Get Adobe Flash player

رسالة اليوم من هدي الرسول

من أسمائه صلى الله عليه وسلم البشير النذير فالبشير هو المبشر لمن أطاعه بالثواب والنذير المنذر لمن عصاه بالعقاب  (ابن القيم)

البحث

كتاب الرحمة في حياة الرسول

شاهد مكة المكرمة مباشرة

إقرأ مقالا من أكبر كتاب في العالم

إبحث عن محتويات الموقع

شاهد المدينة المنورة مباشرة

المسجد النبوي _ تصوير ثلاثي الأبعاد

Madina Mosque 3D view

الرئيسية

You are missing some Flash content that should appear here! Perhaps your browser cannot display it, or maybe it did not initialize correctly.

الشيخ الدكتور خالد بن عبد الرحمن الشايع
نص البرنامج كاملا

تحميل

بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله   وبركاته، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على الهادي البشير والسراج   المنير محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه والتابعين، أمَّا بعد:

مستمعي الكرام، نتابع في هذه الحلقة ضمن المواقف التي   ننقلها من بيت النبوة، نتابع الحديث عن بعض المواقف للسيدات الطاهرات بنات رسول   الله -صلى الله عليه وسلم-، وكنا قد تحدَّثنا في الحلقة السابقة عن بعض المواقف في   حياة السيدة الجليلة فاطمة بنت سيد البشر -عليها السلام-، وفي هذه الحلقة نقف بعض   الوقفات مع أختها زينب، فقد روت أمُّ المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قالت: "لما بعث   أهل مكة في فداء أساراهم؛ بعثت زينب بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في فداء أبي   العاص بقلادة كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى بها، فلما رآها رسول   الله -صلى الله عليه وسلم-؛ رقّ لها رقة شديدة، وقال: (إن رأيتم أن تُطْلِقوا لها   أسيرها، وتردوا الذي لها؟)[1].  
 

ولعلَّنا نوضِّح ملابسات هذا الموقف السابقة له؛ ليزداد وضوحًا، فأقول: إنَّ زينب -عليها السلام- هي أكبر بنات النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكان مولدها قبل البعثة، فتزوجها ابن   خالتها هالة بنت خويلد أبو العاص بن الربيع في حياة أمها خديجة -رضي الله عنها-، وأسلمت زينب قبل زوجها، حتى أنَّ قريشًا كانت تريد من أبي العاص زوجها أن يطلِّقها ليزوِّجوه بمن شاء من بنات قريش؛ نكاية بأبيها نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، ولكنه أبى ذلك؛ لفرط حبه لها، وكانت   خلال ذلك تدعوه للإسلام، وتؤمِّل ذلك منه؛ لأنَّه لم يُؤثَر عنه عداء أو أذية لرسول الله     -صلى الله عليه وسلم-، فبقيت على هذه الحال عنده، في حين أنَّ المسلمين وفي مقدمتهم   إمامهم نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- هاجروا إلى المدينة حتى كانت غزوة بدر، إذ   خرج لها المشركون، وكان معهم أبو العاص، ولعله أُخرج غير راغب في الخروج.

فهُزمت قريش بأمر الله، وعادت تجر أذيال الهزيمة المُرة، وخلّفت من خلّفت ورائها من القتلى والأسرى، ونما هذا الخبر العظيم لبنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زينب وهي لا تزال بمكة، ولم ينغِّص عليها   فرحها وسرورها إلَّا عِلْمَها بمصير زوجها، وأنَّه أسير من الأسرى، وراحت تبذل ما في وسعها لفكاك هذا الأسير الحبيب، وتمنت لو خرجت إلى المدينة لتبارك لأبيها النصر، ولتفتدي زوجها، ولكنها خشيت على نفسها ممن أبغضوها لبغض أبيها، ونظرت زينب -عليها  السلام- إلى ما يمكن أن يقوى تأثيره في نفس أبيها -صلى الله عليه وسلم-، فكان أن أرسلت بقلادة يعرفها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ويعرف مُـهديتها وصاحبتها، ويعرف  المناسبة التي أُهديت فيه تلك القلادة، فصاحبة القلادة هي خديجة زوجه وصاحبة المكانة الأثيرة في نفسه، والمناسبة هي ليلة زواج بنته زينب بأبي العاص، حيث أهدت خديجة بنتها تلك القلادة؛ فرحًا بتلك المناسبة العزيزة لكلِّ أم وأب، وهاهي القلادة  بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأتي بها عمرو بن الربيع أخو أبي العاص، وقد  بعثت بها بنته زينب تطلب بها فكاك زوجها وافتدائه كما افتُدِي غيره من الأسرى.

