Get Adobe Flash player

رسالة اليوم من هدي الرسول

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري ، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي ، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي ، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير ، واجعل الموت راحة لي من كل شر . رواه مسلم

البحث

كتاب الرحمة في حياة الرسول

شاهد مكة المكرمة مباشرة

إقرأ مقالا من أكبر كتاب في العالم

إبحث عن محتويات الموقع

شاهد المدينة المنورة مباشرة

المسجد النبوي _ تصوير ثلاثي الأبعاد

Madina Mosque 3D view

الرئيسية
al_mawsuaa_maysira.jpg

حرص محمد (صلى الله عليه وسلم) من البداية على إيضاح طبيعة العلاقة بين الله تعالى والنبي والبَشَر؛ فالله سبحانه هو المعبود الحق الذي تُوجَّه إليه كل الأعمال، ويُرتَجى بجميع العبادات،ولا معبود غيره أبدًا مهما كان؛ إذ إنه هو الرب الخالق والرازق والمحيي والمميت، وهو الإله المعبود المستحِقّ وحده للعبادة، وهو المتصف بصفات الجلال والكمال والمسمى بالأسماء الحسنى سبحانه، والنبي هو ذاك الإنسان البشري الذي اختاره الله ليبلِّغ رسالته للناس، ويعلِّمهم ويبيِّن لهم كيفية التطبيق العملي لما شرعه لهم. وقد جاء القرآن الكريم موضِّحًا ذلك المعنى بكل وضوح فقال تعالى:  (الكهف: ١١٠(، ، فها هنا بشر وهو الرسول، ووحي بالرسالة، وإله واحد معبود لا شريك له.فالبشر مُختَار بعناية إلهية، حتى يكون لائقًا من بني جنسه لتحمُّل تلك المسؤولية، والوحي هو المثبِت له والمعلِّم له، والمقوِّم لكل سلوكياته البشرية، وإنما دعوته هي دعوة لأجل عبادة الله وحده الذي لا يحق لغيره أن يُعبَد، فهو وحده المعبود بحق (لا إله إلا هو). والأنبياء هم أوعى البشر بحقيقة الألوهية، ومعرفة استحقاق الإله وحده للعبادة، ولذلك فإن التمييز واضح عندهم بين ما هو حق الله، وما هو حق النبي، وما من نبي إلا دعا الناس إلى توحيد ربهم وعبادته، وقد نفى القرآن الكريم عن الأنبياء من يدعو الناس لعبادتهم بدلاً من عبادة الله وحده، قال تعالى   (آل عمران: ٧٩) لقد فضَّل الله نبيه محمدًا (صلى الله عليه وسلم)، واصطفاه على سائر البشر، ومن مظاهر هذا التفضيل:

· ما جبله الله عليه من الأخلاق والسمات والسجايا.

·  أنه يتلقى الوحي من السماء، وينزل عليه كلام الله عز وجل.

·  أنه رسول إلى الناس يبلِّغهم عن الله تبارك وتعالى، ويدعوهم إلى عبادته.

وهذه الأمور تقود بعض الناس إلى أن يتجاوزوا الاعتدال في التعامل مع شخصية النبي(صلى الله عليه وسلم)، وربما قادهم ذلك إلى الغلو فيه، وإلى أن ينسجوا في أذهانهم صورة تتجاوز القدر البشري.حين نعود إلى القرآن الكريم، ونتأمل الصورة التي يرسمها القرآن للمرسلين عمومًا، ولمحمد (صلى الله عليه وسلم)  ؛ نجد التأكيد على صفة البشرية بارزاً في ذلك.

ويتمثل ذلك فيما يلي:

أولاً: حين اعترض المشركون على إرسال الرسول من البشر،وسألوا أن ينزل عليهم مَلَك من السماء ؛ جاء تأكيد هذا المعنى في القرآن، وأنه لو نزل ملك لجاء بصورة البشر. قال تعالى:  (الأنعام: ٨ – ٩).إن الرسل يؤدون رسالتهم للناس من خلال مُعايشتهم معهم، والتواصل معهم، ويعلِّمونهم أحكام الدين، ليس من خلال الحديث فحسب، بل من خلال المعاشرة والمعايشة، ومن هنا لن يتحقق ذلك ما لم يكونوا بشرًا مثلهم يرونهم ويتعاملون معهم كما يتعاملون مع البشر.

