Get Adobe Flash player

رسالة اليوم من هدي الرسول

-          دعاء الكرب:

كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول عند الكرب (لا إله إلا الله العليم الحليم ، لا إله إلا الله رب العرش العظيم ، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض رب العرش الكريم) رواه البخاري

كتاب الرحمة في حياة الرسول

إقرأ مقالا من أكبر كتاب في العالم

فضل المدينة وسكناها

أضخم عمل عن الحرمين الشريفين

شاهد المدينة المنورة مباشرة

الرئيسية

في بَعْض أجزاءِ العالمِ، يَتمتّعُ الناسُ بحريةِ الاعتقاد والاختيار، فلهم الحق في أنْ يعيشوا بسلام وفي الأُلفة فيما بينهم، كما أنّ لهم الحق في أنْ يُكرِّسوا نشاطهم للتَعليم والوعظ والبحوث، ولإنجاز اكتشافات جديدةٍ. غير أنّه حتى في هذه الأجزاءِ من العالمِ، لَمْ يكن الناس متسامحين دائماً، ولمْ يكونوا يخلون عن النزاعات، كما لمْ يكونوا دائماً متسامحين لتواجد شعوب مختلفينِ وطوائف مختلفة، ولم يُظهروا من رحابة الفكر إلاّ قليلاً، فقليلاً ما يقبلون اختلاف الآراء.
 
لقد كادتْ البشرية تكراراً أنْ تعكف على التدمير الذاتي، ومَرَّتْ بمراحل حيث أنّها بشرور نفسها عرّضتْ للخطر كلَّ حقٍّ في كسْب البقايا. لقد سلك الرجالُ في بعض الأحيان طريق الوحوشِ المسعورة والمتوحّشةً، يُهْمِلون كُلَّ ثقافةٍ وحضارةٍ، كلَّ فن وأدب، وكلّ حشمةٍ؛ ويُهْمِلون قوانينِ الأخلاق والحقوق المدنيِّة.
 
كلّنا نَعْرفُ أنّ النصوص التاريخية ترجع نسبيّاً إلى أصل قريب، وأنْ عصور ما قَبْلَ التّاريخ كَانَتْ أطولَ بكثير. لمّا رَجعَتْ البشريةِ إلى الهمجيةِ، لمْ يكن انحطاطها على الإطلاق مهمّةُ يرضى المؤرخون والكُتّابِ لتَسجيله. مع ذلك، فإنّنا نَجِدُ قصصَ سقوطِ الإمبراطورياتِ وانحطاط المجتمع الإنساني تُروى في فقرات طويلة من صفحاتِ التأريخِ. ترجع أولى هذه الروايات إلى القرن الخامس الميلادي، وبعضها لم يعرض المؤرِّخون لها هنا إلاّ بإيجاز.
 
حول سقوط الإمبراطورياتِ البيزنطيةِ والساسانية، يَكْتبُ إتش. جي. ويلز (H.G. Wells) المؤرخ المشهور ما نصه:
"لقد بَدتْ العلومُ والفلسفةُ السياسيةُ ميتةً في هاتين الإمبراطوريتين التين كانتا مُتَحَاربتين وفي الانحطاط. كانتْ أواخر الفلاسفة الذين كانوا في أثينا (Athènes) حتى إبطال الفلسفة، يحفظون نُصوصَ أدبِ الماضي العظيمِ بتوقيرِ لانهائيِ وبرغبة حقيقية في الفَهْم. مع ذلك لم يبق من أصناف رجال العالمِ صنفٌ، ولا رجل شريفٌ حُرٌّ يكون جريئاً ومستقلاً في أفكاره ليعتاد على بيان التحقيقِ الصريحِ المُتضمن في هذه الكتاباتِ.
 
