Get Adobe Flash player

رسالة اليوم من هدي الرسول

- بالذكر تطمئن القلوب:
لذكر الله أثر كبير في انشراح الصدر، ورباطة الجأش، وذهاب الرهبة، وجمع الذهن، وتيسير الأمر، وحل عقدة اللسان والقلم. وباب الذكر مفتوح على رياض الأنس بالله (تعالى) والاستمداد من عونه، قال (صلى الله عليه وسلم): يقول الله (تعالى): (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني). متفق عليه.

كتاب الرحمة في حياة الرسول

إقرأ مقالا من أكبر كتاب في العالم

فضل المدينة وسكناها

أضخم عمل عن الحرمين الشريفين

شاهد المدينة المنورة مباشرة

الرئيسية
محمد (صلى الله عليه وسلم) في الحرب

فسليمان كان عنده الجيش، وكان يحارب به أعداء الدين، ويُعيد الناس إلى الصراط المستقيم، فإن من النفوس نفوساً لا تستقيم إلا بالسلطان، ولا بد لها من زاجر يزجرها عن فعل الموبقات، وإتيان المحرمات.

تهمة كاذبة:
وبعد هذه الإلمامة السريعة، نستطيع أن نقول: إن هناك أحيانًا كثيرة قد يجد فيها القائد ألا بُدّ من المواجهة مع عدوه.

ولا شك أن المسلمين قد حاربوا عدوهم، كما حارب غيرهم من الأمم عدوه، وحارب الأنبياء والصديقون، كما حارب الأسافل الساقطون، فليس أمر الحرب قاصراً على محمد (صلى الله عليه وسلم) وأتباعه.

ولعل أبرز ما يؤكد لنا ذلك هو أن محمدًا (صلى الله عليه وسلم) لم يقتل إنسانًا بيده أبدًا، إلا رجلاً واحدًا قد جرحه لما قدم لقتله، فمات الرجل بعد فترة بسبب الجرح، هذا على كثرة ما خاض من معارك، فقد كان يشارك بنفسه ويحمل السلاح ويقاتل، وكان من أشجع الناس.

يقول أشجع فرسان المسلمين علي بن أبي طالب t : «كنا إذا احمَرَّ البأس ولقي القومُ القومَ اتقينا برسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فما يكون منا أحد أدنى من القوم منه»([9]).

 ويقول فارس آخر وهو البراء بن عازب t: «كنا والله إذا احمَرَّ البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به، يعني: النبي (صلى الله عليه وسلم)»([10]).

 فلم يكن يدير المعارك من الغرف المغلقة، ولكنه كان ينزل ميادين القتال، وكان أقرب القوم إلى العدو، ومع ذلك لم يقتل بيده في خلال حياته كلها؛ «في حين كان عدد القتلى (27 مليون عسكري) في الحربين العالميتين: الأولى والثانية، ويقدر عدد المدنيين من ضحايا هاتين الحربين بـ13 مليونًا من النساء والأطفال وكبار السن أثناء الحرب العالمية الأولى، ونحو 20 مليونًا في الحرب العالمية الثانية، وبلغ مجموع القتلى في القرن العشرين- لأسباب دينية وأيديولوجية، وبعيدًا عن المعارك الحربية- 80 مليون إنسان. وفي الجملة فإن 167 مليون إنسان لقوا مصرعهم في حروب هذا القرن »([11]).

إن محمدًا لم يكن بحال محبًّا للقتل، ولم يكن داعية للحرب أبدًا.

أسباب الحروب.. نظرة عاجلة:
هناك حروب قامت لتأمين الحاجات الأساسية للشعوب من الطعام والشراب والمسكن حينما يسود قانون الغاب حيث البقاء فيه للأقوى.