ثانيًا: حكى القرآن الكريم عن أهل مكة أنهم اعترضوا على رسالة النبي (صلى الله عليه وسلم) بأنه بشر يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، قال عز وجل: (الفرقان: ٧- ٩)، ثم أخبر تبارك وتعالى بعد ذلك في السورة نفسها،أن هذه سنته في المرسلين؛ فهم يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، قال تعالى:  (الفرقان: ٢٠).

ثالثًا: أخبر تبارك وتعالى أن أقوام الأنبياء السابقين كانوا يعترضون على أنبيائهم بأنهم بشر، ويرون أن ذلك مانع عن إجابة دعوتهم واتِّباعهم، قال تعالى  (الأنبياء: ٢ - ٣ (.وفي سورة المؤمنون التي تليها بسورتين حين جاء الحديث عن تفاصيل قصص الأنبياء في أثناء السورة، وأشار القرآن إلى موقف قوم نوح عليه السلام، وأنهم اعترضوا على قبول رسالته لكونه بشرًا؛ قال تعالى:  (المؤمنون: ٢٤).وأشار أيضًا إلى موقف عاد قوم هود عليه السلام، وأنهم اعترضوا على نبيهم بالاعتراض نفسه، قال تعالى: (المؤمنون: ٣٣ – ٣٤).

رابعًا: أخبر القرآن الكريم أن قوم محمد (صلى الله عليه وسلم) طالبوه بمطالب، واعترضوا عليه بأمور، قال عز وجل:  (الإسراء: 90-93). ثم أخبر تبارك وتعالى أن هذا الأمر ليس خاصًّا بقومه، بل هو شأن الأمم السابقة مع أنبيائها؛ فقال:  (الإسراء: 94 - ٩٥).

خامسًا: أمر الله تبارك وتعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) أن يقول ذلك للناس، وأن يصرح ببشريته، بل أن ينكر عليهم ادعاءهم ما هو سوى ذلك،  قال تعالى:(الكهف: ١١٠) ، وقال تعالى: (فصلت:6)، وقال أيضًا:  (فصلت: ٦).وحين نعود إلى سيرته (صلى الله عليه وسلم) نجد ما يوضح بجلاء بشريته، سواء كان ذلك من خلال الأحداث والمواقف التي تحصل له، أو من خلال حديثه عن نفسه.كان يشارك أصحابه المعاركَ والغزوات، وفي غزوة أُحُد ناله ما نالهم، فأصابته جراحات، وكُسرت أسنانه، بل أشاع أعداؤه أنه قُتل، وهنا جاء التعقيب من القرآن الكريم مؤكدًا على بشريته، وأنه يمكن أن يُصيبه الموت أو القتل قال تعالى كان (صلى الله عليه وسلم) يصلي بأصحابه فيصلون وراءه، وعدد الركعات يختلف من صلاة لأخرى؛ فالفجر ركعتان، والظهر والعصر أربع ركعات، والمغرب ثلاث ركعات، والعشاء أربع ركعات.وذات يوم وهو (صلى الله عليه وسلم) يصلي بأصحابه نسي كمْ صلَّى، عن ابن مسعود (رضي الله عنه) قال: صلى بنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الظهر خمسًا، فلما سلَّم قلنا: يا رسول الله؛ أَزِيد في الصلاة؟ فقال: «وما ذاك ؟» قالوا: صليت خمسًا، فقال: فثنى رجله واستقبل وسجد سجدتين، ثم سلَّم، وقال: «إنما أنا بشر مثلكم أتذكَّر كما تذكرون، وأنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكِّروني، وإذا شكَّ أحدكم في صلاته فليتحرَّ الصواب فليبنِ عليه ثم يسجد سجدتين»([1]).كما نسي مرة أخرى فسلَّم من ركعتين في صلاة الظهر أو العصر.ومرة أخرى نجد النسيان منه (صلى الله عليه وسلم) فيما يتعلق بالصلاة في أمر الطهارة؛ إذ الواجب على المسلم أن يتطهر قبل الصلاة، والنبي ينسى (صلى الله عليه وسلم) كغيره من البشر؛ فعن أبي هريرة (رضي الله عنه)  قال: «أُقيمت الصلاة، وعُدِّلت الصفوف قيامًا، فخرج إلينا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فلما قام في مصلاه ذكر أنه جُنُب، فقال لنا: مكانَكم، ثم رجع فاغتسل ثم خرج إلينا ورأسه يقطر، فكبَّر فصلينا معه» ([2]).

