Get Adobe Flash player

رسالة اليوم من هدي الرسول

-          عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال:خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره في يوم حار حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر وما فينا صائم إلا ما كان من النبي صلى الله عليه وسلم وابن رواحة. متفق عليه

قال ابن حجر في الحديث دليل على أن لا كراهية في الصوم في السفر لمن قوي عليه ولم يصبه منه مشقة شديدة (فتح الباري)

كتاب الرحمة في حياة الرسول

إقرأ مقالا من أكبر كتاب في العالم

فضل المدينة وسكناها

أضخم عمل عن الحرمين الشريفين

شاهد المدينة المنورة مباشرة

الرئيسية
al_mawsuaa_maysira.jpg

كانت مكة منذ عهد إبراهيم - عليه السلام - مزارًا للحج، يأتي إليها الحُجّاج من كل مكان من جزيرة العرب، وكان للعرب لهجات شتى مختلفات، تجتمع وتصب في مكة، والطفل تتكون حصيلته اللغوية من سماعه عندما يستمع اللغة، فكان الطفل الذي ينشأ في مكة ينشأ ضعيف اللغة، نتيجة اجتماع اللهجات القبائلية.ولهذا فضَّل السادة والأغنياء من أهل مكة أن يُرسلوا أبناءهم وأحفادهم إلى البادية ليتعلموا اللهجة السليمة والنطق الصحيح، وهكذا فعل عبد المطلب سيد قريش، فأرسل حفيده محمدًا (صلى الله عليه وسلم) منذ ولادته إلى بادية بني سعد، فسمع اللسان العربي الفصيح، وتربَّى عليه، فصار أفضل العرب لهجةً، وأكثرهم بلاغةً وقدرةً على التعبير، فكان (صلى الله عليه وسلم) يتكلم بفصاحة العرب وبلاغتهم، بل قد فاقهم في ذلك.والبلاغة عند العرب: أن تأتي بالمعاني الكثيرة في القليل من الألفاظ المؤثرة المفهومة، وكان العرب يهتمون بالكلمة ويحفظونها، فلم يكن لهم في مجال الإعلام غيرها، وكانت أميّتُهم تدفعهم دومًا إلى إتقان الكلمة والتدقيق في بلاغة القول، فاتَّصفوا بقوة الألفاظ ودقتها، وتحرَّوا أشكالها ودلائلها، وبرعوا في فنونها، وأحبوا الشعر والنثر والأمثال، ونَبه منهم في الشعر نابهون كثيرون صاروا أعجوبة الزمان في فنه وإتقانه، فملؤوه حكمةً وخبرة حياتية ونصحًا وتجربة، وساعدهم في ذلك الصفاء المكاني والهدوء، فتدفقت الموهبة الشعرية على ألسنتهم، واستخدموا الكلمة في المدح ، وتأجيج الحروب، والرثاء، كما استخدموها في التعبير عن الجمال والحب والخير والفضيلة، وفي بعض الأحيان في وصف الرذيلة والقبح والشر، وصارت الكلمة عندهم حياة أخرى اهتم بها الرجال والنساء، فبرزت فيهن الشاعرات والبليغات والمتحدثات اللبقات.وأقاموا أسواقًا للكلمة، يجتمع فيه الشعراء والأدباء، وهو ما يشبه اليوم الصالونات الأدبية، فيجتمع الشعراء والأدباء، سواء كان المبتدئون منهم أو الخبراء، فيستمع الخبراء إلى الإصدارات الجديدة، والقصائد الحديثة، ولربما فازت قصيدة منها فتُكتب وتُعلَّق على جدار الكعبة، حتى العام الذي يليه، وتسمى بالمعلقة. وكان ظهور شاعر في قبيلةٍ ما يمثِّل سعادةً غامرة لها؛ حيث يعتدّون أنفسهم قد امتلكوا سلاحًا يضاف إلى أسلحتهم، وآلة إعلامية تتحدث بمفاخرهم وتنشرها بين الناس.

