Get Adobe Flash player

رسالة اليوم من هدي الرسول

-          عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه كان يدعو بهذا الدعاء : اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي ، وإسرافي في أمري ، وما أنت أعلم به مني ، اللهم اغفر لي جدي وهزلي ، وخطئي وعمدي ، وكل ذلك عندي ، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت ، وما أسررت وما أعلنت ، وما أنت أعلم به مني ، أنت المقدم وأنت المؤخر ، وأنت على كل شيء قدير متفق عليه

البحث

كتاب الرحمة في حياة الرسول

شاهد مكة المكرمة مباشرة

إقرأ مقالا من أكبر كتاب في العالم

إبحث عن محتويات الموقع

شاهد المدينة المنورة مباشرة

المسجد النبوي _ تصوير ثلاثي الأبعاد

Madina Mosque 3D view

الرئيسية

You are missing some Flash content that should appear here! Perhaps your browser cannot display it, or maybe it did not initialize correctly.

الشيخ الدكتور خالد بن عبد الرحمن الشايع
نص البرنامج كاملا

تحميل

بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه و التابعين وبعد: 
 مستمعيّ الكرام: نتابع في هذه الحلقة عرض بعض المواقف من بيت النبوة، مع التنبيه لبعض الفوائد والعبر، ومن تلك المواقف:
 ما رواه البخاري ومسلم عن أمِّ المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قالت: "جاءَتْنِى مِسْكِينَةٌ تَحْمِلُ ابْنَتَيْنِ لَهَا، فَأَطْعَمْتُهَا ثَلاَثَ تَمَرَاتٍ، فَأَعْطَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَمْرَةً، وَرَفَعَتْ إِلَى فِيهَا تَمْرَةً لِتَأْكُلَهَا، فَاسْتَطْعَمَتْهَا ابْنَتَاهَا، فَشَقَّتِ التَّمْرَةَ التي كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَأْكُلَهَا بَيْنَهُمَا، فَأَعْجَبَنِى شَأْنُهَ، فَذَكَرْتُ الذي صَنَعَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-فَقَال: (إنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْجَبَ لَهَا بِهَا الْجَنَّةَ، أَوْ أَعْتَقَهَا بِهَا مِنَ النَّار)"، وفي رواية: (مَنِ ابْتُلِىَ مِنَ الْبَنَاتِ بِشَيء، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ؛ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّار)[1].
وهذا الموقف من بيت النبوة، تضمن عدة قضايا, منها:
*  بيان ما كان عليه بيت النبوة من البرِّ والإحسان، وسأتكلم عن هذه القضية بعد قليل.
* وتضمن أيضًا بيان فضل الإحسان إلى الأولاد عمومًا وخصوصًا البنات؛ وذلك لأنَّ بعض الناس قد يضجر أن لا يُـرزق إلَّا البنات فقط، وهذا التسخُّط لا يجوز، ولذا فقد عاب الله على أهل الجاهلية ما كانوا عليه من كراهية ولادة البنات، قال الله -تعالى-: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاء مَا يَحْكُمُون   فينبغي على من وجد عنده مثل ذلك التسخُّط وتلك الكراهية أن يتقي الله، وأن يحمده على ما رزقه .
 ولعلَّ ما يدفع بعض الآباء والأمهات إلى تفضيل الذكور على الإناث هو اعتقادهم أنَّ الولد الذكر أنفع لهم من البنت، ولكن هذا الاعتقاد في غير محلِّه، فقد وُجِد في أحيان كثيرة أنَّ البنات أعظم برًا بالوالدين، وأنَّ البنات أشفق وأرفق من الأولاد الذكور، ولذا قال الله -تعالى-: {آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ   نَفْعًا}.
ومن طريف ما يُرْوَى في هذا الباب: أنَّ أميرًا من العرب يُكَنَّى بأبي حمزة تزوَّج امرأة، وطمع أن تلد له غلامـًا، فولدت له بنتـًا، فهجر منزلها؛  لشدة غيظه من ولادتها لأنثى، وصار يأوي إلى بيت غير بيتها، فمرَّ بخِبائها بعد عام، وإذا هي تداعب ابنتها بأبيات من الشعر تقول فيها:
ما لأبي حمـزة لا يأتينـا ..


