Get Adobe Flash player

رسالة اليوم من هدي الرسول

-          حب المسلم لرسول الله صلى الله عليه وسلم عمل قلبي من أجل أعمال القلوب , وأمر وجداني يجده المسلم في قلبه , وعاطفة طيبة تجيش بها نفسه , وإن تفاوتت درجة الشعور بهذا الحب تبعا لقوة الإيمان أو ضعفه . (عبدالرؤوف عثمان)

كتاب الرحمة في حياة الرسول

إقرأ مقالا من أكبر كتاب في العالم

فضل المدينة وسكناها

ننصحك بقراءة هذا الإصدار

أضخم عمل عن الحرمين الشريفين

شاهد المدينة المنورة مباشرة

الرئيسية
m010.jpg

إن الحمد لله، نَحمَده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يَهده الله فلا مُضل له، ومَن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى وآله وأصحابه وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 أما بعدُ:

فيا أيها الإخوة المؤمنون، عظِّموا جناب نبيكم محمدٍ عليه الصلاة والسلام، وأحبوه من كل قلوبكم؛ فإن حبه عليه الصلاة والسلام من علائم الإيمان، ومما يُقرب من محبة الرحمن، فهو صلى الله عليه وسلم المحبوب عند ربه، المعظَّم جنابه الشريف، ولذلك فإنَّ الله سبحانه وتعالى حثَّ على حبه عليه الصلاة والسلام، وعلى أن يُصدَّقَ هذا الحب باتباعه واقتفاء أثره، صلوات ربي وسلامه عليه؛ قال الله جل شأنه: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾ [آل عمران: 31].

 ولذلك يؤكد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بوحي من ربه هذه القضية: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من ماله وولده والناس أجمعين)، ومن مقتضى الحب لهذا النبي الكريم أن تكون عارفًا بشأنه، قريبًا من سيرته، متبعًا لهديه، مكثرًا من مطالعة سيرته، عارفًا بشمائله وخلاله وصفاته عليه الصلاة والسلام.

 وفي هذه الدقائق نتوقف وإياكم عند واحدةٍ من صفات هذا النبي الكريم، واحدةٍ من الشمائل المحمدية والصفات الجليلة لهذا النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، وهي الحديث عن وجهه الشريف، وعن بشاشته صلى الله عليه وآله وسلم، هذا الخلق الذي امتنَّ الله به عليه، فقال عز من قائل: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾ [آل عمران: 159]، والمراد بالبشاشة وطلاقة الوجه ذلك السرور الذي يظهر على الوجه، بما يدل على ما في القلب من حب اللقاء والفرح بالمقابلة.

 نعم أيها الإخوة الكرام، هذا المسلك وهذا الخُلق نحتاج إلى أن نتأمله، وأن نتمثَّله في تعاملاتنا؛ ذلك أن الوجه وما يكون عليه صاحبُه هو عنوان ما يريده هذا الإنسان ممن أمامه، وعنوانٌ أيضًا على تقديره لمن أمامه، فقد تقابل الشخص عابس الوجه مكفهر المحيَّا، فتعلم انصرافه عنك وعدم حفاوته بك، بينما إذا كان طلق الوجه باشًّا عند لقائك، فإن هذا يعبِّر عما في قلبه من ودِّه وحبِّه، ومِن فرحه بهذا اللقاء، ولما كان الإنسان لا ينفك عن أن يكون مختلطًا بالآخرين مقابلًا لهم، فقد جاءت الشريعة حاثَّةً على أن تكون هذه اللقاءات بطلاقه الوجه وبشاشة المحيا؛ لأن الإنسان مجموعة انفعالات ومشاعر، فإنه إذا رأى مَن أمامه يوده ويبش في وجهه، كان ذلك أدعى إلى أن تتلاقى القلوب بعد أن بشت الوجوه، وهذه الطلاقة في الوجه لا تأتي تصنعًا أو نفاقًا لأحد ولو كان مبطلًا كما قد يفعل كثير من الناس، ولذلك ففي الغالب أنها تكون هذه الطلاقة في الوجه معبرة عن حقيقة حال الإنسان، ونبينا صلى الله عليه وآله وسلم كان يُرى البشر في مُحياه والطلاقة في وجهه واضحين للعيان، حينما يتلقى الصحابة رضي الله عنهم ويقابلهم، بأبي وأمي عليه الصلاة والسلام، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم على قدرٍ عظيم من المشاعر العالية والدقة في متابعة أحوال نبيهم عليه الصلاة والسلام، ولذلك كانوا يقرؤون المشاعر النفسية لهذا النبي الكريم من خلال رؤيتهم لوجهه الشريف، إذا حزن عرفوا ذلك في وجهه، إذا تكدَّر عرفوا ذلك في وجهه، إذا سُرَّ وفرح عرَفوا ذلك في وجهه، وإذا ما أردنا أن نتوقف عند صفات هذا الوجه الكريم، نسأل الله تعالى أن يكرمنا بلقائه ورؤيته، وارتباط الروح بالشرب من حوضه الشريف صلوات ربي وسلامه عليه.