وكان كل نبيّ إنما يأتي قومه بلسانهم، ويتفوق فيما يتفوق فيه قومه وأمته، ويُعطى من المعجزات والإمكانات ما يجعله متميزًا بين بني قومه، وكذلك كان الأنبياء السابقون، فموسى عليه السلام جاءهم بالعصا التي تتحول حية في بلد اشتهرت بالمهارة في السحر، وبرز عيسى عليه السلام بإحياء الموتى وشفاء المرضى في قومٍ اشتهروا بالمهارة في الطب والعلاج.وجاء محمد (صلى الله عليه وسلم) بليغًا ليفوق قومه، وكانت معجزته الكتاب الذي جاء به بليغًا معجزًا تحدَّى العرب أجمعين أن يأتوا بمثله، ولم يستطع أحد من البلغاء والفصحاء ذلك، فاشتد التحدي أن يأتوا بعشر سور منه، فعجزوا أيضًا عنه، وزاد التحدي بأن يأتوا بسورة واحدة، فاشتد عجزهم، وشهد العرب جميعًا بفصاحة النبي وبلاغته، كما شهدوا أيضًا بإعجاز الكتاب الذي جاء به وعدم قدرتهم على تقليده أو مجاراته.لقد كان محمد (صلى الله عليه وسلم) يمتلك من البلاغة ما يعجز عنه غيره، فقد كان جلساؤه يجلسون إليه وكأنهم بلا حراك من أجل الاستماع له، ورغم كونه قليل الكلام، لكنه كان يوجز مراده ويضع كثيرًا من المعاني في قلة ألفاظه.

بلاغة المعجزة:
ولقد أنزل الله عليه قرآنًا فصيحًا بليغًا معجزًا، أدهش العقول بدقة نظمه، فلم يشابه الشعر، ولم يشابه النثر، فكان شيئًا فريدًا جديدًا لم تعرفه العرب قبله،وما استطاعوا مجاراته ونظم مثله.ودعنا نضرب مثالاً بسيطًا.. قول القرآن:  (يوسف: ٨٠). ريما يُترجَم لك هذا النص في كلمات كثيرة، ولكنها في اللغة العربية في القرآن خمس كلمات فقط، تتكون كلها من أربعة وعشرين حرفًا فقط، وهي تمثل أربعة مواقف كاملة عبَّر عنها القرآن في خمس كلمات. إن يوسف عليه السلام أراد أن يستبقي أخاه عنده فدبَّر أمرًا بحيث يظهر أنه سارق، وكان من شريعتهم أن السارق يصبح مملوكًا لدى صاحب الشيء المسروق، فقرَّر أخذ أخيه، وبالفعل أخذه عنده، وإخوة يوسف يترجُّون الملك أن يعفو عن أخيهم، وهم لا يعلمون أن الملك هذا هو أخوهم الذي رموه في البئر قبل سنوات، والآية تقول وتحكي أربعة مواقف:

الأول: إخوة يوسف يحاولون إقناع الملك بأن يأخذ واحدًا منهم مكانه حتى وصلوا إلى اليأس من إقناعه.

والثاني: وصل بعضهم إلى اليأس وبعضهم الآخر لا يزال يحاول، فقال اليائسون للآخرين: لا فائدة من المحاولة، فلن يقنع الملك، وطلبوا منهم إنهاء الكلام معه فلا فائدة.

 والثالث: اتفقوا سرًّا على أن يلتقوا في مكان آخر للتشاور معًا بعد الانصراف من عند الملك.

والرابع: التقوا في مكان بعيد عن الأعين، وكانوا يتهامسون؛ لئلا يسمعهم أحد وهم يتشاورون في أمرهم.

 هذه المواقف هي التي عبَّر عنها القرآن اختصاراً في جملة واحدة من خمس كلمات فقط،ولهذا ذكر المؤرخون أن هناك أعرابيًّا بليغًا سمع الآية، ولم يكن قد أسلم، فخرَّ لله ساجدًا ولما سئل قال: سجدت لبلاغته وفصاحته.

وفي موضع آخر يذكر القرآن في آية واحدة أمرين ونهيين وبشارتين، والآية هي قول الله تعالى: (القصص: ٧).