ولمَّا وقع نظر النبي -صلى الله عليه وسلم- على تلك القلادة وهو -عليه الصلاة والسلام- بَشَر مثلنا يتأثر بما يتأثر به الناس؛ حين ذاك انبعثت في نفسه   الذكريات لسنين غابرة، ذكريات السيدة الجليلة خديجة -رضي الله عنها- صاحبة المكانة   السامقة والمنزلة الأثيرة في نفسه -عليه الصلاة والسلام-، عادت به الذكريات إلى ليلة كانت فيها خديجة في قمة سرورها بزفاف ابنتها، وهي تدخل ابن أختها هالة بنت خويلد على بنتها، فحلّتها بأحسن ما عندها من حلي، وزيَّنتها بقلادة، وأهدتها لها.
 
 ولم تزل زينب تحتفظ بتلك القلادة، فهي نفيسة عندها لأجل تلك المناسبة ولأجل أنَّ التي أهدتها لها حبيبة إلى نفسها، وحُقَّ لها ذلك، لكنها تتخلى عن تلك   القلادة في هذا الظرف العصيب؛ وفاءً لحياتها الزوجية مع زوجها أبي العاص، هكذا   تتابع الذكريات في نفس رسولنا -صلى الله عليه وسلم-، تلك الذكريات الأسرية وذكريات   الأبوة الحانية، فيتأثر لذلك تأثرًا شديدًا، وكأنِّي بدمعه يترقرق في مقلتيه   الشريفتين -صلى الله عليه وسلم-، وقد عرف الصحابة هذا التأثر، ورأوه باديًا على   وجهه -عليه الصلاة والسلام-، فضاقت عليهم الدنيا لأجل تأثُّر حبيبهم -صلى الله عليه وسلم- وحُقَّ لهم ذلك، وحين ذاك قال عليه -الصلاة و السلام-: (إن رأيتم أن تُطْلِقوا لها  أسيرها، وتردوا الذي لها؟)-يعني قلادتها التي أرسلت بها-، وكأنَّه عَلِم أنَّ بنته ما كانت لتفرط في قلادتها تلك لولا اضطرارها، يقول ذلك  -عليه الصلاة والسلام- في أٍسلوب العرض لمكان بنته، مع أنَّه إمام الأمة وقائدها، ولن  يؤخَّر أمر أو طلب، لكنه يجعل كلامه بذلك الأسلوب أسلوب العرض، فما أعظم أخلاقه   وسجاياه بأبي وأمي هو -صلى الله عليه وسلم-! وأمام هذا المشهد المؤثر يبادر صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهم السبّاقون لطاعته ليقولوا: نعم، يا رسول الله، فأطلقوا أبا العاص، وردَّوا إلى زينب متاعها، وهكذا تظهر صفحة من صفحات حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- في وفائه لزوجه خديجة، نعم إنَّه يتأثر بسبب أثر من آثارها، كيف لا وهو يتأثر ويَبَشُّ إذا سمع صوتًا يشبه صوتها، ففي الصحيحين عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "استأذنت   هالة بنت خويلد -أخت خديجة- على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فعرف استئذان خديجة،   فارتاح لذلك، -أي: تذكَّر صفة استئذان خديجة؛ لشبه صوتها بصوت خديجة-، فهشَّ لمجيئها، وسُرَّ بها   لتذكره بها خديجة وأيامها، فقال –أي: لما سمع صوتها-: (اللهم هالة بنت خويلد)، وفي هذا   كلُّه دليل لحسن العهد، وحفظ الود، ورعاية حرمة الصاحب والعشير في حياته ووفاته، وإكرام   أهل ذلك الصاحب.
 

