Get Adobe Flash player

رسالة اليوم من هدي الرسول

-          كان صلى الله عليه وسلم يجالس الفقراء، ويؤاكل المساكين، ويكرم أهل الفضل في أخلاقهم، ويتألف أهل الشرف بالبر لهم، يصل ذوي رحمه من غير أن يؤثرهم على من هو أفضل منهم (محمد الحمد)

البحث

كتاب الرحمة في حياة الرسول

شاهد مكة المكرمة مباشرة

إقرأ مقالا من أكبر كتاب في العالم

إبحث عن محتويات الموقع

ننصحك بقراءة هذا الإصدار

شاهد المدينة المنورة مباشرة

المسجد النبوي _ تصوير ثلاثي الأبعاد

Madina Mosque 3D view

الرئيسية
Dr.Khalid Shaya

You are missing some Flash content that should appear here! Perhaps your browser cannot display it, or maybe it did not initialize correctly.

الشيخ الدكتور خالد بن عبد الرحمن الشايع
نص البرنامج كاملا

تحميل
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبد الله ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأزواجه وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:
 مستمعي الكرام، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته: يشرفِّني أن أقدِّم في هذه الحلقات عرضًا لجانب مهم من حياة إمامنا وقدوتنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسيرته العطرة، وذلك فيما يتعلَّق بحياته البيتية مع زوجاته وبناته وأهل بيته، وما يروينه ممَّا يقع في بيت النبوة مع بيان بعض الفوائد والعبر المستفادة من تلك المواقف، وهذا هو المقصود بعرض تلك المواقف، وقد قال الله –تعالى-: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21]، وهذا هو أوان الشروع في المقصود، والله الموفق والمعين.
 فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "أول ما بُد به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤية إلَّا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبِّب إليه الخلاء"؛ -وذلك لِما يراه من قومه وما هم عليه من عبادة الأوثان والسجود للأصنام والضلال المبين-، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنَّث فيه -وهو التعبُّد- الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزوَّد لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: {اقْرَأْ} فقال له: (ما أنا بقارئ) -أي: لست ممن يُحسِن القراءة-، قال: (فأخذني، فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني) –أي: أنَّه ضغطه وعصره بشدة، ثم أطلقه-، فقال: اقرأ، قلت: (ما أنا بقارئ، فأخذني، فغطَّني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني)، فقال: اقرأ، فقلت: (ما أنا بقارئ، فأخذني، فغطَّني الثالثة، ثم أرسلني، فقال: { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} [العلق: 1-3]، فرجع بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يرجف فوائده، فدخل على خديجة بنت خويلد –رضي الله عنها-، فقال: (زمِّلوني زمِّلوني)، فزمَّلوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة، وأخبرها الخبر: (لقد خشيتُ على نفسي)، فقالت خديجة: "كلا والله، ما يخزيك الله أبدًا، إنَّك لتصل الرحم، وتحمل الكَل، وتُكْسِب المعدوم، وتُقْرِي الضيف، وتعين على نوائب الدهر"، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى -ابن عم خديجة-، وكان امرؤ تنصَّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني -يكتب من الإنجيل بالعبرانية- ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عَمِي، فقالت له خديجة: "يا عم، اسمع من ابن أخيك"، فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى، ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أو مخرجيَّ هم؟) قال: نعم؛ لم يأت رجلٌ قط بمثل ما جئت به إلَّا عودي، وإن يدركني يومك؛ أنصرك نصرًا مؤزرًا، ثم لم يَنْشَب ورقة أن توفي، وفَتَر الوحي".
 وقال جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- في حديثه عن فترة الوحي، فقال -صلى الله عليه وسلم- في حديثه: (بينما أنا أمشي؛ إذ سمعتُ صوتًا من السماء، فرفعتُ بصري؛ فإذا الملَك الذي جاءني بحراء، جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرُعِبت منه، فرجعت فقلت: زملوني، فأنزل الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ} إلى قوله: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدّثر: 1-5]، فَحَمِي الوحي وتتابع)[1].
 وتضمن هذا الحديث فوائد وأحكامًا وعبر كثيرة، وهي ظاهرة لمن تأمَّلها، وأشير هنا إلى بعض منها، ومن ذلك:
* أنَّ عزلة النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الناس، وتعبُّده بغار حراء كان مقدِّمة وإرهاصًا لنبوته، وهكذا ما كان يراه في المنام، ورؤيا الأنبياء وحي، قال الله –تعالى- عن إبراهيم –عليه السلام- وخطابه لإسماعيل: {إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ}.
 