وحينما جلس رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ذات يوم في حجر الكعبة، وقرأ القرآن فاستمع المشركون له أخذ القرآن بعقولهم، ولم يدروا بأنفسهم بعد آخر آية قرأها، وكان فيها(النجم: ٦٢) فسجد النبي (صلى الله عليه وسلم) وسجد المسلمون، وسجد المشركون معهم لله اعترافًا بعظمته واعترافًا بالقرآن وإعجازه، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي (صلى الله عليه وسلم) سجد بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس([1]).وشهد للقرآن كثير من أساطين اللغة العربية في عهد محمد (صلى الله عليه وسلم) وما بعده، ومنهم الوليد بن المغيرة الذي ذهب إليه، وسمع منه فتأثر، ورجع بوجه آخر، وقال: «إني لأعرفكم بشعر العرب، وإن هذا الكلام ليس بشعر؛ إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يعلى عليه، وما هو بقول البشر»([2])، وكما قال الوليد قال غيره الكثير.ولهذا حرص مشركو مكة ألا يدعوا أحدًا من أهلهم يستمع القرآن، وأوصى بعضهم بعضًا بذلك؛ لأنهم يعلمون أن من البيان لسحرًا، والقرآن أعظم بيان، فكان كأنه يسحر عقولهم، ويأسر قلوبهم، حتى لو لم يؤمنوا برسالة محمد (صلى الله عليه وسلم)؛ فقالوا كما حكى القرآن الكريم: (فصلت: ٢٦)، أي لا تُعرضوا أنفسكم لسماع القرآن، ومروا أتباعكم بذلك، فإذا سمعتموه عرضًا فشوِّشوا عليه؛ لئلا يصلكم كلامه، هذا إن أردتم الغلبة والنصر، وإلا سيقهركم القرآن ويغلبكم بعرضه وأسلوبه.يقول جبير بن مطعم: «سمعت النبي (صلى الله عليه وسلم) يقرأ في صلاة المغرب سورة الطور، فلما قرأ  (الطور: ٣٥)، كاد قلبي أن يطير، وذلك أول ما وَقَر الإيمان في قلبي»([3]).

وكانوا يوصون كل زائر لمكة ألا يستمع لمحمد(صلى الله عليه وسلم)؛ لكي لا يؤثر عليه، فكان الطفيل بن عمرو الدوسي يُحدث أنه قدم مكة ورسول الله(صلى الله عليه وسلم) بها، فمشى إليه رجال من قريش، وكان الطفيل شريفًا شاعرًا لبيبًا، فقالوا: يا طفيل! إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل بين أظهرنا، قد عضل بنا وفرّق جماعتنا، وإنما قوله كالسحر، يفرق بين الرجل وبين أبيه، وبين الرجل وبين أخيه، وبينه وبين زوجه، وإنما نخشى عليك وعلى قومك، فلا تكلمه ولا تسمع منه.قال: فو الله ما زالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئًا ولا أكلمه، حتى حشوت أذني قطنًا ؛ فَرَقًا أن يبلغني من قوله، وأنا أريد أن لا أسمعه. قال: فغدوت إلى المسجد؛ فإذا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قائمً يصلي عند الكعبة، قال: فقمت قريبًا منه، فأبى الله إلا أن يُسمعني قوله، فسمعت كلامًا حسنًا، قال: فقلت في نفسي: واثكل أمي! والله إني لرجل شاعر لبيب، ما يخفى عليَّ الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع هذا الرجل ما يقول! إن كان الذي يأتي به حسنًا قبلته، وإن كان قبيحًا تركته.قال: « فمكثت حتى انصرف رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى بيته، فتبعته، حتى إذا دخل بيته دخلت عليه، فقلت: يا محمد! إن قومك قالوا لي كذا وكذا، ثم إن الله أبى إلا أن أسمع قولك، فسمعت قولاً حسنًا، فاعرض عليَّ أمرَك.

قال: فعرض عليَّ الإسلام، وتلا عليَّ القرآن، وقال: فو الله ما سمعت قولاً قط أحسن منه، ولا أمرًا أعدل منه، فأسلمتُ ([4]).

وجاء رجل من اليمن اسمه ضماد الأزدي، وكان يعالج بالرقى فسمع سفهاء مكة يقولون: إن محمدًا مجنون، وبعد قليل قال لنفسه: إني امرؤ أَرْقِي من المرض، فلعل الله يشفيه على يدي، وبالفعل التقى برسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، فقال: يا محمد! إني أرقي من هذه الأمراض، وإن الله يشفي على يدي من شاء، فهل أقرأ عليك؟ فقال رسول الله: «إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله أما بعد»، هذه الكلمات مقدمة دائمة يستفتح بها رسول الله  (صلى الله عليه وسلم)حديثه مع الناس، أي : أنه إلى الآن لم يتكلم فيما أراد الكلام فيه، فهذه مجرد افتتاحية لكلامه، ولكنها بهتت الرجل، واتسعت حدقته تعجبًا، وقال في نفسه: أهذا الذي قالوا عنه مجنون؟ أهذا الذي جئت لأشفيه من مرضه، فقال مسرعًا: أَعِد عليَّ كلماتك تلك، فأعادهن عليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فطلب الثالثة فأعادها، فقال ضماد: «لقد سمعت قول الكُهّان، وقول السحرة وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ثم قال له: امدُد يدك أبايعك على الإسلام، فبايعه»([5]).