 يظلُّ بالبيت الـذي يلينـا ..
غضبان أن لا نَلِـد البنينـا ..

 .. ليس لنا من أمرنا ما شِينـا
  .. وإنَّما نأخذ مـا أعطينـا
 .. ونحن كالأرض لزارعينـا 
 ..نُنْبِت ما قد زرعوه فينا   
وما إن سمع أبو حمزة هذا القول؛ حتى غلبه حنان الأبوة ومودة الزوجية، فدخل البيت، وقبّل رأس امرأته وابنتها.
أيُّها المستمعون الكرام: إنَّ تلك المرأة التي أعطت ابنتيها التمرتين، ثم قسَمت تمرتها بينهما لما طلبتا المزيد، لتلك المرأة نظائر كثيرة، ولابنتيها وحاجتهما أمثال كثيرة إلى زمننا اليوم، فكم من يتيم ينشد عطف الأبوة الحانية، ويتلمَّس حنان الأم الرؤوم، يرنو إلى من يمسح رأسه، ويخفِّف بؤسه! وكم من أرملة توالت عليها المحن! إلى غير ذلك من حالات البؤس والحاجة، فحقٌّ على كلِّ ذي نعمة في شهر المواساة أن يتذكر هؤلاء، فيرعى اليتامى، ويواسي الأيامى، ويشمل ببرِّه وخيراته سائر إخوانه. ويقارن ذلك تفتيشه عن أصحاب الحوائج، وخاصة الذين  يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفُّف، وله في ذلك خير أسوة وأفضل قدوة محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم-، ففي الصحيحين عن ابْن عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-قال: " كَانَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكان أَجْوَدُ مَا يَكُونُ في رَمَضَانَ حين يلقاه جبريل" الحديث.
وفي قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (من ابتلي من البنات بشيء، فأحسن إليهن؛ كُنَّ له سترًا من النار تنبيه إلى أهمية رعاية البنات على وجه الخصوص, لأنَّ الإجحاف بحقهن واقع وكثير، ولذا قال -عليه الصلاة والسلام- في حديث آخر: (من عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا؛ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وهو) وضمَّ أصابعه، إشارة إلى مرافقته للنبي -صلى الله عليه وسلم- يوم القيامة.
والإحسان إلى البنات عامٌّ يشمل كلَّ ما به صلاحهن وحفظهن واستقامتهن، ثم تزويجهن بالأزواج الأكفاء المرضيين في دينهم وأخلاقهم.
وبيَّن الموقف الذي ذكرناه في أول هذه الحلقة ما كان عليه بيت النبوة ونساءه من البرِّ والإحسان، وهذا ظاهر لمن تأمَّل سِير أمهات المؤمنين -رضي الله عنهن-, ومن ذلك أنَّ عائشة -رضي الله   عنها- عندما أعطت المرأة المذكورة تلك التمرات الثلاث لم يكن عندها في البيت سواهن، ومع ذلك لم تبخل بهن.
وفي خلافة معاوية بعث إليها -رضي الله عنه- مرةً بمائة ألف درهم؛ تعظيمـًا لمقام زوجات رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فما أمست -رضي الله عنها- حتى فرَّقتهن، فقالت لها مولاتها: لو اشتريتِ لنا منها بدرهم لحمًا؟ فقالت: ألا قلت لي؟ –يعني هلَّا ذكرتيني-.
وهكذا كانت أمُّ المؤمنين سَودة -رضي الله عنها-على جانب عظيم من الصدقة وبذل المال، فقد ذكر الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء: "أنَّ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بعث إليها بغِرارة دراهم، فقالت: ما هذه؟ قالوا: دراهم، قالت: في الغِرارة مثل التمر -أي: أنَّها لم تعبأ به -، ثم قالت: يا جارية، بلغيني القُـنع -طلبت طبقًا-، ثم فرَّقتها.
وهكذا أمُّ المؤمنين زينت بنت خزيمة بن الحارث -رضي الله عنها- كانت من أشهر النساء في جانب الطاعة والعبادة ورحمة المساكين والفقراء، وقد كانت تُعْرَف بـ [أمِّ المساكين]؛ لكثرة إطعامها للمساكين والعناية بهم، وكان ذلك منها في الجاهلية قبل الإسلام، وزادت من ذلك البرِّ بعد أن صارت واحدة   من أمهات المؤمنين   .
