Get Adobe Flash player

رسالة اليوم من هدي الرسول

-          حنكته وسياسته:

سعى المشركون إلى مواجهة المسلمين المعتمرين عام الحديبية، وسعى النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى تجنيب الفريقين أسباب الصدام، وحرص المشركون على مكتسبات شكلية في الصلح، وحرص رسول الله على توطيد الأمن لتنتشر الدعوة، ونقض المشركون الصلح بعد ذلك، ففتح الله مكة للمسلمين بأقل قدر من المواجهة، وإن في ذلك لعبرة لا يدرك حقيقتها إلا من وفقه الله وعصمه.

كتاب الرحمة في حياة الرسول

إقرأ مقالا من أكبر كتاب في العالم

فضل المدينة وسكناها

ننصحك بقراءة هذا الإصدار

أضخم عمل عن الحرمين الشريفين

شاهد المدينة المنورة مباشرة

الرئيسية
رحمته  (صلى الله عليه وسلم)

كان محمد  (صلى الله عليه وسلم)  أرحم الناس بالناس، إن رحمته  (صلى الله عليه وسلم)  واسعة لجميع أصناف الناس،ولا سيما الشيوخ والضعاف وذوى الحاجات منهم وكان يوقرالشيوخ ويأمر بذلك كما روى ابن عباس رضي الله عنه  أنه قال"ليس منا من لم يرحم صغيرنا ولم يوقر كبيرنا[1]"

وفى رواية للترمذى عن أنس (رضي الله عنه) قال جاء شيخ يريد النبى  (صلى الله عليه وسلم)  فأبطا القوم أن يوسعو له فقال النبى  (صلى الله عليه وسلم)  فذكره[2].

وروى نحو ذلك عن عبدالله بن عمرو وأبى هريرة وأبى أمامة وعن عبادة بن الصامت (رضي الله عنه) . وانظر ما تقدم فى آخر فصل الرحمة بالصبيان.

وعن أنس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ما أكرم شاب شيخاً من أجل سنه إلا قيض الله له عند سنه من يكر مه[3]".

ولما كان فتح مكة - كما فى حديث أسماء – أتى أبوبكر بأبيه أبى قحافة يقوده. فلما رآه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: هلا تركت الشيخ فى بيته حتى أكون أنا آتيه؟ قال أبوبكر: يارسول الله هو أحق أن يمشى إليك من أن تمشى اليه أنت، قال: قالت: فأجلسه بين يديه، ثم مسح صدره، ثم قال له: "أسلم" فأسلم[4].

هذا الشيخ، والرسول (صلى الله عليه وسلم) كان يرى للضعفة ما لا يرى لغيرهم رحمة بهم وشفقة عليهم، من ذلك أنه رخص للضعفة فى ترك المبيت بمزدلفة:

فعن عائشة رضى الله عنها قالت نزلنا المزدلفة، فاستأذنت النبى (صلى الله عليه وسلم) سودة، أن تدفع قبل حطمة [5] الناس، وكانت امرأة بطيئة، فأذن لها فدفعت قبل حطمة الناس، وأقمنا حتى أصبحنا نحن، ثم دفعنا بدفعه، فلأن أكون استأذنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كما استأذنت سودة أحبّ إلى من مفروح[6] به [7].

وعن ابن عباس رضي الله عنها : أنا ممن قدّم النبي (صلى الله عليه وسلم) ليلة المزدلفة في ضعفة أهله [8].

وكان يوصى بالرفق بالضعيف: فعن جابررضي الله عنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) "ثلاث من كن فيه نشر الله عليه كنفه وأدخله الجنة: رفق بالضعيف والشفقة على الوالدين والإحسان إلى المملوك"[9].

وكان (صلى الله عليه وسلم) إذا رأى أحداً يتكبر على ضعيف زجره ووبخه, ونوه بشأن الضعيف شفقة عليه ورحمته به:

فعن مصعب بن سعد قال: رأى سعد أن له فضلاً على من دونه, فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم[10].

قال الطيبى: قوله أن له فضلاً أى شجاعةً وكرماً وسخاوةً فأجابه (صلى الله عليه وسلم) بأن تلك الشجاعة ببركة ضعفاء المسلمين، وتلك السخاوة أيضا ببركتهم، وأبرزه فى صورة الاستفهام، ليدل على مزيد التقرير والتوبيخ[11].

وقال المهلب: أراد (صلى الله عليه وسلم) بذلك حض سعد على التواضع ونفى الزهو على غيره وترك احتقار مسلم فى كل حالة[12].

وأما ذوو الحاجات, فقد وردت أحاديث كثيرة في نصرهم وإعانتهم والشفقة عليهم ورحمتهم - منها:

عن سعيد بن أبى بردة عن أبيه عن جده عن النبى (صلى الله عليه وسلم) قال "على كل مسلم صدقة فقالوا: يا نبى الله، فمن لم يجد؟ قال يعمل بيده، فينفع نفسه ويتصدق، قالوا: فإن لم يجد؟ قال: يُعين ذا الحاجة الملهوف. قالوا فإن لم يجد؟ قال: فليعمل بالمعروف وليمسك عن الشر، فإنها له صدقة[13]".