وقد تميز أسلوب النبي (صلى الله عليه وسلم) في خطبه وكلماته ومواعظه بسهولة اللفظ وبلاغة المعنى، فكانت ألفاظه سهلة سلسة، وكان يترك دائمًا الألفاظ المهجورة والغريبة في اللغة؛ ليفهم كلامَه كلُّ سامع، وليحفظ من كان في حفظه صعوبة.

ولهذا كان كلامه يجري مضرب الأمثال بين العرب لما حوى من تلك المعاني الكبيرة، في كلمات معجزات قليلة، ونضرب لذلك مثلاً بحديث موجز  يقول فيه: «لا ضرر ولا ضرار»([6])، شرحه العلماء في العديد من الصفحات، وصار قاعدة من القواعد عند المسلمين، استخرجوا منها ما يلي:

·    أن أحكام الإسلام كلها جاءت لنفع الفرد والمجتمع، ولا يوجد منها ضرر، وأي تشريع فيه ضرر لأحد فليس من الإسلام.

·         لا يسمح الإسلام للإنسان أن يضر نفسه، ولا يضر غيره، عامدًا كان أو مخطئًا، وإن أخطأ فعليه تعويضه.

·         لا يسمح بالأضرار بالحيوانات  ولا غيرها، إلا ما كان لحاجة كطعام أو دفع ضرر.

·    إذا وقع ضرر لا بد أن يجتهد الفرد في دفعه عن نفسه، ودفعه عن غيره إذا كان في مقدوره، وواجب على المجتمع أن يسهم في دفع الضرر، وهذا حق شرعي له.

·    الضرر لا يزال بضرر أشد على نفسك ولا على غيرك، فليس معنى أن تدفع الضرر عن نفسك أن تُلحِقه بغيرك أيًّا كان، ولو كان من غير المسلمين.

·         يُتَحَمَّل الضرر الخاص والفردي لتجنب الضرر العام والجماعي.

·         يُزَال الضرر الأكبر بتحمل الضرر الأقل.

وهذا جزء قليل من الأحكام والضوابط والمعاني التي استخرجها العلماء من تلك الكلمات البسيطة التي قالها رسول الله: «لا ضرر ولا ضرار».

محمد (صلى الله عليه وسلم) والشــعر والسجع:
على الرغم من كون محمد (صلى الله عليه وسلم) أبلغ العرب وأفصحهم، وعلى الرغم من صفاء روحه وتوقّد ذهنه، إلا أنه لم يكتب يومًا بيتًا واحدًا من الشعر من نظمه، وهذا أمر يدعو إلى الدهشة.

فهذه المؤهلات لا بد أن يكون صاحبها شاعرًا، وخاصة أنه كان يميل إلى الخلوات حتى قبل البعثة في عمله كراعٍ للغنم، أو في تعبده في غار حراء في مكة.

ويفسر لنا القرآن الكريم السبب في ذلك ويقول: (يس: 69).

فهل كان يبغض الشعر؟ الجواب هنا: كلا؛ بل كان يحب الشعر، ويحب سماعه، ويطلبه في بعض الأحيان، فقد ركب خلفه مرة رجل من صحابته فقال له: «هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء؟» فقال: نعم، فقال رسول الله: «هيه» - أي: أنشدني- فأنشده بيتًا، فقال: هيه، فأنشده بيتًا حتى أنشدته مائة بيت من الشعر ([7]).

وأمية هذا قد مات ولم يؤمن بالإسلام، وكان شعره حضًّا على مكارم الأخلاق، فكان يحب سماعه.

وقد كان لمحمد (صلى الله عليه وسلم) شعراء يدافعون عن الإسلام، والمسلمين، ويعرضون محاسن الإسلام، مستخدمًا هذه الآلة الإعلامية الوحيدة المتاحة، فكما كان للسيف رجال كان للشعر رجال، يجاهدون بكلماتهم وقصائدهم.

