Get Adobe Flash player

رسالة اليوم من هدي الرسول

-كان صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل , وتركه مرة فقضاه في شوال . واعتكف مرة في العشر الأول , ثم الأوسط , ثم العشر الأخير , يلتمس ليلة القدر , ثم تبين له أنها في العشر الأواخر , فداوم على اعتكافه حتى لحق بربه عز وجل .ابن القيم

البحث

كتاب الرحمة في حياة الرسول

شاهد مكة المكرمة مباشرة

إقرأ مقالا من أكبر كتاب في العالم

إبحث عن محتويات الموقع

شاهد المدينة المنورة مباشرة

المسجد النبوي _ تصوير ثلاثي الأبعاد

Madina Mosque 3D view

الرئيسية

You are missing some Flash content that should appear here! Perhaps your browser cannot display it, or maybe it did not initialize correctly.

الشيخ الدكتور خالد بن عبد الرحمن الشايع
نص البرنامج كاملا
تحميل
بسم الله الرحمن الرحيم، أيُّها الأحبة الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

 سنستعرض معك في هذه الحلقة واحدًا من مواقف بيت النبوة، تلك المواقف التي اهتم لها المسلمون زمن النبي –صلى الله عليه وسلم-، واهتمت بها الأمة من بعدهم، فنقلها أئمة الإسلام في كتبهم ومصنفاتهم، كما أنَّ كتاب الله العظيم قد سجَّل كثيرًا من تلك المواقف، ومن هذه المواقف من بيت النبوة ما جاءت الإشارة إليه في قوله تعالى من سورة الأحزاب: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 29،28]، ففي هاتين الآيتين الكريمتين يأمر الله -تبارك وتعالى- رسوله –صلى الله عليه وسلم- بأن يخيِّر نساءه بين أن يفارقهن، فيذهبن إلى غيره ممن يحصل لهن عنده الحياة الدنيا وزخارفها وبين الصبر على ما عنده من عِيشة الإقلال وضيق الحال، ولهن مقابل ذلك ما لا يشاركهن فيه أيُّ امرأة في العالم من الثواب الجزيل من عند الله –تعالى-، فاخترن –رضي الله عنهن وأرضاهن- الله والرسول والدار الآخرة، فجمع الله لهن بعد ذلك من خير الدنيا وسعادة الآخرة.

 

وفي صحيح البخاري عن عائشة زوج النبي –صلى الله عليه وسلم- قالت: "لما أُمِر رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بتخيير أزواجه؛ بدأ بي، فقال: (إني ذاكر لك أمرًا، فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويكِ) –أي: أن يبيِّنا لك رأيهما في ذلك-، قالت: وقد علم أنَّ أَبَوَي لم يكونا يأمراني بفراقه، قالت: ثم قال: إنَّ الله -جل ثناؤه- قال: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} إلى قوله: {أَجْرًا عَظِيمًا}، قالت: فقلت: ففي أيِّ هذا أستأمر أبويَّ، فإنِّي أريد الله ورسوله والدار الآخرة؟ قالت: ثم فعل أزواج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مثلما فعلت".

 وفي رواية أنَّ عائشة -رضي الله عنها- قالت: "يا رسول الله، وأسألك أن لا تخبر امرأة من نساءك بالذي قلت"، وكأنَّها تريد بذلك أن يخترن غير ما اختارت، فتتوحَّد برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لكنه -عليه الصلاة والسلام- أجابه بقوله: (لا تسألني امرأة منهن إلَّا أخبرتها إنَّ الله لم يبعثني متعنتًا، وإنَّما بعثني معلِّمًا ميسِّرًا)، هكذا يحلُم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على نساءه، ويلاطفهن، مع أنهنَّ كُنَّ قد ألجأنه إلى هذا التخيير، بل وأغضبنه غضبًا شديدًا، يوضِّح ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنها- قال: "حدثني عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: "لما اعتزل نبي الله -صلى الله عليه وسلم- نساءه، قال: دخلت المسجد، فإذا الناس ينكتون بالحصى –أي يضربون به الأرض كفعل المهموم المفكر-، ويقولون: طلَّق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نساءه وذلك قبل أن يؤمرن بالحجاب، قال عمر: فقلتُ: لأعلمنَّ ذلك اليوم، قال: فدخلت على عائشة، فقلتُ: يا بنت أبي بكر، أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ فقالت: ما لي وما لك يا بن الخطاب؟ عليك بِعَيْبَتك –مرادها عليك بوعظ ابنتك حفصة-، قال: فدخلت على حفصة بنت عمر، فقلت لها: يا حفصة، أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ والله لقد علمت أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يحبك ولولا أنا لطلقكِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فبكت أشد البكاء". وفي رواية أنَّ أبا بكر أيضًا عاتب عائشة، وعنَّفها على ما حدث.

