Get Adobe Flash player

رسالة اليوم من هدي الرسول

النبوة والرسالة محض فضل من الله يختص به من شاء من عباده , وهو سبحانه  أعلم بمواقع فضله , ومحال رضاه , وأعلم بمن يصلح لهذا الشأن , فهو سبحانه صاحب الخلق والتدبير , والاختيار والاصطفاء , كما قال تعالى : ( وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون ) وقال تعالى : ( وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته ) عبد الرؤوف عثمان

كتاب الرحمة في حياة الرسول

إقرأ مقالا من أكبر كتاب في العالم

فضل المدينة وسكناها

ننصحك بقراءة هذا الإصدار

أضخم عمل عن الحرمين الشريفين

شاهد المدينة المنورة مباشرة

الرئيسية
التغيير الاقتصادي

لم يأت محمدٌ (صلى الله عليه وسلم) ولم يقدم نفسه للناس بوصفه داعية اقتصادياً، أو صاحب نظرية اقتصادية جديدة، بل بُعث نبيًّا وقدم نفسه بهذه الصفة، ليقول للناس: إنه قد جاء لإصلاح الدين والدنيا معًا .

ولو أراد محمد (صلى الله عليه وسلم) أن يجعل دعوته اقتصادية يكون همّها الأول حال الناس وتغييرهم إلى حياة أفضل على المستوى الاقتصادي؛ لتبعه أضعاف من تبعه، ولما لاقى من العقبات ما لاقى، ولكنه أعلن أنه نبي جاء لتحقيق عبودية الإنسان لربه أولاً، ومن معاني تلك العبودية أن يعمل المسلم على إعمار الكون وفق منهج إلهي يضمن أسسًا ثابتة من أهمها: العدل وحفظ الحقوق والرحمة.

ومع ذلك فقد حقق محمد (صلى الله عليه وسلم) إنجازات في الإصلاح الاقتصادي في مجتمعه سواء ما يتصل بعلاج المشكلات الاقتصادية، أو بناء الفاعلية الاقتصادية لدى أفراد المجتمع.

مشكلة الممارسات السيئة واستغلال رأس المال: 
كانت هناك العديد من الممارسات السيئة في الأعمال التجارية، تهدف بالأساس إلى تضخيم ثروة الغني، وإضعاف الفقير وإذلاله حتى تصل به إلى الاستعباد، فكانت تزيد من الفوارق الطبقية، ومن هذه الممارسات :

1- الاحتكار : وهو أن يتحكم شخص واحد أو مجموعة محددة متفقة بينها على التحكم في سلعة أو مجموعة من السلع، فيمنعونها ويعرضونها حسب رغباتهم ويتحكمون في سعرها، ولا مجال للناس للاستغناء عنها، ولا منعهم من سوء أفعالهم.

وقد انتشر الاحتكار في المدن كمكة والطائف والمدينة، وأكثر من اشتهر بها تجار المدينة من اليهود.

لذا نهى محمد (صلى الله عليه وسلم) عنه فقال: «لا يحتكر إلا خاطئ»([1]).

وقال (صلى الله عليه وسلم): «من احتكر حكرة يريد أن يغلي بها على المسلمين فهو خاطئ»([2]).

2-الربا : لقد شاع التعامل بالربا في مكة والطائف ويثرب ونجران، ومارسه اليهود، وانتقل منهم إلى العرب، وكان على نوعين:

- ربا النسيئة: وهو زيادة المبلغ على المدِين مقابل تأجيل الدفع، فكان المضطر يقترض، ويدفع مبلغًا أكبر بكثير من القرض، وربما تُرهقه الزيادة أكثر من أصل الدين.

 - وربا الفضل: وهو الزيادة التي تترتب على بيع العينات المتماثلة؛ بسبب اختلاف جودتها كمبادلة التمر الجيد بالتمر الرديء على زيادة فيه.

 وكان الربا يُؤخذ أضعافًا مضاعفة، وكان سببًا في كثير من الأحيان لاستعباد المدين أو أحد أبنائه إن عجز عن سداد دينه.