وعَودًا على زينب وزوجها أبي العاص، فإنَّه لما أُطلق؛ أخذ عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- العهد والميثاق أن  يخلِّي سبيل زينب إذا عاد إلى مكة، وكانت -عليها السلام- من المستضعفين من النساء، واستكتمه النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك، وبعث زيد بن حارثة ورجلًا من الأنصار، فقال: (كونا ببطن يأجج -وهو مكان قريب من مكة-حتى تمرَّ بكما زينب، فتصحبانها حتى تأتياني بها)، وذلك بعد بدر بشهر، فلما قدم أبو العاص مكة؛ أمر زينب أن تلحق بأبيها، فتجهَّزت، وخرج   معها كنانة بن الربيع -أخو أبي العاص- ومعه قوسه وسهامه، فخرج بها نهارًا، فاعترضه رجال   من قريش ونَخَسها هبار بن الأسود وعمرو بن وُد، فنثر كنانة أسهمه، وقال: والله لا يدنو مني  رجلًا إلَّا وضعت فيه سهمًا، وتراجعوا عنه، ثم جاء أبو سفيان وفاوضه، وقال: إنَّك لم تُصب، خرجت  بالمرأة على رؤوس الناس علانية، وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا، وما دخل علينا من محمد،   فيظن الناس إذا خرجت بابنته علانية إليه أنَّ ذلك على ذلٍّ أصابنا، وأنَّ ذلك منا وَهَن وضعف،   ولعمري ما بنا بحبسها عن أبيها من حاجة، ولكن ارجع بالمرأة، حتى إذا هدأت الأصوات،  وتحدَّث الناس أنَّا رددناها، فسُلَّها سرًا وألحقها بأبيها، ففعل ثم خرج بها ليلًا بعد ليال، وسلَّمها إلى زيد وصاحبه، فقدِما بها على النبي -صلى الله عليه وسلم، فأقامت   عنده.

ولما كان قبل الفتح؛ خرج أبو العاص تاجرًا إلى  الشام بماله وبمال كثير لقريش، فلما رجع؛ لقيته سرية، فأصابوا ما معه وهرب، ولم يلحقوا  به، فقدموا بما أصابوا، وأقبل أبو العاص في الليل حتى دخل المدينة على زينب، فاستجار   بها، فأجارته، وجاء في طلب ماله، فلما خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الصبح، وصلى   بالناس؛ نادت زينب من صُفَّة النساء: إنِّي قد أجرت أبا العاص بن الربيع، فلما سلَّم النبي   -صلى الله عليه وسلم-؛ قال: (ما علمت بهذا، وإنَّه يجير على المسلمين أدناهم)، وبعث -صلى الله عليه وسلم- إلى السرية الذين أصابوا ماله، فقال: (إنَّ هذا الرجل منا حيث قد علمتم، وقد  أصبتم له مالًا، فإن تحسنوا وتردوا عليه الذي له؛ فإنَّا نحبُّ ذلك، وإن أبيتم؛ فهو فيء الله   الذي أفاء عليكم، فأنتم أحقُّ به)، قالوا: بل نردهُّ، فردُّوه كلَّه، ثم ذهب إلى مكة، فأدَّى إلى كلِّ ذي مال ماله، ثم قال: يا معشر قريش، هل بقي لأحد عندي منكم مال؟ قالوا: لا، فجزاك الله خيرًا، فقد وجدناه وفيًا كريمًا، قال: فإنِّي أشهد أن لا إله إلَّا الله   وأنَّ محمدا عبده ورسوله، والله ما منعني من الإسلام عنده إلَّا تخوف أن تظنوا أنَّي إنَّما   أردت أكلت أموالكم، ثم قدم إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وردَّ عليه زينب بنكاحها الأول، ولم يُحْدِث صداقًا، وكان قد أمره أن لا يقربها   مادام مشركًا، وكان ذلك في المحرم سنة سبع من الهجرة، وقد توفِّيت زينب -رضي الله عنها   وأرضاها- في أول عام ثمان من الهجرة، وتوفِّي بعدها زوجها أبي العاص بقليل -رضي   الله عنها وأرضاهما وسلام عليهما- في العالمين.
 وإلى لقاء في الحلقة القادمة بعون   الله، والسلام عليكم ورحمة الله   وبركاته.
 


  [1] رواه الحاكم في المستدرك، وصحَّحه ووافقه الذهبي، وهو حديث صحيح.

 

المقطع المختار من قسم مقاطع الفيديو