فكان منهم حسان بن ثابت (رضي الله عنه) الذي كان لا يُحسن حمل السلاح لكبر سنه، ولكنه يحسن نظم الشعر والدفاع عن الإسلام، وكان يسجل بشعره أحداث محمد (صلى الله عليه وسلم) ومواقفه، فكان شعره ديوانًا يجمع سيرة محمد (صلى الله عليه وسلم) ومواقفه، ومغازيه وأيامه، وكان فيه مدح لرسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ورثاء له يوم وفاته.

وبرز شاعر ثانٍ أمضى عمره في هجاء الرسول (صلى الله عليه وسلم)، ثم أسلم فمدح رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في قصيدة، وقرأها بين يديه (صلى الله عليه وسلم) وأعجبته؛ لما فيها من مدح للمهاجرين والأنصار، وهو كعب بن زهير.

كما برز شاعر ثالث من الأنصار، هو عبد الله بن رواحة، وكان شعره عذبًا غضًّا، وظل يدافع عن محمد (صلى الله عليه وسلم) حتى قُتل شهيدًا يوم غزوة مؤتة.

ولم يَنْهَ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن سماع الشعر، بل كان يستمع إلى العفيف منه، فلم يجرؤ أحد أن يذكر أمامه شعرًا ماجنًا، وما كان ليسمح بهذا.

وكان ربما دعا الله للشعراء المؤمنين المجاهدين، فقد سأل حسان بن ثابت أبا هريرة - رضي الله عنهما -، وقال: أنشدك الله هل سمعت النبي (صلى الله عليه وسلم) يقول يا حسان؛ أَجِبْ عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، اللهم أيِّده بروح القدس؟ قال: أبو هريرة: نعم ([8]).

وإنما لم يقل محمد (صلى الله عليه وسلم) الشعر، ولا يعرف أن يقوله؛ كي لا يقول قائل في يوم ما: إن القرآن إنما هو نوع من أنواع الشعر، أو نموذج جديد منه، أو مدرسة متطورة منه.

وكان محمد (صلى الله عليه وسلم) يكره سجع الكهان الذي يخدعون به السامع ليوهموه أنه يستمع إلى طلاسم السحرة والشياطين، ولكنه لم يكن يأبى السجع البتة، ولا يخلو كلامه من بعض سجع يأتي على السجية بلا تكلف، ويغلب أن يكون ذلك فيما يقوله من الوصايا الجامعة، كقوله: «إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ومنعًا وهات، ووأد البنات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال»([9]).

الصدق والاعتدال:
البلاغة والفصاحة كثيراً ماتقود أصحابها إلى المبالغة، وإلى تزيين القول بما يخرجه عن الموضوعية والصدق، وقد كان شائعاً لدى العرب في وصف الشعر بأن أعذبه أكذبه.

لكن محمداً (صلى الله عليه وسلم) رغم فصاحته وبلاغته كان صادقاً، فلم يعرف عنه أنه كذب في حديثه لا في جد ولا في مزاح، كما أنه كان معتدلاً ليس في حديثه مبالغة أو خروج عن الموضوعية.

وقال عن نفسه: «... ثم لا تجدوني بخيلاً ولا جبانًا ولا كذابًا»([10]).

وقد شهد له أعداؤه والمخالفون له بالصدق، فحين ذهب أبو سفيان إلى الشام قبل أن يسلم  ولقي هرقل، سأله هرقل عن محمد (صلى الله عليه وسلم)، وكان مما سأله عنه أن قال لترجمانه سله: كيف حسبه فيكم؟

قال أبو سفيان: هو فينا ذو حسب.

قال هرقل: فهل كان من آبائه ملك؟

قال أبو سفيان: لا.

قال هرقل: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟

قال أبو سفيان: لا([11]).

والشهادة له بالصدق من أعدائه ليست قاصرة على أبي سفيان، ففي مبدأ بعثته شهد له زعماء قومه بالصدق، فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال لما نزلت:  (الشعراء: ٢١٤) صعد النبي (صلى الله عليه وسلم) على الصفا، فجعل ينادي: «يا بني فهر، يا بني عدي» لبطون قريش حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش. فقال: «أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقيّ؟»

قالوا: نعم ما جرَّبنا عليك إلا صدقًا([12]).