 وهناك حروب قامت طمعًا في الثروات الطبيعية، فهناك دائمًا طامعون فيما في أيدي غيرهم، ويحاولون الاستيلاء بالقوة العسكرية على الثروات المملوكة لغيرهم، وما تزال هذه الأسباب إلى اليوم دافعًا عظيمًا من دوافع الحروب، ومن الممكن أن يفسر بها الكثير من الحروب القائمة اليوم.

كما أن للأسباب الاجتماعية أثراً أيضًا: كالخلافات الشخصية بين الملوك، ومنها: حروب رد الاعتبار والثأر والانتقام، ومنها: الرد على نقض العهود، بل من الحروب ما قامت من أجل أسباب غاية في البساطة كمباراة كرة قدم([12])، ومنها: أسباب موغلة في القِدَم كوجود كراهية متأصلة في العروق منذ مئات السنين بين شعبين.

وكذلك هناك أسباب سياسية، منها وأهمها: التوسعات التي يحب القوي أن يضم فيها الدول الضعيفة إلى سيطرته، ومنها: حروب الاستقلال حينما يحب أهل إقليمٍ الاستقلال عن الدولة الأم، ومنها: حروب الاسترداد للأرض المفقودة وتحريرها، ومنها: حروب الاستقلال عن المغتصِب الأجنبي، ولكل منهم مبرراته التي يقتنع بها، ويقنع شعبه بها، أو يسوقهم فلا فرق.

وهناك حروب تقوم لأسباب نفسية محضة؛ من الكره للآخر، أو الحقد عليه،أو حسده، أو ربما يجد أحدهم فراغًا في جيشه فيقاتل بهم لملء فراغهم، بلا سبب واضح للحرب، أو ربما لجعل شعبه في حالة حرب دائمة، فلا ينشغلوا بالأمور الداخلية، ويصنع لهم دائمًا عدوًّا يخدعهم بتهديده لهم، ويعظِّم لهم خطره؛ فإذا سقط العدو الأول واستسلم يستحدث لهم رئيسهم وصانعو القرار معه عدوًّا جديدًا يوهمهم بالخطر منه حتى يظلوا في استنفار دائم، ولا تظهر مشاكلهم الداخلية الكثيرة التي تهدد دولتهم بالزوال.

 وهناك حروب تقوم من أجل الإفساد في الأرض فقط كحروب التتار الذين اجتاحوا الأرض، ولم يكن لهم همّ سوى إفسادها، ولم تكن هناك أية مصلحة من الحروب سوى إشباع تلك الرغبات الخبيثة؛ فليس من مصلحة أحد في الكون ما حدث لمكتبة بغداد التي أُلقيت كلها في نهر دجلة، وعبرت عليها الخيول، وحرُم الكون كله من علوم كانت تختصر له الأزمنة للتقدم والرقي، ليس للمسلمين فقط بل للمجتمع الإنساني كله،وما بقي منها وما تسرب كان له أثره في التقدم الذي وصلت إليه البشرية اليوم.

وهناك حروب تقوم على أساس عقائدي إما لنشر فكرة بالإجبار، أو لمنع انتشار فكرة؛ فغالبًا ما يدخل المهزوم تحت سيطرة المنتصر ماديًّا وثقافيًّا؛ فيتبع الأفكار والتوجهات والرؤى نفسها، بل ربما يترك المغلوب لُغته الأصلية، ويتحدث بلغة المحتل له، وهذا ما نراه واقعًا في كثير من دول العالم الآن.

 وقد تقوم الحروب بين أبناء الشعب الواحد أو القبيلة الواحدة أو الديانة الواحدة إذا انقسموا إلى فِرَق ومذاهب، وربما تكون الحروب بين أبناء الدين الواحد أو الشعب الواحد أشد شراسة من حروبهم مع غيرهم  من أهل الأديان أو الشعوب الأخرى.

