Get Adobe Flash player

رسالة اليوم من هدي الرسول

-الطريق الوحيد

قال الجنيد بن محمد:الطرق كلها مسدودة إلا طريق من اقتفى آثار النبي صلى الله عليه وسلم فإن الله عز وجل يقول:وعزتي وجلالي لو أتوني من كل طريق واستفتحوا من كل باب لما فتحت لهم حتى يدخلوا خلفك يا محمد  (طريق الهجرتين لابن قيم الجوزية ص12)

كتاب الرحمة في حياة الرسول

إقرأ مقالا من أكبر كتاب في العالم

فضل المدينة وسكناها

ننصحك بقراءة هذا الإصدار

أضخم عمل عن الحرمين الشريفين

شاهد المدينة المنورة مباشرة

الرئيسية
al_mawsuaa_maysira.jpg

يحتاج التعامل الناجح مع الطفل إلى أساليب تربوية مدروسة، تعتمد على العلم والخبرة والتجربة، كما تعتمد على سعة الصدر وصفات نفسية أخرى، كالصبر والاحتواء وغيرها.من جانب آخر فالسنون الأولى من عمر الأطفال هي أساس بلورة شخصياتهم، وتكوين طبائعهم، واكتشاف تميزهم ومواهبهم، وعلى أساسها يقوم فهمهم لطبيعة الحياة من حولهم، وأسلوب تعاملهم مع كل من حولهم، وكيفية حَلّ مشكلاتهم التي تمر بهم.إنها ولا شك من أصعب الفئات العمرية في التعامل والتدريب؛  ولكنها من جانب آخر أكثر الفئات العمرية قابلية للتعلم والبناء، والتغير والصياغة بالشكل المطلوب.وقد تفطن محمد (صلى الله عليه وسلم) لأهمية تلك المرحلة العمرية فصاغ لها برنامجًا منهجيًّا في التعامل التربوي والعلمي أنشأ شخصيات ناجحة منجزة، ولْنُحاول فيما يلي الاطلاع على أهم محاور المنهج التربوي النبوي في تعامله مع الأطفال:

التبسط والتلطف:
الأطفال دومًا يحبون من يتبسط معهم ويعايشهم وكأنه واحد منهم، وينفرون من الغليظ العبوس الغاضب، ويتحفزون للجاد الوقور، وقد علم محمد (صلى الله عليه وسلم) طبائع ذلك العمر، وكان يتعامل معه بما يحبه، ويحاول أن يبث من خلال بساطته معهم ومزاحه وتلطفه بهم معاني مهمة في تقويم السلوك وتكوين الشخصية الناجحة. يحدثا أبو هريرة t بهذا الموقف يقول: كنا نصلي مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) العشاء؛ فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره، فإذا رفع رأسه أخذهما بيده من خلفه أخذًا رفيقًا ويضعهما على الأرض، فإذا عاد عادا، حتى إذا قضى صلاته أقعدهما على فخذيه ([1]).هذا الموقف يحدث في المسجد الذي لم يكن في هذا الوقت للعبادة فحسب، بل كان مجلس شورى ومحكمة، ودار حكم ومدرسة علم وغيرها، ويحدث ذلك أمام الناس وفي صلاتهم وهو إمامهم المقدم في الصلاة، فكأن محمدًا (صلى الله عليه وسلم) يخبر الناس أن الصبر وسعة الصدر والتلطف بالأبناء أمرٌ ينبغي ألا تقف أمامه طبيعة الأماكن ولا هيبة الأشخاص.إن الطفل لا يمكن أن تعي مداركه الواجبات والحقوق والأصول والمبادئ والقيم والمعاني في أولى سنواته، إنما يبدأ في تلقيها خطوة خطوة بعدئذ، ومخطئ من يتعامل مع الطفل تعامله مع الكبير، الذي لا بد أنه يعرف الأصول والضوابط، ولهذا نجد أناسًا كثيرين يسيئون معاملة الطفل؛ حيث يطالبونه أن يكون ساكنًا هادئًا رزينًا وقورًا، إنهم يحملونه فوق طاقته.