ولم يكن الصدق في حديث محمد (صلى الله عليه وسلم) مقتصرًا على الحديث في أمور الدين والتشريع، أو سرد الأخبار وروايتها، بل كان يلتزم الصدق حتى وهو يمازح أصحابه ويداعبهم،فعن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قالوا يا رسول الله! إنك تداعبنا. قال: «إني لا أقول إلا حقًّا»([13]).

وقد وجَّه أصحابه إلى التزام الصدق حتى في حال المزاح، فعن أبي أمامة (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):

«أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًّا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسُن خلقه»([14]).

بل إنه يتوعّد من يجعل الكذب وسيلة يضحك بها الناس، فيقول: «ويل للذي يحدث بالحديث ليضحك به القوم فيكذب، ويل له، ويل له»([15]).

وكما أنه يلتزم الصدق في حال الجد والمزاح، فقد كان يلتزمه أيضًا في حال الرضا والغضب،فعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما- قال: قلت يا رسول الله! أكتب ما أسمع منك ؟

قال: «نعم».

قلت: في الرضا والسخط؟

قال: «نعم؛ فإنه لا ينبغي لي أن أقول في ذلك إلا حقًّا»([16]).

جوامع الكلم:
إن من أقوى ما يمكن أن يكون مؤثرًا في كلام محمد (صلى الله عليه وسلم) هو ما يمكننا أن نطلق عليه: جوامع الكلم، وهي اجتماع المعاني الكبار في الكلمات القصار، كما سبق وضربنا أمثلة لها، ومن أمثلة ذلك: أنه جمع علومًا كاملة في جمل قصيرات، كما جمع علم المواريث في الشريعة الإسلامية وهو العلم الفذّ الذي لم يوجد مثيل له، فقال: «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأَوْلى رجل ذَكَر» ([17]).

والأمثلة على ذلك كثيرة، منها قوله (صلى الله عليه وسلم): «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»([18]).

وقد علم محمد (صلى الله عليه وسلم) بهذه الخاصية عن نفسه، ولكنه لم يَرُدَّها لقدرة ذاتية أو قدرة علمية فيه، بل نسب الفضل فيها لربه الذي رزقه بها، وأكرمه بها؛ فقال: «وأُعطيت جوامع الكلم»([19]).

وفسَّر شُرَّاح الحديث جوامع الكلم: بأنها الكلام الموجز القليل، اللفظ الكثير المعنى([20]).

وتصف زوجته عائشة -رضي الله عنها- حديثه بالإيجاز فتقول: إن كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ليحدث الحديث لو شاء العادّ أن يحصيه أحصاه([21]).

الإفصاح والإبانة:
كان محمد (صلى الله عليه وسلم) يتحدث بأسلوب يجعل مقاله في غاية الإفصاح والإبانة، ولا يعوق المستمع عن سماع ما يقول ووعيه. ومن ذلك: أنه كان يكرر الكلمة ثلاثًا، فعن أنسٍ (رضي الله عنه) عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه كان إذا سلَّم سلَّم ثلاثًا، وإذا تكلم بكلمةٍ أعادها ثلاثًا([22]).

ومنها: أنه لم يكن يسترسل في حديثه بطريقة تعوق المستمع عن وعي ما يسمع، بل كان يترسل، كما تصف عائشة - رضي الله عنها - حديثه بقولها: إن رسول الله  (صلى الله عليه وسلم) لم يكن يسرد الحديث كسردكم ([23]).

لم يكن فاحشًا (صلى الله عليه وسلم):
كان منطق محمد (صلى الله عليه وسلم) بعيدًا عن الفحش، فلم يكن يتكلم إلا بالكلمة الطيبة، ولم يحفظ عنه كلمة فاحشة أو بذيئة،فعن أنس قال: لم يكن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فاحشًا ولا لعّانًا ولا سبّابًا، كان يقول عند المعتبة ما له ترب جبينه([24]).

وكان بعيدًا عن مواطن الهرج واللغو والحديث بما لا يفيد، فعن عائشة قالت عنه (صلى الله عليه وسلم): لم يكن فاحشًا ولا متفحشًا، ولا صخابًا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح ([25]).