تلك رؤية عاجلة موجزة لأهم أسباب الحروب في العالم، وأردنا هنا أن نتساءل: ماذا كانت أهداف محمد (صلى الله عليه وسلم) من الحرب؟

 الحرب في السيرة المحمدية:
بداية يجب أن نعلم حقيقة مهمة هي: أن الحرب في الإسلام كما قرَّرها محمد (صلى الله عليه وسلم) كانت وسيلة لا غاية. وإذا أمكن أن تتحقق الغاية بوسيلة غيرها لم يكن في حاجة إليها، وكان يؤخرها (صلى الله عليه وسلم) فيجعلها آخر الحلول الممكنة.

فقد قال علي بن أبي طالب t، وهو يحمل الراية في غزوة خيبر: «يا رسول الله! أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: انفذ على رِسْلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأَخْبِرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فو الله لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من أن يكون لك حمر النعم»([13])، وحمر النعم هي أثمن مال كان يمتلكه العربي في تلك الفترة.

فهذه وصية محمد (صلى الله عليه وسلم) لقائد جيشه، وهو يحدد له الهدف المنشود، ولو تحقق بغير القتال فلا حاجة إليه، ولا رغبة في قتالهم والانتصار عليهم، بل في هدايتهم وتعبيدهم لله سبحانه.

ونعود فنذكر غايات الحرب عند محمد (صلى الله عليه وسلم) وفقًا لمنهجه الإسلامي:

أولاً: الدفاع عن النفس:
يقول الله تعالى للمسلمين مؤذناً لهم في المواجهة بعد أن منعهم من الرد على الاعتداء لمدة ثلاثة عشر سنة: (الحج: 39-40).

قال عروة بن الزبير: «إن أول آية أنزلت في القتال حين ابتلي المسلمون بمكة وسَطَتْ بهم عشائرهم ليفتنوهم عن الإسلام، وأخرجوهم من ديارهم، وتظاهروا عليهم فأنزل الله  (الحج: 39). وذلك حين أذن الله لرسوله بالخروج، وأذن لهم بالقتال»([14]).

فشرع لهم الاستعداد للقتال بتوفير لوازمه مما يردع كل طامع فيهم، بحيث لا تقع الحرب من البداية؛ لأن الناس عادة ما ترهب القوي، وتخشى محاربته فلا تطمع فيما عنده فأمرهم بإعداد العدة؛ فقال سبحانه:  (الأنفال: 60).

ونرى أن هذه الآية تطالبهم بالاستعداد والتأهب الدائم للقتال حتى لا تقع الحروب فيكون الردع سببًا لإغلاق أبوابها، ومن المستغرَب أن تتخذ هذه الآية في بعض الأحيان ذريعة لاتهام المسلمين بما ليس فيهم.

وشرع لهم قتال من قاتلهم فقال:  (البقرة: ١٩٠ – ١٩١)، أي: أنه يطالبهم بعدم المساس بمن سالمهم، بل يتوجه القتال إلى من قاتلهم ورفع عليهم السلاح، ووضع ضوابط للحرب كما سيأتي.

ثم كرَّر عليهم القرآن الأمر مرة ثانية تنبيهًا وتعظيمًا، وحدَّد ضوابط أُخَر مع الإبقاء على القاعدة العامة بعدم مقاتلة المسالمين، وقتال المحاربين فقط، فقال تعالى: البقرة: ١٩١ – ١٩٤).

 فكان المسلمون في وضعية المدافع عن أرضه ودينه وحقوقه، ولا يوجد أحد في الكون ينكر على أيّ إنسان هذا الحق.

وقد أقَرّ ميثاق الأمم المتحدة في المادة 51 هذا الحق فقال: «ليس في هذا الميثاق ما يُضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول،- فرادى أو جماعات -، في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء الأمم المتحدة».([15])

وعلَّم محمد (صلى الله عليه وسلم) أصحابه أنه لا يجوز لهم أن يتركوا حقوقهم، ولا بد أن يدافعوا عنها ولو بالقتال فقال: «من قاتل دون ماله فقُتل فهو شهيد،ومن قاتل دون دمه فهو شهيد، ومن قاتل دون أهله فهو شهيد»([16]).