وعن عمروبن مرة أنه قال إنى سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: "ما من إمام يغلق بابه دون ذوى الحاجة والخلة[14] والمسكنة إلاّ أغلق الله أبواب السماء دون خلته وحاجته ومسكنته".[15]

ولم يتخذ (صلى الله عليه وسلم) بوّابين، كان بابه مفتوحاً لذوى الحاجات.[16]

ومن رحمته بذي الحاجة أنه كان يحض أصحابه على عونه "إذا رأيتم طالب حاجة فأرفدوه[17]"

وعن أبى موسى قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه فقال: "اشفعوا فلتوجروا, وليقض الله على لسان نبيه ماشاء"[18].

ومن رحمته بالضعيف والكبير وذى الحاجة أنه كان يخفف الصلاة التى هى أهم العبادات, من أجلهم، ويأمر بذلك ويغضب غضباً شديداً إذا خالف أحد ذلك. فهذا أبو مسعود الأنصارى يقول: جاء رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان، مما يطيل بنا، فما رأيت النبى (صلى الله عليه وسلم) غضب فى موعظة قط أشد مما غضب يومئذ، فقال: "يا أيها الناس إن منكم منفرين، فأيكم أمّ الناس فليوجز، فإن من ورائه الضعيف والكبير وذا الحاجة"[19].

والأحسن أن تسحضر هنا قصة عبد الله بن أم مكتوم وما كان من إكرام النبي (صلى الله عليه وسلم)له وحفاوته به,يعرِّفك مدى ماكان النبي (صلى الله عليه وسلم) يحمله من رقة ورأفة ورحمة بالعميان وأمثالهم من الضعاف .

كان ابن أم مكتوم رجلا أعمى , من فقراء المهاجرين , السابقين إلى الإسلام .

وكان (صلى الله عليه وسلم) في الفترة الأولى من بعثته كثيرالتصدي لسادات قريش, شديد الحرص على إسلامهم , فالتقى ذات يوم بأشراف من قريش. وفيما هو كذلك إذا أقبل عليه ابن أم مكتوم يستقرئه آية من كتاب الله , فأعرض الرسول الأكرم (صلى الله عليه وسلم)عنه وعبس في وجهه , وولى نحو أولئك النفر من قريش , وما ذلك إلا حرصًا على إسلامهم وأملاً في هدايتهم , ولكن الله عاتبه وأنزل في ذلك آيات عبس وتولى,أن جاءه الأعمى,وما يدريك لعله يزكى,أو يذكر فتنفعه الذكرى,أما من استغنى,فأنت له تصدى,وما عليك ألا يزكى,وأما من جاءك يسعى,وهو يخشى,فأنت عنه تلهى[20] .

انظر كيف يعاتب الله حبيبه (صلى الله عليه وسلم) , ويعلمه كيف يعامل الضعفاء , فكان (صلى الله عليه وسلم) يكرم منـزل ابن مكتوم إذا نزل,ويدني مجلسه إذا أقبل . واتخذه مؤذنًا مع بلال بن ابي رباح رضي الله عنه .

وقد بلغ من إكرام النبي (صلى الله عليه وسلم) لابن أم مكتوم أن استخلفه على المدينة عند غيابه عنها بضع عشرة مرّة,كانت إحداها يوم غادرها لفتح مكة[21]

--------------------------------------------------------------------------------

[1] مسند أحمد 1/257, وعبد بن حميد "المنتخب" رقم 586  والترمذى رقم 1921 من حديث ابن عباس , قال شعيب صحيح لغيره , وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وأنس وأبي هريرة , وأبي أمامة وعبادة بن الصامت , صححه الحاكم 4/178 حديث أبي هريرة ووافقه الذهبي . وصحح الترمذي حديث عبد الله بن عمرو رقم 1920 .

[2] الترمذى رقم 1919صححه الألباني .

[3] الترمذى 2022 قال الألباني ضعيف .

[4] سيرة ابن هشام 4/4746, والحاكم فى المستدرك 3/46 وقال صحيح على شرط مسلم , وسكت عنه الذهبي .

[5] حطمة , بفتح الحاء وسكون الطاء المهملين : الزحمة .

[6] مفروح به : أي ما يفرح به من كل شيئ .

[7] البخارى رقم 1681 واللفظ له, ومسلم رقم (1290)

[8] البخاري رقم 1678 , مسلم , رقم (1293)

[9] الترمذى رقم 2494, وقال حسن غريب , وقال الألباني موضوع. ولعله من أجل عبد الله بن إبراهيم الغفاري , نسبه ابن حبان إلى الوضع لكن روى له أبوداود والترمذي .

[10] البخارى رقم 2696

[11] شرح الطيبي لمشكاة المصابيح 9/376

[12] فتح البارى 6/109

[13] البخارى رقم 1445 واللفظ له, والنسائى رقم 2539

[14] الخلة, بفتح الخاء المعجمة : الحاجة والفقر .

[15] رواه الترمذى (3132) وصححه الألباني

[16] انظر البخارى رقم 1252 وصحيح مسلم (926), وسنن ابى داؤد رقم 3124

[17] الشمائل للترمذى 336 وإسناده ضعيف جدًا . ومعنى أرفدوه: أعينوه على طلبته

[18] البخارى رقم 1432, 6027. 6028,  7476 ومسلم رقم (2627) واللفظ له, وفى رواية البخارى: إذا جاءه السائل أو طلبت إليه حاجة. وفى أخرى له: إذا أتاه السائل أو طالب الحاجة.

[19] صحيح البخارى رقم 90, 702 وفى مواضع عديدة ومسلم رقم (466)

[20] سورة عبس: ١ - 10.

[21] راجع تفسير سورة عبس,وانظر الإصابة 4/600 /2006