تحكي لنا صحابية اسمها أم خالد عن مشهد كان في طفولتها لا زالت تذكره وتقول: «أتيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مع أبي، وعليَّ قميص أصفر. قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): سَنَهْ سَنَهْ. قالت: فذهبتُ ألعب بخاتم النبوة فَزَبَرَني أبي. قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : دعها. ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «أبْلِي وأخلفي، ثم أبلي وأخلفي، ثم أبلي وأخلفي» ([2]).إنه مشهد متميز ومعبر عما نريد أن نقوله، يأتي الرجل ومعه ابنته إلى محمد (صلى الله عليه وسلم) وهو يعلم حبه للأطفال، وأنه لا يتبرم ولا يتأفف من لقائهم، بل يبَشّ لهم ويسعد بهم، وتجترئ البنت عليه وتتعلق على ظهره وتلعب، وهو يضحك ولا يتأفف بل يدعو لها ويكرر دعاءه ثلاث مرات. وتحكي لنا أم قيس بنت محصن أنها جاءت إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بطفل لها صغير رضيع لم يأكل الطعام بعدُ، فحمله محمد (صلى الله عليه وسلم) فبال الصغير على ثوبه، فدعا بماء فنَضَحه عليه، ولم يغسله. وقد تكررت مواقف بول الأطفال الصغار على ثيابه وفي حجره (صلى الله عليه وسلم) من كثرة حبّه لهم وحمله لهم، فتحكي أم الفضل زوجة عمه العباس أن محمدًا (صلى الله عليه وسلم) حمل الحسين بن علي فبال على ثوبه، فأرادت أن تغسله له فاكتفى بنضحه أيضًا.

وكان يحمل البنين والبنات معاً، تقول أم كرز الخزاعية: «أُتِيَ النبي (صلى الله عليه وسلم) بغلام فبال عليه، فأمر به ونضح، وأتي بجارية فبالت عليه فأمر به فغُسل»([3]).ويقول صاحبه أبو موسى الأشعري: «وُلِد لي غلام فأتيت به النبي (صلى الله عليه وسلم) فسماه إبراهيم فحنكه بتمرة، ودعا له بالبركة»([4]).وكان (صلى الله عليه وسلم) يداعب الأطفال حتى في طرقاته، يقول يعلى بن مُرَّة: خرجت مع النبي (صلى الله عليه وسلم) على طعام، فإذا الحسين بن علي يلعب في الطريق، فأسرع النبي (صلى الله عليه وسلم) أمام القوم، ثم بسط يديه ليأخذه فطفق الغلام يفر هنا ويفر هنا، ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) يلاحقه ويضاحكه، بل كان يأخذ أسامة بن زيد والحسن بن علي فيقعدهما على فخذه كل على ناحية ثم يضمهما ويقول: «اللهم ارحمهما فإني أرحمهما»([5]).وحتى في لحظات التعبد جاءته أُمامة بنت ابنته زينب، فحملها في صلاته فإذا ركع وضعها وإذا قام حملها ([6]).

ويقول محمود بن الربيع: «عقلت مَجَّة مجَّها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في وجهي، وأنا ابن خمس سنين من دلو»([7]).ويقول صاحبه جابر بن سمرة: «صليت مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) صلاة الأولى، ثم خرج إلى أهله وخرجت معه، فاستقبله ولدان، فجعل يمسح خدي أحدهم واحدًا واحدًا، قال: وأما أنا فمسح خدي فوجدتُ ليديه بردًا وريحًا كأنما أخرجها من جونة عطر»([8]).وكان إذا سمع بكاء طفل أثناء صلاته خفَّف في الصلاة؛ كي تنتهي أم الطفل من الصلاة وتحمل ابنها، أو تُسكت بكاءه وتلبي حاجته، فقد قال في حديثه: «إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي؛ كراهية أن أشقّ على أمه»([9]).وذات يوم أثناء خطبة كان يخطبها في المسلمين جاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران؛ فنزل محمد (صلى الله عليه وسلم) من المنبر ، وحملهما فوضعهما بين يديه ثم قال: (التغابن: 15)، نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران، فلم أصبر حتى قطعتُ حديثي ورفعتهما»، ثم أكمل خطبته ([10]).وكان يلاعبهم ويتحدث معهم في شؤونهم الخاصة، ولو كانت لا تمثل أهمية لمثله، فعن أنس قال: «كان النبي (صلى الله عليه وسلم) أحسن الناس خُلقًا، وكان لي أخ يقال له: أبو عُمَيْر، وكان له طير يلعب به، فكان الرسول(صلى الله عليه وسلم) إذا جاء قال: يا أبا عمير! ما فعل النُّغَيْر؟»([11]).