ويقول أبو هريرة t: جاء رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: يا رسول الله! أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: «فلا تُعْطِه مالك»، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: «قاتله»، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: «فأنت شهيد». قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: «هو في النار»([17]).

فشدَّد عليه وأكَّد بأن  لا تترك حقك لغيرك يأخذه رغمًا عنك، فإن أعطيته فليكن برضى نفس بغير إجبار ، وإلا فالقتال، وهذا العمل لا يُغضب الله حتى لو مِتّ على ذلك.

ثانيًا: رد المظالم واسترداد الحقوق السليبة:
عندما هاجر محمد (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه لم يحملوا معهم أموالهم ولا ممتلكاتهم؛ فصادرها أهل مكة واستولوا عليها، ومنعوا مَنْ أدركوه  من الخروج للهجرة بماله، واشترطوا أن يأخذوا ماله قبل أن يهاجر؛ فيقول صاحبه صهيب بن سنان t: «خرج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى المدينة، وخرج معه أبو بكر t وكنت قد هممت بالخروج معه فصدني فتيان من قريش، فجعلت ليلتي تلك أقوم ولا أقعد؛ فقالوا: قد شغله الله عنكم ببطنه، ولم أكن شاكيًا فقاموا فلحقني منهم ناس بعدما سرت بريدًا ليردوني؛ فقلت لهم: هل لكم أن أعطيكم أواقيَ من ذهب وتخلون سبيلي وتفون لي، فتبعتهم إلى مكة، فقلت لهم: احفروا تحت أسكفة الباب فإن تحتها الأواقي، واذهبوا إلى فلانة فخذوا الحلتين وخرجت حتى قدمت على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قبل أن يتحول منها يعني: قباء؛ فلما رآني قال: يا أبا يحيى! ربح البيع ثلاثًا»([18])، وفيه أنزل الله الآية:(البقرة: ٢٠٧).

وكان لا بد من استرداد تلك الحقوق، ولا توجد جهة يتجه إليها المسلمون لتجبر قريشًا على رد تلك الحقوق، ولا يوجد قانون يحتكمان إليه؛ ليحصل المسلمون على حقوقهم السليبة، فكيف يحصلون على حقوقهم وأموالهم إذن؟

ها هنا أباح الله لهم المواجهة لنيل حقوقهم، وهذا مشروع في كل الدساتير السابقة للإسلام واللاحقة له ولا ينكره منكر.

ثالثًا: نصرة المظلومين المستضعفين:
ما أكثر المظلومين في هذه الحياة الذين لا يجدون من ينصرهم ويقف في وجه الباغين الظالمين!

ولن يعترض معترض أبدًا على وقوف صاحب قوة مع صاحب حق مظلوم ومسلوب، وهذا خير استعمالٍ للقوة أن تسخرها في رد الحقوق إلى أصحابها، وأن يجد الظالم المستكبر قوة تمنعه وتردعه عن ارتكاب المظالم.

قال الله تعالى : (النساء: ٧٥).

ويقول القرطبي المفسر والعالم الإسلامي الشهير في تفسيره للآية: «فأوجب الله تعالى الجهاد لإعلاء كلمته، وإظهار دينه، واستنقاذ المؤمنين الضعفاء من عباده، وإن كان في ذلك تلف النفوس. وتخليص الأُسارى واجب على جماعة المسلمين إما بالقتال وإما بالأموال، وذلك أوجب لكونها دون النفوس؛ إذ هي أهون منها. قال مالك: واجب على الناس أن يفدوا الأُسارى بجميع أموالهم، وهذا لا خلاف فيه. وقوله تعالى: ﭽﭘ ﭼ عطف على اسم الله عز وجل، أي: وفي سبيل المستضعفين؛ فإن خلاص المستضعفين من سبيل الله»([19]).