 وكذلكم أمُّ المؤمنين زينب بنت جحش -رضي الله عنها- كانت من سادة النساء دينـا و ورعًا و جودًا ومعروفًا -رضي الله عنها وأرضاها-، ذكر الحافظ الذهبي -رحمه الله- عن بَرْزَة بنت رافع قالت: "أرسل عمر إلى زينب بعطائها, فقالت: غفر الله لعمر، غيري كان أقوى على قَـسْم هذا، -وكانت تظن أنَّ ذلك العطاء لها ولباقي زوجات النبي صلى الله عليه وسلم-, فقالوا: كلُّه لك, قالت: سبحان الله، واستترت منه بثوب، وقالت: صُبُّوه، واطرحوا عليه ثوبًا، وأخذت تفرِّقه في رحمها وأيتامها، وأعطتني ما بقي، فوجدناه خمسة وثمانين درهمًا، ثم رفعت يدها إلى السماء، فقالت: اللهم لا يدركني عطاء عمر بعد عامي هذا. ا.هـ
ولعلها رغبت عن حطام الدنيا وزخارفها، وتشوَّقت للحبيب المصطفى -صلى الله   عليه وسلم-، فدعت بذلك الدعاء، فأين نساءنا عن مثل هذه الأمثلة والمُثل الرائعة، وأين سائر الأغنياء عن هذه المثل؟!
 ولنختم هذه الحلقة -أيُّها الأحبة الكرام- بهذا الموقف الطريف ودلالاته السامية، وهو من مواقف بيت النبوة مما له صلة بموضوعنا هذا، فقد روى مسلم في صحيحه عن عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: "قَالَ رَسُولُ   اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم: (أسرعكن لَحَاقًا بِى أَطْوَلُكُنَّ يَدًا)، قالت: فَكُنَّ يَتَطَاوَلْنَ أَيَّتُهُنَّ أَطْوَلُ يَدًا، قَالَتْ: فَكَانَتْ أَطْوَلَنَا يَدًا زَيْنَبُ؛ لأَنَّهَا   كَانَتْ   تَعْمَلُ بِيَدِهَا وَتَصَدَّقُ".
  ويفسِّر هذا ويوضِّحه ما رواه الحاكم في المستدرك عن عائشة قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-لأزواجه: "أسرعكن لحوقًا بي أطولكن يدا"، قالت عائشة: فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- نمدُّ أيدينا في الجدار نتطاول، فلم نزل نفعل ذلك حتى توفِّيت زينب بنت جحش -رضي الله عنها, وكانت امرأة قصيرة، ولم تكن أطولنا، فعرفنا حينئذ أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- إنَّما أراد بطول اليد الصدقة، وكانت زينب امرأة صنّاعة باليد، وكانت تدبغ وتخرز، وتصدَّق في سبيل الله؛ ولأجل ذلك أثنت عليها عائشة فقالت: ما رأيت امرأة خيرًا في الدِّين من زينب أتقى لله وأوصل للرحم، وأعظم صدقة -رضي الله عنها-، وقالت عائشة أيضًا: "يرحم الله زينب، لقد نالت في الدنيا الشرف الذي لا يبلغه شرف، إنَّ الله زوَّجها، ونطق به القرآن، وإنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لنا: (أسرعكن لحوقًا بي أطولكن باعًا)، فبشَّرها بسرعة لحوقها به، وهي زوجته في الجنة.
رضي الله عن زوجات نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- وعن سائر أهل بيته   والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وإلى لقاء الحلقة القادمة بعون الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته  .
___________________________

[1] هذا الحديث خرَّجه البخاري في صحيحه في كتاب الزكاة باب: اتقوا النار ولو بشق تمرة والقليل من الصدقة، وفي كتاب الأدب، باب: رحمة الولد وتقبيله ومعانقته، وخرَّجه مسلم في كتاب البر والصلة، باب: فضل الإحسان إلى البنات.

المقطع المختار من قسم مقاطع الفيديو