ولم يكن اجتناب محمد (صلى الله عليه وسلم) للفحش خاصًّا بموطن دون آخر، بل كان هذا شأنه في كل أحواله، حتى حين يتحدث مع من يرى الناس أنهم يستحقون ذلك، فعن عائشة -رضي الله عنها- أن رجلاً استأذن على النبي (صلى الله عليه وسلم) فلما رآه قال: «بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة». فلما جلس تطلق النبي (صلى الله عليه وسلم) في وجهه، وانبسط إليه. فلما انطلق الرجل قالت له عائشة: يا رسول الله! حين رأيت الرجل قلتَ له كذا وكذا، ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه. فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «يا عائشة! متى عهدتني فحَّاشًا؟ إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره»([26]).

يبتعد عن التكلف (صلى الله عليه وسلم):
رغم ما أوتي محمد (صلى الله عليه وسلم) من فصاحة وبلاغة فإنه كان بعيدًا عن التكلف؛ فلم يكن يستخدم في حديثه ألفاظًا غريبة تستعصي على الفهم، ولو قارنَّا بين  كلام الشعراء في وقته وكلامه (صلى الله عليه وسلم) لوجدنا فرقًا شاسعًا؛ فالأغلب أن من يقرأ كلامه (صلى الله عليه وسلم) ممن يعرف العربية يندر أن يحتاج إلى تفسير كلمة غريبة، أو الرجوع إلى المعاجم.

كما أنه لم يكن يتكلف السجع والمحسنات اللفظية، إنما يأتي كلامه على السجية والطبيعة.

وكذلك الأمر في تركيب الجمل وسياق الحديث.

وقد وصفه القرآن بذلك، فقال تعالى: (ص: 86-87).

وقد ذمَّ محمد (صلى الله عليه وسلم) من يتكلفون في الحديث، فعن جابر (رضي الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «إن من أحبكم إليَّ، وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة: أحاسنكم أخلاقًا، وإن أبغضكم إليّ، وأبعدكم مني مجلسًا يوم القيامة: الثرثارون، والمتشدقون، والمتفيهقون». قالوا يا رسول الله: قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون؟ قال: «المتكبرون»([27]).

كما ذمَّ من يتكلف الحديث وإخراج الكلام، بقوله: «إن الله عز وجل يبغض البليغ من الرجال »([28]).

ولهذا كان محمد (صلى الله عليه وسلم) يخاطب بحديثه كل الناس؛ فيخاطب خاصة أصحابه، ويخاطب الشعراء والحكماء، ويخاطب العامة، ويخاطب الأعراب، والصغار والكبير، والجميع يفهمون حديثه ويعونه ويقع من أنفسهم موقعًا.

--------------------------------------------------------------------------------
([1]) أخرجه البخاري (1071).
([2]) أخرجه الحاكم في المستدرك (3872).
([3]) أخرجه البخاري (4023)، ومسلم (463).
([4]) أسد الغابة: (2/ 40).
([5]) أخرجه مسلم (868).
([6]) أخرجه أحمد (22272)، وابن ماجه (2340).
([7]) أخرجه مسلم (2255).
([8]) أخرجه البخاري (453)، ومسلم (2485).
([9]) أخرجه البخاري (2408)
([10])أخرجه البخاري (2821).
([11]) أخرجه البخاري (4553)، ومسلم (1773).
([12]) أخرجه البخاري (4770)، ومسلم (208).
([13]) أخرجه الترمذي (1990)، وأحمد (8506).    ;     ;   
([14]) أخرجه أبو داود (4800).
([15]) أخرجه الترمذي (2315)، وأبو داود (4990).
([16]) أخرجه أحمد (6891).
([17]) أخرجه البخاري (6737)، ومسلم (1615).
([18]) أخرجه البخاري (1)، ومسلم (1907).
([19]) أخرجه البخاري (2977)، ومسلم (523).
([20]) فتح الباري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي r: بعثت بجوامع الكلم.
([21]) أخرجه البخاري (3568)، ومسلم (2493).
([22]) أخرجه البخاري (94).
([23]) أخرجه البخاري (3568)، ومسلم (2493).
([24]) أخرجه البخاري (6046).
([25]) أخرجه الترمذي  (2016)، وأحمد (24889).
([26]) أخرجه البخاري (6054)، ومسلم (2591).
([27]) أخرجه الترمذي (2018)، وأحمد (17278).
([28]) أخرجه الترمذي (2853) وأبو داود (5005) وأحمد (6719).