وسكوت القوي القادر وتقاعسه عن نصرة المظلوم هو معاونة للظالم على ظلمه وتيسيرًا لاستشراء الفساد في الأرض، وحينها يستحق القوي القادر الساكت عن الحق أن يشمله الله بعذاب مع الظالم؛ لأنه كان يمكنه منع هذا الظلم، وإعادة الحقوق إلى أصحابها.

وقد روى أنس t قول  محمد (صلى الله عليه وسلم) لأصحابه تصويبًا وتعديلاً للمثل الشائع المستخدم بالفهم الخاطئ: «قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا»، قالوا: يا رسول الله! هذا ننصره مظلومًا، فكيف ننصره ظالمًا؟ قال: «تأخذ على يديه»([20])، وفي رواية للحديث «تمنعه من الظلم»، وقال ابن حجر العالم الإسلامي في شرحه للحديث: «قوله: (تأخذ فوق يده) كنَّى به عن كفّه عن الظلم بالفعل، إن لم يَكُفّ بالقول، وعبّر بالفوقية إشارة إلى الأخذ بالاستعلاء والقوة»([21]).

ويكررها محمد (صلى الله عليه وسلم) كثيرًا فيقول البراء بن عازب t: أمرنا النبي (صلى الله عليه وسلم) بسبع ونهانا عن سبع، فذكر عيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، وردّ السلام، ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وإبرار المقسِم»([22]).

رابعًا: القتال للرد على نقض العهود وخيانة المواثيق:
الدساتير كافة تتفق على أن المعاهد عهدًا إذا نكث فيه وأخلَّ بالبنود أو غدر؛ يُعُّد ناقضًا للمعاهدة، وهو إعلان لحالة الحرب بينهما، ويعني: الرجوع إلى نقطة البداية إلى مرحلة ما قبل المعاهدة.

قال الله تعالى:  (الأنفال:55-57)، وقال أيضًا:  (التوبة: ١٢ -١٣).

وقد تعاهد بنو قريظة المجاورون للمسلمين في المدينة؛ تعاهدوا مع المسلمين معاهدة أن تكون المدينة وطنًا مشتركًا لهم يدافعون عنها ضد أيّ معتدٍ من خارجها، وأن يتعايشوا تعايشًا سلميًّا بينهم.

وجاءت قريش ومعها قبائل غطفان وغيرها، وكان عددهم أضعاف عدد المسلمين؛ فاضطر المسلمون لحفر خندق بينهم وبين الجيش القادم عليهم، وكان بنو قريظة يسكنون في الجانب الآخر من المدينة، وبحسب بنود المعاهدة كان لزامًا أن يتحرك بنو قريظة وينضموا إلى المسلمين في الدفاع عن المدينة، ولكنهم فعلوا النقيض تمامًا؛ فأغلقوا على أنفسهم حصونهم، ولم يتحركوا منها.

بل تفاوض الأحزاب معهم للمرور من جانبهم والدخول إلى المدينة، ومن ثَمّ يكون المسلمون لقمة سائغة، ويكون الخندق في ظهورهم، فلا يستطيعون الفرار ويحصدهم الأحزاب في ساعة واحدة، ووافق بنو قريظة، وأرسل إليهم محمد (صلى الله عليه وسلم) يستوثق من الخبر، فأقروا بنيّتهم وسبوا مبعوثي محمد (صلى الله عليه وسلم)، وخانوا العهد ونقضوا الميثاق.

فبعد أن انسحب جيش الأحزاب ذهب محمد (صلى الله عليه وسلم) وواجههم؛ جزاء لخيانتهم وغدرهم ونقضهم العهد، وسوء فعلهم الذي لو تم كما أرادوا وخططوا وبيَّتوا لهلك المسلمون جميعًا.