لذا فقد جاءت رسالة محمد (صلى الله عليه وسلم) بتحريم الربا والنهي عنه، فقال سبحانه :  (البقرة: 278-279).

كما توعد محمد (صلى الله عليه وسلم) آكل الربا ومتعاطيه؛ فيقول الصحابي جابر بن عبد الله رضي الله عنه: «لعن رسول الله (صلى الله عليه وسلم): آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه»، وقال: «هم سواء».([3])

وحذَّر من الربا والزنا وخطورتهما على المجتمع فقال(صلى الله عليه وسلم) : «إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلّوا بأنفسهم عذاب الله».([4])

3- أكل أموال الناس بالباطل: فكل صاحب حق لا يستطيع أن ينال حقه إلا إذا كانت معه قوة تحميه، أو يعيش في كنف رجل قوي فينال حقه، أما غير ذلك فلا حق له يستطيع الوصول إليه، وكان هذا الأمر سببًا في حلف اتفق عليه بعض فضلاء أهل مكة قبل الإسلام، وشهده محمد e قبل بعثته، وسُمِّي بحلف الفضول، وتعاهد فيه المتحالفون على نصرة الضعيف، ومساعدته في نيل حقه، والوقوف أمام أي قويّ مهما كان حتى يُؤخَذ الحق منه، ولكن هذه الدعوات والأحلاف كانت قليلة التأثير في المجتمعات التي قامت وترسخت وتعمقت فيها تلك المبادئ الباطلة.

مشكلة التفاوت الطبقي وكيف عالجها محمد:
لم يحاول محمد (صلى الله عليه وسلم) ابتداءً إزالة الفروق الطبقية بين الناس مباشرة وكليًّا، وليس في إزالتها بالكلية نوع من العدل، إذ إن الناس لا بد أن يتفاوتوا لكي تسير حركة الحياة ولكي يحتاج الناس بعضهم إلى بعض ويعمر الكون. ولذا فأي حلّ يحاول هدم الفوارق الطبقية لن ينجح؛ لأنه يصطدم بالفطرة الإنسانية قال الله تعالى في هذا:  (الزخرف: 32).

ولكن ما أراد محمد e تصحيحه هو إزالة الفجوة الشديدة بين الطبقات، وتحكّم الطبقة العليا في المال وفي مقدرات من سواهم، بل في مصائرهم، وعمل e على التقارب بين الطبقات؛ كي لا يتحكم الصفوة في الباقين الذين يكدحون ولا يجدون حتى حريتهم، وكان من القرارات والشرائع التي انتهجها محمد e في دعوته ما أسهم في تقريب الطبقات من بعضها بعضاً.

 وكان أول التشريعات وأهمها أركان الإسلام التي لا يمكن لمسلم أن يُقبَل إسلامه دونها؛ فالشهادتان وهو قول الإنسان: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله»، وكل مسلم يقولهما يكون له ما على بقية المسلمين وعليه ما عليهم.

 والصلاة : فُرِضَت الصلاة على المسلمين عامة، ولم يستثن منها غني لغناه ولا ذو جاه لمنصبه، بل فُرضت على الجميع، ولا تسقط عن المسلم أبدًا إلا إذا فقد عقله أو مات، وشرع لها أن تكون في جماعة في المسجد للرجال، بحيث يقف الجميع صفًّا واحدًا لا يملك كبير ولا عظيم أن يمنع مسلمًا فقيرًا أو مسكينًا أن يصلي بجواره، فكانت الصلاة بابًا عظيمًا من أبواب التقريب بين فئات الناس.