 وفي رواية: أنَّ عمر كلم أمَّ سلمة، فقالت له: عجبًا لك يا بن الخطاب، قد دخلت في كلِّ شيء حتى تبتغي أن تدخل بين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأزواجه؟ وبعد أن دخل عمر على حفصة وعاتبها ووبخها، قال: فقلت لها: أين رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ قالت: هو في خزانته في المَشْرُبة -وهي غرفة عالية مرتفعة-، قال عمر: فدخلت؛ فإذا برباح غلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قاعد على اُسْكُفَّةِ   المَشْرُبة –أي: عتبتها السفلى- مدلٍّ رجليه على نقير من خشب -وهو جذع يرقى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وينحدر-،  فناديت يا رباح، استأذن لي عندك على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فنظر رباح إلى الغرفة، ثم نظر إليّ، فلم يقل شيئًا، ثم قلت: يا رباح، استأذن لي عندك على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فنظر رباح إلى الغرفة، ثم نظر إليّ، فلم يقل شيئًا، ثم رفعت صوتي، فقلت: يا رباح، استأذن لي عندك على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإنِّي أظنُّ أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ظنَّ أنِّي جئت من أجل حفصة، والله لئن أمرني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بضر ب عنقها لأضربن عنقها، ورفعت صوتي، فأومأ إلي أن ارْقَه،  فدخلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو مضجع على حصير، فجلست، فأدنى عليه إزاره، وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثَّر في جنبه، فنظرت ببصري في خزانة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإذا أنا بقبضة من شعير نحو صاع ومثلها قَرَظًًا –وهو ورق السَّلم- في ناحية الغرفة، وإذا أفِيق معلَّق –وهو الجلد الذي لم  يُدْبَغ-، قال: فابتدرت عيني –أي: لم يتمالك نفسه، فبكى وسالت دموعه-، قال -صلى الله عليه وسلم-: (ما يبكيك يا ابن الخطاب؟)، قلت: يا نبي الله، وما لي لا أبكي، وهذا الحصير قد أثَّر في جنبك، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلَّا ما أرى، وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار، وأنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصفوته، وهذه خزانتك؟ فقال: (يا ابن الخطاب ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟)، قلت: بلى، قال: ودخلت عليه حين دخلت وأنا أرى في وجهه الغضب، فقلت: يا رسول الله، ما يشقُّ عليك من شأن النساء، فإن كنت طلقتهن؛ فإنَّ الله معك، وملائكته، وجبريل، ومكائيل، وأنا، وأبو بكر، والمؤمنون معك، وقلَّ ما تكلمت، وأحمد الله بكلام إلَّا أن يكون الله يصدِّق قولي الذي أقول، ونزلت هذه الآية -آية التخير-: {عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ} [التحريم: 5]، والآية:{وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} [التحريم: 4]، فقلت: يا رسول الله، أطلقتهن؟ قال: (لا) قلت: يا رسول الله، إنِّي دخلت المسجد والمسلمون ينكتون بالحصى يقولون: طلق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نساءه، أفأنزل فأخبرهم أنَّك لم تطلقهن؟ قال: (نعم، إن شئت)، فلم أزل أحدِّثه حتى تحسَّر الغضب عن وجهه وحتى كَشَر، فضحك- أي: بدت أسنانه متبسمًا، وكان من أحسن الناس ثغرًا -عليه الصلاة والسلام-، ثم نزل نبي الله -صلى الله عليه وسلم-، فنزلت أتشبَّث بالجذع، ونزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كأنما يمشي على الأرض ما يمسُّه بيده، فقلت: يا رسول الله، إنَّما كنتَ في الغرفة تسعة وعشرين؟ قال: (إنَّ الشهر يكون تسعًا وعشرين)، فقمتُ على باب المسجد، فناديتُ بأعلى صوتي: لم يطلق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نساءه، ونزلت هذه الآية {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، فكنت أنا استنبطت ذلك، وأنزل الله -عزَّ وجل- آية التخيير"ا.هـ، ثم عمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى نساءه، فخيرهن، فاخترن الله ورسوله -كما تقدم ذكره-.

 

وفي هذا الموقف تتبيَّن لنا جملة من المواقف والدروس والعبر، وهي كثيرة منها:

 *ما ينبغي أن يكون عليه الأزواج من التلطُّف مع زوجاتهم وعدم الوطأة عليهن، فإنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أخذ بطريقة الأنصار في عدم التشديد على النساء والرفق بهن، كما جاء بيانه في رواية أخرى.

 *وفيه بيان ما ينبغي على الآباء من وعظ بناتهم وتأديبهن بالقول لأجل إصلاحهن لأزواجهن، كما فعل أبو بكر مع عائشة، وكما فعل عمر مع حفصة، وبوَّب على هذا البخاري، فقال: "باب موعظة الرجل ابنته لحال زوجها".

 *وفيه الصبر على الزوجات، والإغضاء عن هفواتهن وإغلاظهن في كلامهن، والصفح عما يقع منهن من زلل في حق المرء، بخلاف ما كان من حق الله –تعالى، وهكذا كان هديه -صلى الله عليه وسلم-.

 *وفيه أنَّ المرء إذا رأى صاحبه مهمومًا؛ استُحِب له أن يحدثه بما يزيل همه ويطيب نفسه، كما فعل عمر -رضي الله عنه- فقد جاء في رواية أنه قال:"لأقولن شيئًا يضحك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وذكر له ما فعل بحفصة وأنه أنبها حتى تبسم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لذلك.

 *وفي هذا الموقف كما جاء في رواية أنَّ عائشة قالت: "إنَّك أقسمت يا رسول الله أن لا تدخل علينا شهرًا، وإنا أصبحنا بتسع وعشرين ليلة أعدُّها عدًا"، فقال -صلى الله عليه وسلم-: (الشهر تسعٌ وعشرين)، ففي قولها: أعدُّها عدًا إشعارٌ بثقل تلك الأيام على نفسها، وإيحاء بترقُّب العودة والاشتياق لها ساعة بساعة.

 *وفيه بيان ما كان عليه الصحابة من محبة الإطلاع على أحوال النبي -صلى الله عليه وسلم- جلَّت أو قلَّت، وحرصهم الشديد على رعاية خاطره -صلى الله عليه وسلم- من أن يحصل له تشويش ولو قلّ، والقلق لما يقلقه، والغضب لما يغضبه، والهمّ لما يهمُّه –رضي الله عنهم وأرضاهم-.

 *وفيه فضائل ظاهرة للفاروق عمر -رضي الله عنه وأرضاه -، إلى غير ذلك من الفوائد والدروس.

 وفَّقنا الله جميعًا لاقتفاء آثار النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحبه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.