقع بين الأزواج من الخصومة والمشاكسة، وأوحى الله –تعالى- إلى نبيه -صلى الله عليه وسلم-، وأعلمه أنَّها من أزواجه، فكان زيد كلما شكا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ما يلقاه من شدة لسانها، وعزمه على الطلاق؛ يقول له -عليه الصلاة والسلام-: (اتقِ الله، وأمسك عليك زوجك)؛ لأنَّه -عليه الصلاة والسلام- كان أول الأمر يخشى الناس أن يعيبوا عليه، ويقولوا تزوج امرأة ابنه، وذلك باعتبار أنَّه تبنَّاه من قبل -كما تقدم قريبًا-، حتى نزل قول الله –تعالى-: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} [الأحزاب: 37]، وفي قوله تعالى: {زَوَّجْنَاكَهَ}
ما يغني عن الردِّ عن تلك المقولات التي أحدثها الزائغون في هذا الزواج -زواج النبي -صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش رضي الله عنها-.
وفي الصحيح عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: لما انقضت عِدَّة زينب؛ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لزيد: (فاذكرها عليّ)
–أي: أخطبها لي من نفسها، وذلك بوحي من الله كما تقدَّم-، قال: فانطلق زيد حتى أتاها وهي تخمِّر عجينها، قال: فلما رأيتها عَظُمَت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها؛ أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذكرها -يعني: أنَّه هابها واستجلها من أجل إرادة النبي صلى الله عليه وسلم تزوُّجها-، فعاملها معاملة من تزوَّجها -صلى الله عليه وسلم- في الإعظام والإجلال والمهابة، وكان ذلك قبل أن ينزل الحجاب؛ ولأنَّه عظَّمها لمكانها من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد خطبتها، فقد قال: فولَّيتها ظهري، ونكصت على عقبي، فقلت: يا زينب، أرسل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يذكرك، قالت: ما أنا بصانعة شيئًا حتى أُوَامِر ربي، فقامت إلى مسجدها -يعني للاستخارة-، وذلك منها -رضي الله عنها- خشية أن لا تقوم بما يجب عليها تجاه النبي –صلى الله عليه وسلم-، فاستخارت، ونزل القرآن، وهو قوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا} [الأحزاب: 37] الآية، وجاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فدخل عليها بغير إِذْن، قال: ولقد رأيتنا أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أطعمنا الخبز واللحم حين امتدَّ النهار، فخرج الناس، وبقي رجالٌ يتحدثون في البيت بعد الطعام، فخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واتبعته، فجعل يتتبَّع حُجَر نساءه يسلِّم عليهن، ويقلن: يا رسول الله، كيف وجدت أهلك؟ قال أنس: فما دري أنا أخبرته أنَّ القوم قد خرجوا أو أخبرني، فانطلق حتى دخل البيت، فذهبت أدخل معه، فألقي السِّتر بيني وبينه، ونزل الحجاب، قال: ووُعِظ القوم بما وُعِظوا به، يعني قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ} [الأحزاب: 53].
وفي صحيح البخاري عن أنس -رضي الله عنه- قال: جاء زيد بن حارثة يشكو، فجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (اتقِ الله، وأمسك عليك زوجك) قال أنس: لو كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كاتمًا شيئًا؛ لكتم هذه، قال: فكانت زينب تفخر على أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- تقول: "زوجكن أهاليكن، وزوجني الله –تعالى- من فوق سبع سموات" أ.هـ، وتقصد بذلك أنَّ الله زوجها لنبيه -صلى الله عليه وسلم- بوحي منه بنص كتابه، بلا ولي ولا شاهد، وفي رواية أنَّ عائشة -رضي الله عنها- قالت: "لو كان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- كاتمًا شيئًا من الوحي؛ لكتم هذه الآية: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ...} [الأحزاب: 37] إلى آخر الآية.
وفي قصة زواج النبي -صلى الله عليه وسلم- بزينب بنت جحش -رضي الله عنها- فوائد كثيرة منها:
1- أنَّ الله –تعالى- اختار زوجات نبيه -صلى الله عليه وسلم- على نساء العالمين، وفضلهن، وشرع له الزواج بهن، وكان ذلك لحكم كثيرة -سنأتي إلى بيانها في حلقة قادمة بإذن الله-، وهن -رضي الله عنهن- طيبات مطيبات، كما قال تعالى: {وَالطَّيِّبَات لِلطَّيِّبِينَ} [النور: 26].
2- ومن الفوائد أنَّ الله -جلَّ وعلا- أراد إبطال ما كان عليه أهل الجاهلية من أحكام التبنِّي بأمر لا أبلغ في الإبطال منه، وهو تزوُّج امرأة الذي يدعى ابنًا، ووقوع ذلك من النبي -صلى الله عليه وسلم- ليكون أدعى لقبولهم، ولما استنكر ذلك بعض الزائغين، وكيف تزوج امرأة ابنه قال سبحانه: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ} [الأحزاب: 40] الآية.
ومعلوم أنَّه -صلى الله عليه وسلم- لم يعش له ولدٌ ذكرٌ حتى بلغ الحلم، وهذا بحكمة الله –تعالى- وأمره، ولأجل هذا كان الاحتراز في ذكر المحرَّمات من النساء إذا كن زوجات أبناء الأولاد؛ لكونهم أبناء صلب، فقال تعالى: {وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ} [النساء: 23] الآية.
3- ومن الفوائد: بيان ما كان عليه الصحابة -رضي الله عنهم- من تعظيم أمهات المؤمنين، فإنَّ زيدًا -رضي الله عنه- لما علم بعزم النبي -صلى الله عليه وسلم- على خطبتها؛ عظَّمها وأجلَّها، ولما غلب عليه الإجلال؛ كلَّمها وظهرُه إليها؛ حتى لا يسبقه النظر إليها، وفي إرسال النبي -صلى الله عليه وسلم- زيدًا لخطبتها حكمة مقصودة؛ لأجل أن لا يظنَّ أحدٌ إنَّ ذلك وقع قهرًا بغير رضاه.
4- ومن الفوائد في مرور النبي -صلى الله عليه وسلم- على زوجاته وسلامه عليهن وسؤاله عن أحوالهن:
* أنَّه يستحب للإنسان إذا أتى منزله أن يسلِّم على امرأته وأهله، وهذا ممَّا يتكبر عنه كثير من الجاهلين المترفِّعين، ذكره الحافظ النووي -رحمه الله-.
* وفيه سؤال الرجل أهله عن حالهم، فربما كانت في نفس المرأة حاجة، فتستحي أن تبتدئ بها، فإذا سألها؛ انبسطت لذكر حاجتها.
* وفيه استحباب فعل المرأة الاستخارة ودعائها عند خطبتها قبل الإجابة، وأنَّ من وكَّل أمره إلى الله؛ يسَّر له ما هو الأحظُّ له والأنفع في الدنيا والآخرة.