الصوم: شرع الصوم، وفرض على المسلمين كافة، ولا يستثنى منه إلا مريض لمرضه، أو مسافر لسفره، ولم يُستثن غني ولا ذو جاه، وصيام المسلمين يمتد لساعات متصلة من النهار لا طعام ولا شراب، فيشعر الغني تمامًا بأخيه الفقير عندما يقاسي حرارة الجوع وشدته، وإذا كان الغني ستأتيه لحظة إفطاره، ويتناول فيها ما اشتهى، فيشعر أن له أخًا يقاسي على الدوام الآلام نفسها، ولا تأتيه لحظة إفطاره إلا إذا عطف غني عليه فيرِقّ قلبه لأخيه ويعطيه مما أنعم الله عليه، ويذكره محمد e بقوله: «ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم»([5]).

وكان محمد e يلفت النظر دائمًا إلى الأثر الضار للجوع على المجتمع، إذ قرن بينه وبين الخيانة، فكان يستعيذ بالله منهما فيقول: «اللهم أني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئس البطانة»([6]).

أثر الزكاة:
 الزكاة ركن من أركان الإسلام، ولا يصح إسلام مسلم قادر عليها إلا بإخراجه لزكاة ماله، وهي الركن العملي في علاج التفاوت الطبقي، فكل الأركان السابقة أركان معنوية لعلاج التفاوت الطبقي، وهي معلومة القدر، معلومة التوقيت، يُخرجها الغني من ماله ليصح إسلامه، ومن منعها متعمدًا وهو قادر فقد ركنًا من أركان إسلامه، بل وعدَّه أبو بكر الخليفة الأول ووافقه كل الصحابة مرتدًّا عن الإسلام وقاتله.

 وقد أمر الله بالزكاة في القرآن الكريم في العديد من المواضع في آيات كثيرة تحمل الأمر نفسه، فقال سبحانه:  (النور: 56).

 ، وعدَّها محمد e من أركان بناء الإسلام فقال: «بُنِيَ الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان »([7]).

والزكاة تؤخذ من الغني، وتُرَدّ على الفقير، بل لها مصارف معلومة لا تُنْفَق إلا فيها، فليست من الموارد التي تصرف في أي وجه من الوجوه، قال الله :  (التوبة: 60). فجعلها الله لكل ذوي الحاجة من الفقراء والمساكين والمدين الذي لا يستطيع أن يؤدي دينه، والمغترب الذي لا يجد مالاً ينفقه، وغيرهم ممن ذكرهم الله تعالى في الآية.

والزكاة لا يسعى الفقير إليها، بل الغني مطالب بأن يسعى بها إلى الفقير؛ لأنها ركن من أركان إسلام الغني، فيجب عليه أن يبادر بإخراجها ويعطيها لأهلها، وبذلك تتحقق للفقير كرامته، فلا يمتهن نفسه على أبواب الأغنياء، هذا يعطيه وهذا يرده.

والزكاة حق للفقير في المال، وليست هبة من الغني، قال الله عز وجل:  (المعارج: 24-25) ،. فهي حق من الحقوق ومعلومة المقدار ليس له أن يقل عنها.

والزكاة تطهِّر نفس الغني بأن يخرجها وينتصر على نفسه، وعلى شهوة حب المال لديه كما قال الله تعالى:  (التوبة: 103).

والزكاة تثبت أواصر المودة بين الغني والفقير؛ لأن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها فتسود المحبة في المجتمع ويعلم الفقير أن له إخوانًا يحملون معه همه، ويسعون إلى تفريج كربه، فيختفي الغلّ والحقد من النفوس.

والزكاة فيها إعادة لتوزيع الثروة بين الناس؛ فلا يستقل الأغنياء بالمال فقط، فيدور بينهم ويزداد الغني غنى، والفقير فقرًا، بل يدور المال بين الأغنياء والفقراء، وتتوزع الثروات كما قال الله تعالى: (الحشر: 7) .