 جاء في صحيح مسلم في وصف وجه رسولنا صلى الله عليه وسلم - أنه كان مشرق الوجه غير عابس ولا مُكشر، وهذا يبيِّنه ما ثبت عن الجُريري رحمه الله وهو من التابعين أنه سأل أبا الطفيل رضي الله عنه وأرضاه: أرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، كان أبيض مليح الوجه؛ رواه مسلم.

 وجاء عند مسلم أيضًا من حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه أن رجلًا قال له: أكان وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مثل السيف؟ قال: لا، مثل الشمس والقمر مستديرًا.

 

يعلق على هذا الوصف الدقيق الحافظ العلامة ابن حجر العسقلاني رحمه الله، فيقول: (من المتعارف عليه أن التشبيه بالشمس إنما يراد به غالبًا الإشراق، والتشبيه بالقمر إنما يراد به الملاحة دون غيرهما)، وأتى بقوله مستديرًا للإشارة أنه أراد بالتشبيه الصفتين معًا الحسن والاستدارة.

 وفي هذا يقول بعض العلماء أيضًا في صفات الوجه الشريف: لم يكن وجه النبي صلى الله عليه وسلم في غاية التدوير، بل كان فيه سهولة، وهي أحلى عند العرب، ذكر ذلك العلامة أبو عبيد رحمه الله تعالى.

 وتأملوا أيها الإخوة الكرام هذا الحرص عند الصحابة والتابعين في أن يعرفوا صفة الوجه الشريف، فالصحابي يغتبط يقول: نعم رأيت وجه رسول الله، ويا لهذه البشارة وهذا الشرف، والتابعون إذا لقوا الصحابة كانوا يبادرون: أرأيتم وجه رسول صلى الله عليه وسلم؟ وهذا يبيِّن ما ينبغي أن يكون عليه المسلم من الحرص على معرفة شمائل نبيه وصفاته عليه الصلاة والسلام، ومن أعرض عن هذا فهو يُخسِّر نفسه ويُفوِّتها شرفًا عظيمًا؛ لأن معرفة هذا النبي الكريم ومعرفة صفاته، ومعرفة هديه وسيرته وشرعه، توفيقٌ من رب العالمين لا يقدر بثروةٍ من ثروات الدنيا، وهذا من إعظام الله لنبيه عليه والصلاة والسلام وإجلاله له، وتكريمه لمن عرفه وقرب منه، وفي هذا السياق نجدُ أن أحد الصحابة وذلك قبل إسلامه يندهش لتلك الطلعة الآسرة للمعصوم صلى الله عليه وسلم، فإنه قدم إلى مكة وبدأ المشركون يحذِّرونه من أن يلقى هذا الرجل الصابئ بزعمهم - حاشاه - ويقولون بأنه سيتكلم وسيصيبك بالسحر، فاحذر منه، وقالوا له: إنك إن حضرت عنده ورأيته، فإنه من شأنه أنه يفرِّق بين المرء وزوجه، ما حمله على أن يسد أذنيه بالقطن؛ خشية أن يباغته هذا السحر الذي زعمه المشركون، وما هو إلا أن حضر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى صفحة وجهه الشريف، تغيَّر كل ما في نفسه، قال: رأيتُ وجه محمد، فعلمتُ أنه ليس بوجه كاذب، بأبي وأمي هو عليه الصلاة والسلام، وهذا ما يحملنا على أن ندرك تلك الدلالات التي أشار إليها أبو طالب بن عبدالمطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، حينما نظم أبياتًا غاية في الدقة والفصاحة والفخامة، يصف فيها هذا النبي الكريم، يصفه وهو لم يؤمن به ولا بنبوته، يصفه وهو الخبير به؛ لأنه عاش فترة صباه وفترة شبابه بين يديه، يعرف تلك البركات التي تحل بحضرة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، ولذلك أتى في لاميته الشهيرة على وصف وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:

وأبيض يُستسقى الغمامُ بوجهه  ثمال اليتامى عصمة للأرامل

 يقول: وجه محمد كلُّة بركة، كلُّه نظارة، كلُّه خير، كلُّه بشر، وجهٌ إذا توجهت به إلى السماء فطالع السحاب، أمطرت خيرًا وبشرًا وبرًّا عظيمًا، وجهٌ نبوي إذا توجَّه إلى السحاب حلَّت البركة والخيرات، وجهٌ أبيض إذا ما رأينا السحاب ولم يمطر، توجهنا به إلى هذا السحاب فأمطر، وذلك كما يشاهدُ أبو طالب في بركات هذا النبي الكريم، ولذلك استحضر أحد الصحابة هذا المعنى حينما جلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يستسقي على منبره الشريف بمسجده بالمدينة النبوية المنورة، يقول: فما إن استسقى والسماء صحو، حتى تكامل السحاب وتكاثر، فما نزل عن منبره الشريف إلا والغيث ينزل، ويقول: وكأني أرى المطر وهو يتقاطر من لحيته عليه الصلاة والسلام، فأذكر قول أبي طالب: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى: معينهم وناصرهم، عصمة للأرامل.

 وإذا ما أردنا أن نتوقف أيها الإخوة الكرام عند موضع التأسي في هذه القضية، فيقال: نعم إنَّ الحسن والجمال وما حولهما، أمرٌ لا اختيار للمرء فيه، حسن الوجه أو ما كان بضده، ليس للإنسان أن يختاره، فهذه خلقة ربه، ولكن من المتحقق يقينًا أن صفاء السريرة والنفس الطيبة تبعث إشراقها على الوجه، فتجعله مشرقًا مستنيرًا، ولذا فأنت واجد من الرجال والنساء من أوتي حسنًا في خلقته، لكنها مكسوة بظلمةٍ تُورث النفرة من صاحبها، وواجد أيضًا من الرجال والنساء مَن ليست خلقته بذاك الحسن، ولكن تجد من البهاء والإشراق على وجهه الذي انبعث بنور الإيمان والاستقامة على طاعة الرحمن؛ ﴿ وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ﴾ [النور: 40].

 نعم إن سلامة السريرة وما يكنُّه الإنسان من إيمان بربه، تبعث إشراقًا على الوجه، ولذلك كان من أعظم الناس حسنًا وبهاءً أولئك الذين يقومون الليل بين يدي ربهم جل وعلا، فإنهم أسروا هذا القيام بين يدي الملك العلام، فأورثهم نورًا في وجوههم، وهكذا عموم الطاعات - الوضوء والصلاة، وغيرهما مما يرضي الرحمن - فإن الله تعالى يجعل من آثارها إشراقًا لهذا الإنسان المتعبِّد لربه، يشاهده الناس ويجدونه ظاهرًا عليه، ولا يجدون تفسيرًا لذلك، ولكنها طاعة الرحمن؛ ألم يقول نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: (إن الله إذا أحب عبدًا نادى جبريل، فقال: إني أحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل وينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلانًا فأحِبُّوه، فيُحبه أهل السماء، ويجعل له القبول في الأرض).