تقويم إلهي:

كان محمد (صلى الله عليه وسلم) بَشَراً يجتهد فيما لم يوحَ إليه فيه وَحْي، وقد لا يصيب في اجتهاده؛ فيستدرك عليه الوحيُ ذلك، وسيأتي معنا المواقف والآيات التي تؤكد ذلك المعنى وتوضِّحه،إلا أننا هنا نؤكد على ذلك الموقف الخاص الذي يدل على ما نريد توضيحه، فالآيات من(1ـ 11) من سورة عبس تتحدث عن عتاب قرآني لمحمد (صلى الله عليه وسلم)، وتقويم لما حدث منه تجاه أحد المسلمين الفقراء الذين فقدوا البصر، بينما محمد (صلى الله عليه وسلم) مع بعض زعماء قريش  يدعوهم إلى الإسلام، ويبين لهم، وقد استشعر منهم قبولاً له؛ إذ جاءه ذاك المسلم الفقير الضرير «ابن أم مكتوم»، وجعل يقول له: يا رسول الله! أرْشِدني، فجعل النبي (صلى الله عليه وسلم) يلتفت عنه، ويُقبل على الآخر، فنزلت تلك السورة.قد رعى محمد (صلى الله عليه وسلم) في ذلك الموقف طموحا بشريًّا عاديًا لهداية بعض زعماء القوم ذوي السلطان، الذين قد ظنَّ أنهم بإسلامهم قد تعود مصالح كبيرة على الدعوة، ولعل مثل هذا الهدف أن يكون مبررًا على المستوى البشري لأصحاب الدعوات عمومًا، خاصة أن أعداءه كانوا دومًا ما يتبجحون بسؤالهم إياه:(مريم: ٧٣)، مشيرين إلى أن معظم أتباع النبي (صلى الله عليه وسلم) من الفقراء والضعفاء.إن رغبته إذن في استمالة بعض الأشراف إلى الإيمان، وكسبهم لمعسكر الإسلام؛ رغبة طبيعية تمامًا يفهمها البشر بلا استنكار، إلا أن القرآن جاء ليؤكد على معانٍ عظيمة أخرى، أنْ لا فرقَ عند الله بين غنيّ وفقير، وشريف ووضيع، وأعمى ومُبْصِر، وحاكِم ومحكوم، قال الله سبحانه وتعالى: (عبس: ١ – ١١) .وصار محمد (صلى الله عليه وسلم) فيما بعدُ كلما التقى ابنَ أمّ مكتوم يرحِّب به أحسن ترحيب، ويحتفي به.

بَشَر في الحكم بين الناس:

كان محمد (صلى الله عليه وسلم) يحكم بين الناس، ويرجعون إليه فيما ينشأ بينهم من اختلاف وخصومة.ورغم منزلة محمد (صلى الله عليه وسلم) وأنه مُسَدَّد بالوحي من الله؛ إلا أنه يمارس أعمالاً بصفته البشرية، ومنها القضاء.إنه يلتزم في القضاء بأن يحكم بين الناس بكتاب الله، لكن الناس يعبِّرون عن دعاواهم أمام القاضي، وهم يختلفون في قُدرتهم على التعبير والدفاع عن حقوقهم، من هنا يبيِّن محمد (صلى الله عليه وسلم) للناس أنه بشر حتى وهو في ميدان القضاء.عن أم سلمة أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «إنكم تختصمون إليَّ، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيتُ له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطعه به قطعة من النار»([3]). وتبيِّن لنا إحدى روايات هذه القصة أن سبب هذه المقولة منه (صلى الله عليه وسلم) أنه سمع صوت خصمين بباب حُجْرته فخرج فقال لهما ذلك.لقد كان (صلى الله عليه وسلم) يسعى من ذلك إلى تربية الناس، وإصلاح الضمير والوازع الداخلي الذي يجعل الناسَ يحفظون حقوقَ غيرهم، ويبتعدون عن جعل القضاء وسيلةً لأن يأخذوا ما ليس لهم.إن القانون مهما بلغ من الإحكام والضبط يسهُل التحايل عليه، ويسهل استغلال الثغرات فيه، لكن حين ينمو الضمير والرقابة الداخلية ستزول كثير من مظاهر الاحتيال وصور السعي لأخذ حقوق الآخرين.حين سمع الرجلان مقالة محمد (صلى الله عليه وسلم) تركت أثرًا في نفسيهما، كما تروي لنا ذلك زوجته أم سلمة - رضي الله عنها - فتقول: فبكى الرجلان، وقال كل واحد منهما لصاحبه: حقي لك، فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) «أما إذا فعلتما ذلك فاقتسماه، وتوخيا الحق، ثم استَهِمَا ثم تحللا»([4]).