  والزكاة تسهم في علاج مشكلة الفقر المشكلة التي يعاني منها العالم الآن، «فتؤكد الإحصائيات الدولية تزايد عدد الفقراء، واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، ويبلغ عدد الفقراء في العالم 3 مليارات نسمة، أي نحو 50% من سكانه، ممن يقل الدخل اليومي للفرد عن دولارين، وللأسف فإن نسبة كبيرة من هؤلاء يعيشون تحت خط الفقر، حيث يقل دخل الفرد منهم عن دولار يوميًّا، وفي الوقت نفسه فإن هناك 176 مليارديرًا في العالم يملكون من الثروات ما يعادل الناتج القومي لـ45 دولة، وفي الوقت نفسه فإن هناك 41 دولة فقط من إجمالي دول العالم البالغ 206 دول تسيطر على 80% من الاقتصاد العالمي، في حين لا تسيطر 165 دولة إلا على 20% فقط!!» ([8]).

والزكاة ليست حربًا على الملكية الفردية؛ فمحمد e لم يحارب الملكية الفردية بما جاء به، بل حماها ودافع عنها وأثبتها لصاحبها مهما كثر مال الفرد فيها، ولكنه اشترط أن يؤدي الزكاة عن ماله؛ فليس المطلوب أن يخرج الإنسان من ماله، ولا أن يؤخذ منه عنوة لتوزيع الثروة، فلا يملك هذا الحق أحد، ولم يستثن من هذا أحد، كما يسمح بالملكية الفردية في الأشياء التي تخص عامة الناس، فتكون الملكية الفردية إضرارًا لباقي الناس فقال (صلى الله عليه وسلم): «المسلمون شركاء في ثلاثة: في الماء والكلأ والنار».([9])

والزكاة تعمل على تحريك الأموال المتجمدة بلا استثمار، حيث إن صاحبها مُطالَب بدفع ربع العشر سنويًّا، فلو تركها لأكلتها الزكاة؛ فحينئذ يُدْفَع دفعًا إلى استثمارها، وفي هذا تحريك لرأس المال، وتشغيل للموارد الراكدة بلا توظف، ومن ثَمّ إفادة لتشغيل العاطلين فيعم النفع مضاعفًا للغني والفقير والمجتمع كله، وتدفع عجلة الاقتصاد في ذلك المجتمع.

والزكاة توزع أولاً على الفقراء من أهل البلدة، فإن فاضت فالأقرب بالأقرب، وهذا فيه تكافل اجتماعي، فلن يضيع فقير في الزحام؛ لأن زكاة كل غني يأخذها مستحقوها القريبون منه.

وهكذا تسهم الزكاة في الحد من سيطرة الأغنياء على الموارد، وتسهم في حل مشكلة عظيمة، وهي التفاوت الضخم بين الطبقات.

المشكلات الاجتماعية ذات الأثر الاقتصادي :
ثمت مشكلات اجتماعية عدة كانت في مجتمع محمد قبل الرسالة، وهذه المشكلات ذات بعد اقتصادي، ومنها ما يلي:

أولا: حقوق المرأة الاقتصادية:
جاء محمد وليس للمرأة حقوق اقتصادية تُذْكَر، فللرجل الحق في طلاقها لأي سبب بلا نفقة، وله التعدد لأي عدد ممكن، وليس لها حق في ميراثه، بل عند بعضهم كانت تُورَث هي أيضًا؛ بوصفها من ممتلكات زوجها الراحل.

ومن العجيب أنهم يحمِّلون محمدًا ودينه كل الظلم الاجتماعي الذي وقع على المرأة، والصحيح العكس تمامًا، لقد كان محمد وشرعه منصفاً للمرأة،آخذًا لها بحقوقها، ونخص هنا حقوقها الاقتصادية:

أباح الإسلام للمرأة الحق في اكتساب المال مثلها مثل الرجل في ذلك، ومن أهم الحقوق المالية التي تكتسبها المرأة بالطرائق المشروعة ما يلي:

- حق الإرث: المرأة في الإسلام لها حق شرعي في التركة التي تركها مورثها، ويثبت هذا الحق منذ خلقتها في بطن أمها، ويستمر ثابتًا لها ويحق لها التصرف فيه بعد وفاة مورِّثها، فلها بيعه وهبته ومنحه لمن تشاء، أو الاحتفاظ به والعمل فيه، قال الله تعالى:  (النساء: 11) ،. فالإرث حق واجب للمرأة، مهما كانت حالتها وفقرها وغناها، بنتًا أو أمًّا أو أختًا،عاقلة أم مجنونة، رشيدة أم سفيهة، صالحة أم غير ذلك، وليس لأحد مَن كان أن يحرمها من هذا الحق المشروع الذي شرعه الله لها ولا تمنع منه إلا بموانعه الشرعية من كفر، أو ردة، أو قتل لمورثها.