 سبحان الله، القبول في الأرض يبعث الله في قلوب الناس قبولًا لهذا الإنسان، فإن من أرضى الله رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، وعلى الضد من ذلك؛ فإن ذلك الذي يسخط ربه ويقيم على معاصيه، ولا يبالي بأي ذنب اقتحم، فإنه يبلغ به الشأن أن تُجعلَ النفرة في قلوب الناس منه مهما كان عنده من مبررات إقبال الناس عليه، لكنهم ينصرفون عنه؛ لأن الله جل وعلا جعل في قلوب الناس نفرةً عنه وبعدًا؛ ﴿ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِم ﴾ [الحج: 18]، وفي هذا جاء الحديث الصحيح أيضًا تتمة الحديث المتقدم: (وإن الله إذا أبغض عبدًا نادى جبريل، فقال: يا جبريل، إني أبغض فلانًا فأبغضه، فيبغضه جبريل، وينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانًا فأبغضوه، فيبغضه أهل السماء، وتُجعل له البغضاء في الأرض)؛ ﴿ جَزَاءً وِفَاقًا ﴾ [النبأ: 26]، وهذه الأحوال هي من الأمور التي قد لا يشاهدها كثير من الناس ويمضون فيها، وهذه القضية من الأمور التي لا يدركها كثير من الناس، ولا يجدون لها تفسيرًا، ولكن تفسيرها بيدَي من بيده قلوب العباد، فتجده يجعل قلوب عباده مقبلة على أحد، ويصرفها عمن يشاء، ولا يظلم ربك أحدًا.

 ونعود إلى الجناب الشريف والمقام الكريم لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام، فقد كان من هديه أنه كان يستقبل الناس بوجه طلق وصدر رحب، حتى ليخيَّل لكل صحابي أنه أقرب الناس إليه، وأنه أحب الناس إليه، فقد وسع المصطفى صلى الله عليه وسلم ببشره الناس جميعًا، وفي هذا السياق يحدثنا جرير بن عبدالله البجلي رضي الله عنه، فيقول: لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتيته فقال: (يا جرير؛ لأي شيء جئت؟)، قال: جئت لأُسلم على يديك، قال: فألقى إليَّ النبي صلى الله عليه وسلم كساءه؛ يعني: قرَّب إليه كساءً ليجلس عليه؛ تَكرمة له وحفاوةً به، قال: ثم أقبل على أصحابه، وقال: (إذا جاءكم كريم قوم، فأكرموه)، وقال: وكان لا يراني بعد ذلك إلا تبسَّم في وجهي؛ رواه ابن ماجه وغيره، وهو حسن بشواهده.

 ويسجل لنا جرير بن عبدالله رضي الله عنه هذا الجانب من أدبه العالي عليه الصلاة والسلام، فيقول: (ما حجبني النبي صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسَّم في وجهي)؛ متفق عليه.

يقول النووي رحمه الله: فعل ذلك إكرامًا ولطفًا وبشاشة، ففيه استحباب هذا اللطف لمن يرد عليك ويقدم عندك، هذا هدي نبوي كريم.

 ويخبر عبدالله بن الحارث رضي الله عنه أن تلك البشاشة في وجوه الناس كانت هديًا مستمرًّا للمصطفى صلى الله عليه وسلم، فيقول: (ما رأيت أحدًا أكثر تبسمًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم)؛ رواه أحمد والترمذي، وصحَّحه الألباني في الشمائل.

 وقد أدرك الصحابة رضي الله عنهم هذا الهدي النبوي، وخبروه من تعامله عليه الصلاة والسلام خلال لقاءاتهم به، فكان ذلك توجيهًا عمليًّا لهم جميعًا وللأمة جمعاء، إضافة إلى مباسطته صلى الله عليه وسلم وممازحته للصحابة، ولذلك جاء في وصفه عليه الصلاة والسلام أنه كان مع أهل بيته بشوشًا مزوحًا، لا يَستقبلهم بجهامة الوجه أو عبوسه، ومَن تأمل في حياته البيتية وسيرته الأسرية صلى الله عليه وسلم، فإنه يعجب من تلك الشفافية والبشاشة التي كانت تعطِّر بيوته الشريفة، ولذلك سجِّل وأُثر عنه عليه الصلاة والسلام هذا التطبيق العملي مع كل من يحتفي به، وهذا يبيِّن ما ينبغي أن يكون عليه الإنسان في هذا المسلك الطيب في تعامله مع الناس؛ حتى يكون هذا الأمر هديًا وخلقًا يتمثَّله جميع أفراد المجتمع.