خامسًا: قتال الباغين المعتدين:
لقد علَّم محمد (صلى الله عليه وسلم) أصحابه ألا يقفوا موقف المتفرج من الأحداث، فما يسميه الناس اليوم بالإيجابية سماه الإسلام بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وجعل الله سبب خيرية من يتبع محمدًا في هذه الفضيلة؛ حيث لا يرى حقًّا أمامه إلا يسانده، ولا يرى باطلاً أمامه إلا يقاومه في حدود استطاعته؛ فقال الله تعالى:(آل عمران: 110)، وجعلها من سمات المؤمنين الخاصة بهم؛ فقال:  (التوبة: 71).

وليس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مختصًّا بما يراه المسلم من منكرات في غير المسلمين، بل من باب أَوْلى في المجتمع الإسلامي.

ومن هذه المنكرات: الخلافات، فإن حدث خلاف بين طائفتين من المسلمين وجب على باقي المسلمين أن يصلحوا بين الطائفتين.

فإن وصلوا إلى اتفاق لحل تلك المشكلة، ثم اعتدت طائفة منهم على الأخرى، أو نقضت اتفاقها؛ أمر الله المسلمين أن يقاتلوا جميعًا تلك الفئة الباغية حتى يردوها إلى الحق.

فيكون هنا قتال طرفاه مسلمان، ولكنه قتال مأمور به حتى تعود الفئة الباغية إلى رشدها، وتستقيم مرة أخرى؛ فقال الله سبحانه: (الحجرات: 9) .

إن محمدًا (صلى الله عليه وسلم) إذن ما طلب الدنيا بحروبه، فلم تكن من أجل المال، ولا من أجل السلطان، ولا من أجل الدنيا بما فيها، ولكنها كانت حروبًا لا يُبتغى بها إلا وجه الله ومرضاته؛ فلم يحارب إلا لله، ولم يسالم إلا لله، ولقد أكَّد مرارًا على هذا الأمر لأصحابه فقال لهم: «أُمِرْت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه ،وحسابه على الله»([23]).

إنه يحدِّد الهدف العام والشامل لحروبه لإقامة كلمة «لا إله إلا الله» في الأرض، ولم يتحدث عن ملك ولا مال ولا جاه، ولا استعباد للشعوب، ولا نهب للثروات ولا تخريب للمنشآت، ولا هتك للأعراض.

إنه يبحث عن كلمة التوحيد «لا إله إلا الله» فقط، بل ويزيد محمد في الشروط للحرب المقبولة عنده، ومن ثَم عند الله أن تكون نية كل جندي - لا نية القائد فقط- خالصة لله، ولا ينوي بالقتال شيئًا آخر؛ فيأتيه رجل ويسأله ويقول: يا رسول الله! ما القتال في سبيل الله؟ فإن أحدنا يقاتل غضبًا ويقاتل حمية؟ فرفع إليه رأسه، وقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله عز وجل»([24])، بل إنه تحدث عن ثلاثة هم أول من تُسَعَّر بهم النار، وذكر منهم رجلاً قاتل، ثم مات في القتال، ولم يقصد بقتاله وجه الله، بل كان يقصد رضى الناس، وأن يُذْكَر بينهم بالشجاعة والجرأة([25]).

إذن مع نبل الغاية العامة لا بد أيضًا أن يكون عند الجنود نبل في مقاصدهم في الحرب، فلا يقصدون شيئًا من متاع الدنيا، ويبتغون فقط الأجر من الله سبحانه، ومن دخل الحرب ناويًا غير ذلك فقد أساء، وليس له شيء من الله سبحانه، ومُعرَّض لخسارة الدنيا والآخرة.