- حق النفقة: النفقة حق للمرأة يلتزم بها ولي أمرها، سواء أكانت أمًّا أم أختًا أم بنتًا أم قريبة يرثها وترثه، وإذا تزوجت انتقل هذا الالتزام على الزوج منذ قيام عقد الزوجية بينهما، وعليه أن ينفق باعتدال حسب العادة والبيئة؛ لا يميل إلى الإسراف أو التقتير، ولا يحمل نفسه فوق طاقتها كما قال تعالى: (الطلاق: 7) ،

وهذا الإنفاق يعدُّ سببًا من أسباب قوامة الرجل على المرأة كما قال تعالى:  (النساء: 34) .

وهناك طرائق مشروعة أخرى للمرأة يثبت بها حق اكتساب المال مثل: العمل براتب أو بأجر يومي أو شهري عند خروجها للعمل بالشروط المشروعة لعمل المرأة في الإسلام، وما يترتب عليه من حقوق، ومن الطرائق الأخرى المشروعة للتملك: الوصية، والهبة، والمنحة، وغيرها.

كما كان من الطرق المتاحة للمرأة للاكتساب التجارة، ويكفي في ذلك أن زوجة محمد (صلى الله عليه وسلم) الأولى خديجة كانت تمارس التجارة، وكان سفره للتجارة بمالها هو سبب زواجه (صلى الله عليه وسلم) منها.

 وفي المقابل على المرأة الواجبات المالية، وهي ناتجة عن حقها في التصرف وأهليتها له وانفصال ذمتها المالية عن ذمة من تلزمه نفقتها.

 فعلى المرأة حقوق وواجبات مالية تجب في مالها كالزكاة المفروضة إذا ملكت نصابًا ومضى عليها الحول، ولها أن تتصدق على الفقراء والمحتاجين والمساكين وذوي القربى، وتبذل ما تستطيعه من فضل مالها في الإنفاق في سبيل الله، كما لها أن تنفق على والديها وإخوانها وأخواتها وقرابتها إذا كانوا فقراء محتاجين، وكانت قادرة مستطيعة بالمعروف ولها أجر كبير.

وبهذا التشريع المحكم قضى محمد e بما جاء به من الحق المبين على مشكلة المرأة الاجتماعية التي تحمل بين طياتها بعدًا اقتصاديًّا.

ثانيا: مشكلة الخمر:
كانت هناك صناعة قائمة للخمر تدار فيها رؤوس أموال كثيرة، والخمر خبيثة مضارّها أكثر من منافعها ولكن عالج محمد e مشكلة الخمر، مع مراعاة البعد الاقتصادي فيها، فجاء تحريم الخمر على أربع مراحل؛ كل مرحلة تُضَيِّق الأمر أكثر فيزهد الناس في هذه الصناعة، ولا يستخدمون رؤوس أموالهم في صناعة تكاد تعود عليهم بالخسارة المادية، وهذا ما حدث فعلاً؛ لأنه لو أمر ونادى بتحريم الخمر تحريمًا قاطعًا من أولِ لَفْت النظر لها لأصبحت مشكلة اقتصادية ضخمة، ولكن جاء النهي وتحريمها على مراحل كما يلي:

المرحلة الأولى: التنفير منها:
بدأ بتنفير الناس من الخمر بطريق غير مباشر، كخطوة أولى، وذلك حين أنزل الله تعالى:  (النحل: 67) . وهي تتضمَّن تلميحًا إلى ضررها مع وجود منافع اقتصادية للنخيل والأعناب، حيث ذكر أنهم اتخذوا من ثمراتها سَكَرًا ورزقًا، فوصف الرزق بأنه حسن، وسكت عن السَّكَر لِيَفهمَ السامعَ أنه قبيح. وبدأ أصحاب تلك الصناعة في التفكير فيها.