احترام الطفل وتقدير ذاته:
حرص محمد (صلى الله عليه وسلم) أثناء تعامله اللطيف مع الأطفال على احترامه لنفوسهم وذواتهم، وحرص على توصيل أفضل المفاهيم إليهم بأبسط الوسائل وأقومها.فلم يكن ممن يؤيد طريقة التعامل مع الأطفال التي تهمل قيمتهم؛ فإذا سألوا سؤالاً لا يُجَابون إجابات منطقية، أو تُستغَّل بساطتهم فيكذب عليهم.يحكي لنا أحد الأطفال هذا الموقف له مع محمد (صلى الله عليه وسلم) وهو عبد الله بن عامر فيقول: «دعتني أمي ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) قاعد في بيتنا، فقالت: هَا تعالَ أعطيك، فقال (صلى الله عليه وسلم): «ما أردت أن تعطيه؟» قالت: أعطيه تمرًا. فقال لها: «أما إنك لو لم تعطه شيئًا لكُتبت عليك كذبة»([12])، فهو يحذرها من أن تكذب على الصبي أو تستهين بمشاعره، ولو أن تقول له : تعال أعطيك شيئًا، ثم لا تفعل.وحين يرى محمد (صلى الله عليه وسلم) على الأطفال ما يستوجب التقويم والتعديل، فإنه يتعامل معهم برفق دون تأنيب أو صراخ، يقول عمر بن أبي سلمة: «كنت غلامًا في حِجْر رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وكانت يدي تطيش في الصحفة،أي: أنه كان عندما يأكل لا تستقر به، فيأكل من هنا ومن هنا، ولا يذكر الله عز وجل؛ فعلَّمه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في رفق ولين كيف يأكل فقال له: «يا غلام! سمِّ الله، وكُلْ بيمينك، وكُلْ مما يليك»([13]).

   كما حاول محمد (صلى الله عليه وسلم) أن يربي الأطفال عبر تعاليمه وسلوكه على معاني الرجولة والمروءة منذ صغرهم، وهو في ذلك لم يكن يطرح على الطفل معاني الرجولة فينوء بها حمله، أو تقصر بها قدراته، وهو ما يزال صغيرًا لم يتحمل ذلك، وإنما كان يعطي الأطفال جرعات متدرجة من تلك المعاني عبر المواقف المتناثرة والمتفرقة، فنراه مثلاً بعد موت أحد أصحابه، يجلس في مسجده وينادي على ابن المتوفى وهو غلام صغير فيقول له: «آجرك الله في أبيك»، فواساه وعامله معاملة الرجال، وكان ربما أجلس بعض الغلمان كعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر في مجلسه ومع أصحابه ليتعلموا وينضجوا، فيحكي عبد الله بن عمر فيقول: كنا عند النبي (صلى الله عليه وسلم) فأُتِي بجُمَّار، فقال: إن من الشجر شجرةً مثلها كمثل المسلم، فأردت أن أقول هي النخلة، فإذا أنا أصغر القوم فسكتُّ، قال النبي (صلى الله عليه وسلم): «هي النخلة»([14]).بل يذهب محمد (صلى الله عليه وسلم) في تقديره للأطفال مذهبًا بعيدًا في مجتمع كان لا يقيم للصغار وزنًا، فيجلس أحدهم إلى يمينه، وهذا يجعله أحق بالتقديم من كبار القوم، يقول سهل بن سعد الساعدي: إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أُتِي بشراب فشرب منه، وعن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام: «أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟ فقال الغلام: لا والله لا أؤثر بنصيبي منك أحدًا»([15]).لقد راعى محمد (صلى الله عليه وسلم) الأمرين معًا، راعى حق الطفل واستأذنه، وراعى حق الكبار فطلب من الصغير أن يتنازل لهم، فلما أصرَّ على موقفه، لم يعاتبه محمد (صلى الله عليه وسلم) أو يعنفه، بل أعطاه حقه.