 الغاية لا تبرر الوسيلة في رسالة محمد (صلى الله عليه وسلم):
وهنا تجدر الإشارة إلى أن محمدًا (صلى الله عليه وسلم) ورسالته لا يعرفان ذلك المبدأ؛ الذي قامت عليه معظم الحروب التي لم يكن محمد (صلى الله عليه وسلم) وأتباعه طرفًا فيها، وهو مبدأ «الغاية تبرر الوسيلة»، فهذا المبدأ لا وجود له مطلقًا عند محمد (صلى الله عليه وسلم) فلم يكن يتخذ من الوسائل إلا أحسنها، فكما كانت غايته شريفة كانت وسائله أيضًا شريفة.

 ولم يكن الناس يعرفون أن للحروب ضوابط وقيمًا لا بد أن تُرَاعى، ويجري تقييم النجاح الحقيقي في الميدان بقدر الانتصارات التي يحققها القادة الميدانيون، بشرط الالتزام بالضوابط التي حدَّدها محمد (صلى الله عليه وسلم) لجيشه، فقد يعاتب قائدًا أو يحاكم أو يعزل وله سجل حافل من الانتصارات؛ إذا أخفق، وارتكب شيئًا من المنهيات، أو لم يلتزم بالضوابط.

في حين أن التقييم عند الناس لا يسأل عن مثل هذه الضوابط مطلقًا، وما يهمهم سوى تحقيق الانتصارات، حتى لو كانت بإلقاء أسلحة تأتي على الأخضر واليابس، والمحارب وغير المحارب حتى الأجنة في أرحام الأمهات؛ فالمهم عندهم هو تحقيق الانتصارات، وجلب الغنائم، والسيطرة على العباد، وتسخيرهم لمصالحهم، بل واستعبادهم؛ لتكون جماجمهم درجات في سُلّم مجد الغزاة.

ولم تعرف البشرية بعد محمد (صلى الله عليه وسلم) أن هناك ضوابط ينبغي الالتزام بها عند الحرب إلا عندما وقعت دول العالم على أربع اتفاقيات سُمِّيت بمعاهدات جنيف الأربع عام 1949م، والبرتوكولين الإضافيين لهما عام 1977م.

وفيها حاول المجتمِعون وضع أخلاقيات للحرب افتقدها العالم طويلاً، ولكن عاب هذه الاتفاقات عيبان أساسيان بدت بهما هذه القرارات وكأنها حبر على ورق، لا تخضع للتطبيق:

العيب الأول: أن هذه الاتفاقات رضائية، أي: أنها غير ملزمة للمُوقِّعِين عليها، ويخضع التنفيذ لإرادة الدول إن شاءت نَفَّذَت، وإن شاءت امتنعت.

العيب الثاني: هو عدم وجود قوة حاكمة تتبنى هذه الاتفاقات لدى الأمم المتحدة أو غيرها؛ لتضمن التنفيذ من المُوقِّعين عليها، وباتت القرارات التي تصدر من تلك الجهات قرارات جوفاء لا تُنَفَّذ إلا على الضعفاء بإرادة الأقوياء وقوتهم ودعمهم.

أخلاقيات الحرب في رسالته (صلى الله عليه وسلم):
بالمقارنة مع العيوب التي تضمنها ميثاق الأمم المتحدة، والذي لم يتح لها إمكانية تطبيق ما نصت عليه الاتفاقات إلا في القليل النادر من الحروب؛ فإن محمدًا (صلى الله عليه وسلم) لم تكن تصرفاته في حربه، ولا أوامره لقادة جيوشه تؤخذ على أنها من قبيل المخيَّر فيه، بل كانت أوامر صارمة يجب تنفيذها، وكل مخالف له فيها هو عاصٍ لله ولرسوله (صلى الله عليه وسلم).