المرحلة الثانية: الموازنة بين منافعها ومضارّها:
فحرّك عقولهم إلى الموازنة بين نفعها المادي الضئيل، وضررها الجسدي والروحي الكبير كما في قوله تعالى :  (البقرة: 219) ،. وفي هذا إيحاء بأن تركهما هو الأَوْلى مادام الإثم أكبر من النفع، وهنا يشعر أصحاب صناعة الخمر وبائعوها بأنها ليست تجارة نافعة فيُمسكون عن استيرادها بغرض إنهاء مخزونهم، ولا حاجة لتصنيع جديد منها.

المرحلة الثالثة: تحريم جزئي أثناء الصلوات وما قبلها:
التحريم الجزئي للخمر في أوقات الصلاة؛ لأنها تُفقد شاربها القدرة على التركيز أثناء إقامة فريضة الصلاة، فنزلت الآية الكريمة:  (النساء: 43) ، ،وفي هذا تقليل لفرص أوقات الشرب، فكأنَّما حرمت الخمر في هذا النصِّ سائر النهار، ولم يبق للمولعين بها إلا الليل من بعد صلاة العشاء، وفي هذا تضييق على شاربي الخمر وهو ما جعل صانعيها وبائعيها يشعرون بقرب بوار تلك التجارة، وأنه لا طائل من ورائها.

المرحلة الرابعة: التحريم النهائي:
ثم جاءت الخطوة الحاسمة، وهي التحريم القطعي للخمر في جميع الأوقات؛ فصدر الأمر الجازم في قوله تعالى: (المائدة: 90). ، وهنا قال المؤمنون: انتهينا ربنا، ولم يضار أصحاب تلك الصناعة ضررًا بالغًا، بل تحملوا أخفّ الأضرار الممكنة في ذلك.

ثالثاً: مشكلة الرق:
الرق ظاهرة قديمة قِدَم التاريخ، ولم يأت بها محمد e بل سبقت وجوده ووجود دعوته بآلاف السنين، وسيظل الرق مشكلة قائمة سواء أكان ذلك بشكله المعلن أم بشكله الخفي، وهو ناتج عن تجبر الإنسان وحبه أن يستعبد من حوله، ويسلبهم حريتهم لقوته وضعفهم، كما في عالم الغاب تمامًا فالبقاء للأقوى، فيستعبد الأقوى الأضعف ولا يُنَال حق إلا بقوة.

فكان من عمل  محمد e الذي جاء من قِبل ربه لإنقاذ البشرية من جنوح أنفسها أن يلتفت لهذه الظاهرة،ويُوجِد لها علاجًا،ولكن هناك عقبة تقف في طريق الإصلاح، فما أسهل سنّ القوانين، وما أصعب التنفيذ إن كان في التنفيذ مضرة حقيقة ومعتبرة؛ لأن العبيد كانوا من المتاع المملوك للإنسان ومن بنود ثروته، فكان يبيع منهم عند الحاجة، وكان يتاجر فيهم ويكتسب منهم من بيعهم، فإذا صدر قانون بعتق العبيد وتحريرهم، فمن يعوض حينئذ السادة عن الحقوق المهدرة والأموال الضائعة، وستكون صورة محمد عندئذ أنه جاء ليسلب الناس ما في أيديهم من ممتلكاتهم، فكان لا بد من حل يحقِّق الأمرين معًا: تحرير العبيد، والقضاء التدريجي على ظاهرة الرق، وأيضًا الحفظ لذوي الأموال أموالهم، فكان من تشريعه ما أسماه الاختصاصيون: بتضييق المدخل وتوسيع المخرج.