حقوق الطفل في رسالة محمد (صلى الله عليه وسلم):
اهتم محمد (صلى الله عليه وسلم) بحقوق الطفل اهتمامًا ملحوظًا، ونستطيع أن نستخلص محددات واضحة لذلك الاهتمام في النقاط الأساسية التالية:فقد اهتم بحفظ حق المولود في النسب المعلوم والموثق والمشهود عليه، والمعلن من زواج صحيح، ومنع إنجاب الأطفال خارج العلاقة الزوجية الشرعية؛ حماية لهم من المشكلات المستقبلية، التي يعاني منها المنجَبون خارج إطار الأسرة الشرعية، فضلاً عن طهارة المجتمع من الرذيلة والفساد واختلاط الأنساب. كما أكَّد على حماية الجنين في بطن أمه من المسكرات وكل ما يضره، وأن للجنين حق الحياة من بدء تكُّونه؛ فلا يُعتَدى عليه بالإجهاض، أو بأي وجه من وجوه الإساءة التي تُحدث التشوهات الخلقية أو العاهات. وأكد رسالته على أن للأطفال اللقطاء والمشردين وضحايا الحروب وغيرهم ممن ليس لهم عائل،جميع حقوق الطفل، وأن تلك الحقوق يقوم بها المجتمع والدولة.

وتحدث محمد (صلى الله عليه وسلم) عن حق الطفل في أن يختار له أبوه أمَّه من ذوات الخُلق الحميد.

 وحقه في أن يسميه أبوه اسمًا حسنًا غير مستنكَر ولا مستهزأ به.

 وحقه في الرضاعة الطبيعية.

 وحقه في أن ينشأ في بيئة سليمة وقرابة محيطين به.

 وحقه في تربية إيمانية حسنة.

 وحقه في الحفظ من أي انتهاك لبراءته وحقوقه المكفولة.

كما أكدت الرسالة المحمدية على حق الطفل في الميراث والوصية.

 وأكدت تأكيدًا كبيرًا على حق الطفل اليتيم في الرعاية والعناية الكاملتين، وأن يُحفَظ له ماله، وأن يحميه مجتمعه ويعطف عليه، ويرعاه ويكفله الكفالة التامة.

--------------------------------------------------------------------------------

([1]) أخرجه أحمد (10281).

([2]) أخرجه البخاري (3071).

([3]) أخرجه أحمد (26834).

 ([4])أخرجه البخاري (5467)، ومسلم (2145).

 ([5])أخرجه البخاري (6003).

([6]) أخرجه البخاري (516)، ومسلم (543).

 ([7])أخرجه البخاري (77)، ومسلم (33).

 ([8])أخرجه مسلم (2329).

 ([9])أخرجه البخاري (707)، ومسلم (470).

 ([10])أخرجه أبو داود (1109)، والنسائي (1413)، والترمذي (3774).

 ([11])أخرجه البخاري (6203)، ومسلم (2150).

 ([12])أخرجه أبو داود (4991)، وأحمد (15275).

 ([13])أخرجه البخاري (5376)، ومسلم (2022).

 ([14])أخرجه البخاري (72)، و مسلم (2811).

 ([15])أخرجه البخاري (2451)، ومسلم (2030).