* وتضمَّن هذا الحديث بيان ما كانت عليه خديجة أمُّ المؤمنين –رضي الله عنها- من عقلٍ راجح وإيمان صادق، وحازت –رضي الله عنها- قصب السبق بإيمانها وتصديقها بالرسول -صلى الله عليه وسلم-، فهي أول من آمنت به الناس، بل إنَّها كانت تستشرف ذلك الحديث العظيم، فهي التي كانت يتسابق إليها الخطاب لجليل قدرها عند أهل مكة، ومع ذلك فقد اختارت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لِما عرفت من أمانته وحيائه وتقواه، ولم تزل تتطلَّع لبوادر وإرهاصات ذلك الشأن العظيم الذي سيبلغه نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، حتى كانت هذه الواقعة، فاستبشرت الخير، وثبتَّت فؤاد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقالت واثقة بالله –تعالى-: "والله لا يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَل –أي: تعين الضعيف-، وتُكْسِب المعدوم –أي: تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك-، وتُقْرِي الضيف، وتعين على نوائب الدهر"، فاستدلت بهذه الأخلاق الكريمة على حُسن العاقبة من الله ثقة به تعالى، ثم عرضت الأمر على ابن عمها ورقة ابن نوفل والذي كان عنده علم من الكتاب، فلما سمع من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ آمن وصدق، وأخبر بنبوة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، بل وأخبر بسنة الله الماضية من عَدَاءٍ يلقاه الرسل من أقوامهم، وتمنى لو أنَّه يدرك ذلك الزمان، فينصر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولأجل هذا؛ فقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما بعد: (أنَّه رآه يلبس ثياب بيضًا إشارة إلى أنَّه من أهل الجنة)[2].
 ولما كان ابتداء الوحي غير مألوف لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- لِما فيه من الشدة كما قال تعالى: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزّمِّل: 5]، وكما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يجده من الرُّحَضَاء –أي: العرق؛ فقد استعظم النبي -صلى الله عليه وسلم- الأمر، واشتدَّ عليه، حتى ثبَّت الله جنانه بتلك السيدة الجليلة –رضي الله عنها-، وبما أظهر الله له من الآيات والدلائل البينات أنَّه رسول رب العالمين.
 وفي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إنِّي لأعرف حجرًا بمكة كان يسلِّم عليّ قبل أن أبعث، إنِّي لأعرفه الآن)، ثم تتابع الوحي على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقام بالرسالة أتمَّ قيام، وشمَّر عن ساق العزم، ودعا إلى الله القريب والبعيد والأحرار والعبيد، فآمن به حينئذٍ كل لبيب نجيب سعيد، واستمر على مخالفته وعصيانه كل جبار عنيد، فجزاه الله خير الجزاء وأوفاه، ورزقنا صحبه في جنات النعيم.
 
* ومن الفوائد أيضًا التي جاءت في هذا الحديث: بيان أنَّ أول ما نزل من القرآن العظيم هو قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ} [العلق: 1-2] الآيات، وبها نُبِّئ -عليه الصلاة والسلام-، ثم نزل عليه {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ} [المدّثر: 1-2] الآيات، وبها أُرْسل، قال الحافظ الذهبي رحمه الله: "فكان الوحي الأول للنبوة والثاني للرسالة "، وهذا ما قرَّره شيخ الإسلام الإمام المجدِّد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- في الأصول الثلاثة.
 
 وفي ختام هذه الحلقة ها هنا تنبيه حول ما يفعله بعض إخواننا المسلمين من تكليف أنفسهم بصعود بجبل النور بمكة للوصول إلى غار حراء؛ ظنًا منهم أنَّ ذلك قُرْبة من الله –تعالى- والذي تدلُّ عليه سُنَّة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهديه أنَّ ذلك ليس بمشروع، بل إنَّه على الصفة المذكورة بدعة منكرة؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يأمر بذلك، بل إنَّه -صلى الله عليه وسلم- لمَّا أكرمه الله بالنبوة؛ لم يكن يفعل ما فعله قبل ذلك من التعبُّد في غار حراء، ولم يُحْفَظ عنه مدة إقامته بمكة قبل الهجرة، ولا لمَّا أتاها لعمرة القضية والجعرانة، ولا في فتح مكة، ولا في حجة الوداع أنَّه أتى إلى غار حراء، وصعد إليه، ولو كان ذلك مشروعًا؛ لفعله -صلى الله عليه وسلم-، وهكذا أصحابه من بعده -رضي الله عنهم-، وقد نبَّه لهذا شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-.
 
وفَّقنا الله –تعالى- جميعًا للزوم السنة والعمل بها، وإلى لقاءنا التالي بعونه تعالى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

 


[1]   هذا الحديث رواه البخاري في كتاب بدء الوحي من صحيحه باب: "كيف كان بِدء الوحي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"، وفي مواضع أخرى من الصحيح.
[2]   رواه أبو يعلى وغيره.