وكان له ولخلفائه من بعده عَزْلُ أيّ قائد لا يلتزم بتلك الأوامر الصارمة في آداب الحرب وأخلاقياتها ، فقد عزل عمر بن الخطاب              - الخليفة الثاني للمسلمين - القائدَ خالد بن الوليد t أحد أعظم قادة الإسلام  لأنه - كما يرى عمر -  قد بالغ في موقعة من المواقع في الشدة، رغم أنه من أكثر القادة نجاحًا وتحقيقًا للإنجازات، ولذا كانت هناك تعاليم واضحة راسخة سطرها محمد (صلى الله عليه وسلم) وسار صحابته وخلفاؤه من بعده عليها، وبيَّن أحكامها علماء المسلمين، ونستعرض بعضًا منها:

1.    التفرقة بين المحاربين وغير المحاربين:
الحروب عادة ما يشعلها القادة، ويصطلي بنارها الجنود،والمدنيون هم الذين يدفعون الثمن.

فكم من حرب قامت وكان ضحيتها الآلاف من المدنيين على مر العصور، ووصل الحال باستهانة بعض الشعوب بالآخرين إلى حالة هستيرية، كما نشرت بعض الصحف عبر ذكريات أحد الجنود في إحدى المعارك أنه تراهن مع صاحبه بعد بقر بطن امرأة حامل هل تحمل جنينًا ذكرًا أم أنثى!! وسمعنا الكثير الكثير من الفظائع التي ارتكبها جنود في كل مكان بحق المدنيين.

ولكن محمدًا (صلى الله عليه وسلم) كان حازمًا وحاسمًا في عدم التجاوز؛ لأنه تعلم من أمر الله الذي قاله في كتابه: (البقرة: 190) ، فحدَّد الله القتال وحصره مع الذين يقاتلون الجيش فقط، أي: من المحاربين فقط حاملي السلاح، ومن ثم صدرت الأوامر من محمد (صلى الله عليه وسلم) لقادة جيشه:

«انطلقوا بسم الله، وبالله وعلى ملة رسول الله، لا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا طفلاً،ولا صغيرًا ولا امرأة، ولا تَغُلّوا، وضمُّوا غنائمكم، وأصلحوا وأحسنوا؛ فإن الله يحب المحسنين».([26])

وقال (صلى الله عليه وسلم) موصيًا زيد بن حارثة لما أنفذه إلى مؤتة: «لا تقتلوا وليدًا ولا امرأة، ولا كبيرًا، ولا فانيًا ولا منعزلاً بصومعة»؛ فهؤلاء لا يقاتِلون، ولا يحملون السلاح،ولهذا نهاهم عن قتلهم.

وأيضًا نهاهم أن يقتلوا العمال في المزارع، أو الخدم في المنازل؛ لأن هؤلاء لا يحاربون، ونهى عن قتل الصغار من الأطفال، ونهى مشدداً عن التعرض للنساء ،و لما رأى جثة امرأة في القتلى غضب منهم، وعاتبهم وناداهم ولامهم؛ فيقول رباح بن ربيع t: كنا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في غزوة؛ فرأى الناس مجتمعين على شيء، فبعث رجلاً، فقال: «انظر علام اجتمع هؤلاء؟»، فجاء فقال: على امرأة قتيل. فقال : «ما كانت هذه لتقاتل»، فبعث رجلاً فقال «قل لخالد: لا يقتلن امرأة ولا عسيفًا»([27])، والعسيف هو الأجير في البيت أو المزرعة.

ويقول بريدة بن الحصيب أن من وصاياه (صلى الله عليه وسلم): «اغزوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا»([28]).

وأخذ منه خلفاؤه من بعده تلك المعاني، فأوصى أبو بكر الصديق ـ الخليفة الأول ـ قائد جيشه أسامة بن زيد وهو خارج للقتال بوصايا تصلح دستورًا للحروب لو طبَّقها الناس، فقال مخاطبًا أسامة وجنده:

أيها الناس! قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عني: «لا تخونوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيرًا ولا شيخًا كبيرًا ولا امرأة، ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرًا إلا لمأكل، وسوف تمرون بأقوام قد فرَّغوا أنفسهم في الصوامع؛ فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له، وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان من الطعام، فإذا أكلتم منها فاذكروا اسم الله عليه».