إنّ الفوضى الاجتماعي والسياسي بشكل كبير سبب في زوال هذا الصنفِ، ولكن كان هناك سببٌ آخرُ يُوضحُ لماذا كان الفكر الإنساني عقيماً ومُضطرِباً في أثناء هذا العَصرِ الذي قد عمّ فيه التعصّبُ. كَانتْ كلتا الإمبراطوريتين مُتديّنتين بطريقةٍ جديدةٍ، الطريقة التي أعاقَتْ بشكل كبير حريّة استعمال سرعة الخاطر البشري". 1
 
وهذا الكاتب نفسه، بعد وَصْفِه لهجوم الساسانيّة على البيزنطية ونصرهم النهائي، يُنبِّئُ إلى الانحطاط الاجتماعي والأخلاقي الذي كانتْ هاتان الأمتان العظيمتان قد استغرقتا فيه حيث قال:
"كان من المحتمل عند كل صاحب رؤى وجمّاع للتأريخِ ومترصّد للعالم في فجر القرن السابعِ، أنْ يُثبت بكلّ إنصاف بأنّ القارتين الأوربية والآسيوية سوف تخضعان للسيطرة المغولية في بضع قرون. لم يكن هناك أيُّ علامة للنظام أَو الإتحادِ في أوربا الغربية، وكانت الإمبراطوريتان البيزنطية والفارسية يعكُفون علناً على الدمارِ المتبادلِ. أمّا الهند فقد كانتْ تُعاني الانقسام والخراب".
 
لقد وقف روبرت بريفولت (Robert Briffault) الكاتب الآخر على جانب مماثل حيث قال:
"مِن القرن الخامسِ إلى القرن العاشرِ كانتْ أوروبا مُستغرِقة في أغوار الهمجيةِ اللجيّة والنَامية نُموّاً مستمرّاً. كانتْ هذه الهمجية أفظع وأشنع بكثير مِنْ همجية الوحوش البدائية، إذْ كَانَ الأمر يتعلق بتَفَسُّخ حضارة سابقة عظيمة. لقد طُمستْ جميعُ مظاهر هذه الحضارةِ بكاملها الأماكنَ التي كَانَتْ قد نمتْ فيها أكثر كأمثال إيطاليا والغال[1]، وعمّ فيها الخرابُ والبؤس والانحلال".  
 
لقد تفتّتتْ الحضاراتُ التي حافظتْ عليها الأديانُِ القديمة. ففي كتابه "الانفعال كالحضارة" (Emotion as Civilization)، يقول جيْ. إتش. دينيسون. (J.H. Denison) ما نصّه:
"في القرنين الخامس والسادس، كان العالمُ المُتَحضّرُ على حافة الفوضى. كانتْ الثقافات الانفعالية القديمة التي جَعلتْ الحضارةَ ممْكنةً حيث منح الناس ذوق الوحدةِ والتوقير نحوَ حُكَّامِهم قد تهدّمتْ، ولم يُوجدْ هناك شيءٌ يليق أنْ يقوم مقامَ تلك الثقافات"...
 
كانَ يَبْدو آنذاك أنّ الحضارةَ العظيمةَ التي استغرق بناؤها أربعة قرون، أنّها كانتْ على حافة التفككِ، وأصبح من المتوقع أَنْ تَعُودَ البشرية إلى مثل هذه الهمجيةِ التي كانتْ كُلّ قبيلة وكلّ طائفة فيها تَعتدي على الأخرى، وكان النظام فيها مجهولاً... كانتْ العقوباتُ العشائريةُ القديمةُ قدْ فقدتْ سُلطتَها... أمّا العقوبات الجديدة التي أوجدتْها المسيحية، فكَانتْ تُشيعُ الانقسامَ والدمارَ بدلاً مِنْ أنْ تُشيعَ الوحدة والنظام. كَانَ ذلك العصرُ مليئاً بالمآسي.
 
لقد تزعزعتْ الحضارة التي كان مثلها كمثل شجرة هائلة بسطتْ أوراقها على العالم كله، وحَملتْ فروعُها ثماراً ذهبيةَ للفُنون والعِلْمِ والأدبِ، وأصبحتْ فاسدة تماماً.

[1] - فرنسا سابقاً.