5- وفيه من الفوائد: إثبات صفة الاستواء على العرش لله -جلَّ وعلا- بما يلقي بجلال وعظمته سبحانه، على خلاف ما يقوله بعض الناس بأنَّ الله في كلِّ مكان، وهذا جهلٌ ذريع تلزم منه محاذير كثيرة، عَلاوة على مخالفته لنصوص الكتاب والسنة، قال سبحانه: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [السجدة: 4]، وقال سبحانه: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]، وهذا ما كان عليه السلف الصالح وأتباعهم إلى اليوم، ولأجل ذلك قالت أمُّ المؤمنين زينب تفخَر على بقية نساء النبي -صلى الله عليه وسلم-: "زوجني الله -عزَّ وجل- من فوق سبع سموات"، وفي رواية: أنَّها كانت تُدِلُّ على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتقول: "يا رسول، أنا أعظم نساءك عليك حقًا، أنا خيرهن مَنكحًا، وأكرمهن سفيرًا، وأقربهم رحمًا، فزوجنيك الرحمن من فوق عرشه، وكان جبريل هو السفير بذلك، وأنا ابنة عمتك، وليس لك من نساءك قريبة غيري".
ومعنى الاستواء كما فسَّره العلماء أي: علا وارتفع وصعد واستقر سبحانه، أمَّا الكيفية؛ فلا يعلمها إلَّا الله -جلَّ وعلا-.

ولنختم أخوتي المستمعين حلقتنا هذه ببعض فضائل أم المؤمنين زينب زوج النبي –صلى الله عليه وسلم- فنقول: هي زينب بنت جحش ابن رياب ابنة عمة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أميمة بنت عبد المطلب، كانت من سادة النساء دينًا وورعًا وجودًا ومعروفًا، اشتهرت بعفة لسانها عن الخوض فيما لا يعنيها، وإنفاقها في وجوه البرِّ والخير، قال الحافظ الذهبي -رحمه الله-: "قيل إنَّ النبي –صلى الله عليه وسلم- تزوجها في ذي العقدة سنة خمس، وهي يومئذ بنت خمس وعشرين سنة، كانت صالحة صوَّامة قوامة بارة، ويُقال لها أم المساكين، وهي التي كانت تسامي عائشة في المنزلة عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال ابن عمر لما ماتت زينب بنت جحش؛ أمر عمر مناديًا أن لا يخرج معها إلَّا ذو محرم، فقالت بنت عميس: "يا أمير المؤمنين، ألا أريك شيئًا رأيت الحبشة تصنعه بنسائهم، فجعلت نعشًا وغشَّته وثوبًا"، فقال: "ما أحسن هذا وأستَره"، فأمر مناديًا، فنادى: أن اخرجوا على أمكم"، كانت وفاتها سنة عشرين، وصلى عليها عمر، وهي أول نساء النبي -صلى الله عليه وسلم- لحوقًا به -رضي الله عنها- وأرضاها.
وإلى لقاء الحلقة القادمة، أستودعكم الله-تعالى-، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


المقطع المختار من قسم مقاطع الفيديو