بشر في تعامله مع أمور الدنيا:

عاش محمد (صلى الله عليه وسلم) في مكة، وهي ليست أرض زرع ونخيل، ثم هاجر (صلى الله عليه وسلم) إلى المدينة التي كانت مشتهرة بالنخيل، فرآهم وهم يُصلِحون نخلهم، فقال مقولة باعتبار خبرته البشرية، فأخذ بها أصحابه رضوان الله عليهم؛ فكان هذا الموقف: عن طلحة بن عبيد الله (رضي الله عنه) قال: مررت مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في نخلٍ، فرأى قومًا يُلَقِّحُون؛ فقال: «ما يصنع هؤلاء؟». قالوا: يأخذون من الذَّكَر فيجعلونه في الأنثى. قال: «ما أظن ذلك يُغني شيئًا»، فبلغهم فتركوه فلم يَصْلُح. فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): «إنما هو ظنّ، فإن كان يُغني شيئًا فاصنعوه، فإنما أنا بشرٌ مثلكم، وإن الظن يخطئ ويصيب، ولكن ما قلت لكم عن الله عز وجل. فلن أكذب على الله» ([5]). إن محمدًا (صلى الله عليه وسلم) لم يأت للناس ليعلِّمهم كيف يزرعون، وكيف يديرون شؤون دنياهم؛ فهذا متروك لخبرتهم ومعرفتهم البشرية، ما داموا لم يرتكبوا شيئًا مما حرَّمه الله، ولم يقصِّروا فيما أوجب عليهم سبحانه، ومن هنا فما يقوله في أمور الدنيا المحضة ما لم يكن وحيًا؛ فهو اجتهاد بشري منه (صلى الله عليه وسلم)، يطلب منهم أن يتعاملوا معه على هذا الأساس، وأن يطبِّقوا المعايير البشرية في تقويم ما يصلح وما لا يصلح.

بشر في تعامله مع الناس:

كان (صلى الله عليه وسلم) يتعامل مع الناس ويخالطهم، ورغم ما أُوتِي من خُلُق حسن إلا أنه (صلى الله عليه وسلم) بشر يعترف أمامهم ببشريته، فلو آذى أحدًا منهم؛ فإن الله عز وجل يجعل مقابل ذلك جزاءً يلقاه من أصابَه الأذى في الدار الآخرة.يحدثنا عنه صاحبه أبو هريرة  (رضي الله عنه)أنه (صلى الله عليه وسلم) سأل ربه عز وجل لمن وقع منه تجاههم أذى بقوله:"فاجعلها له زكاةً وصلاةً وقُرْبَة تقرِّبه بها إليك يوم القيامة»([6]). وتحدِّثنا زوجته عائشة - رضي الله عنها- عن هذا الموقف فتقول: دخل على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) رجلان فكلَّماه بشيء لا أدري ما هو فأغضباه، فلعنهما وسبَّهما، فلما خرجا قلت: يا رسول الله! من أصاب من الخير شيئًا ما أصابه هذان؟ قال: «وما ذاك؟» قالت: قلتُ: لعنتَهما وسببتهما. قال: «أو ما علمتِ ما شارطتُ عليه ربي؟ قلت: اللهم إنما أنا بشر، فأي المسلمين لعنته أو سببته فاجعله له زكاةً وأجرًا»([7]). إن محمدًا (صلى الله عليه وسلم) وهو يتحدث بذلك عن نفسه يُعَلِّم أتباعه رعاية حقوق الآخرين، وخطورة ظلمهم وإيذائهم، وأن الإنسان لو أساء لغيره أو ظَلَمَه؛ فعليه أن يمحو هذه الإساءة.لئن كان محمد (صلى الله عليه وسلم) آتاه الله هذه الميزة والمنزلة، فغيره لم يؤتَ ذلك، حينها لا غِنَى لنا حين نسيء للآخرين عن أن نسعى لما يُزِيل التَّبِعَة عنا، بالاعتذار لهم، أو الاستغفار لهم،أو الإحسان إليهم بما يمحو أثر هذه الإساءة.

--------------------------------------------------------------------------------
([1]) أخرجه البخاري (400)، ومسلم (572).
([2]) أخرجه البخاري (275)، ومسلم (605).
([3]) أخرجه البخاري (6967)، ومسلم (1713).
([4]) أخرجه أبو داود (3583).
([5]) أخرجه مسلم (2361).
([6]) أخرجه مسلم (2601)، وأصله في البخاري (6361).
([7]) أخرجه مسلم (2600).