 بارَك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بهدي النبي الكريم، أقول ما سمعتم وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وصلى الله وسلم على عبد الله ورسوله نبينا محمد، صلوات ربي وسلامه عليه أبدًا دئمًا إلى يوم الدين.

 أما بعد:

أيها الإخوة المؤمنون، هذه واحدةٌ من شمائل نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، هذا وصف وجهه الشريف، وهذا وصف خلقه العظيم، وحثَّ أمته على ذلك، وأكد أنه ينبغي عند لقاء بعضهم ببعض أن تنطلق مشاعر الحب والود، وبشَّرهم بأنهم يحصلون من ذلك أجورًا عظيمة، وأكد عليهم ألا يحقروا هذا العمل؛ فإنه عمل محبوب عند الله جل وعلا.

 روى الإمام مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا تحقرنَّ من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق)، وجاء فيما رواه البخاري في الأدب المفرد عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وتبسُّمك في وجه أخيك صدقة).

 إن هذه البسمة التي تنطلق وترتسم على الوجوه، ينبغي أن تكون خلقًا ومسلكًا لكل الناس، وقد شهِدنا ولحظنا كما تقدم هديه عليه الصلاة والسلام وخلقه في مواجهة الناس ومقابلتهم، فأين المعبِّسون المكشِّرون في وجوه الناس عن هذا الهدي الكريم؟ أولئك الذين لا تعرف الابتسامة إلى وجوههم طريقًا، وليس للسماحة في نفوسهم مكان، ثقلت طباعهم وساءت عشرتهم، وضاق أفقهم وغلبتهم الحماقات، فانصرفت النفوس عنهم وكرِهت مجالستهم! ولذلك تجد هؤلاء يكثر منهم تقطيب الجبين، واكفهرار الوجه، وعبوس المحيا، ومهما تأملت أحوال كثير من الناس، فأنت واجد أن ثمت نفرة بينهم وبين البشاشة وطلاقة الوجه، وما ذلك إلا بسبب تخلُّفهم عن إدراك هذا الهدي والخلق النبوي العظيم، وتباعدهم عن تطبيقه، وإنه لمن العجيب حقًّا أن يذكر عدد من الأطباء المختصين أن الأبحاث والاختبارات العلمية، دلت على الترابط والتلازم بين بشاشة الوجه وطلاقته، وبين انشراح الصدر وسرور الخاطر، ودلت على الترابط أيضًا بين عبوس الوجه وتكشيره وتقطيب الجبين، وبين الخلل النفسي الذي يصيب هؤلاء، ولذلك كان حريًّا بالإنسان أن يكون مسعدًا لغيره بكلامه الطيب حين مقابلتهم، وبطلاقة الوجه وسرور الخاطر، وأن تنبعث في نفسه هذه المشاعر، مستحضرًا الأجور العظيمة التي يحصلها ببشاشته في وجوه الناس، وليدرك أن أعظم الخلق وأكملهم وأشرفهم وأعقلهم، كان هذا هو هديه، فليس من الرجولة ولا من الفهم، ولا من الحنكة أن يكون الإنسان مستغلقًا، ظانًّا أن ذلك من مقتضيات الشخصية الجادة، فيقطب جَبينه ويكشر في وجه مَن يلقاه، كلَّا فهذا دليل على عقدة نفسية تحل في نفس هذا الإنسان، ذلكم أنه ما فعل هذا إلا لتصورات في ذهنه، ظن أنه على مسلك صحيح فيها، وهو على الضد من ذلك.

 وبعد أيها الإخوة في الله، هذا هو هدي نبينا صلى الله عليه وسلم، وهذه طريقته، وهذه ثمرات هذا المسلك العظيم بما يورثه من حب بين الناس، وود بعضهم بعضًا، وأيضًا ما يورثه من حب هذا الإنسان في قلوب مَن يلقونه إذا كان على هذه الطريق من بشاشة الوجه وانطلاق المحيا، تكسو وجهه الانطلاقة المحبة لغيره، والابتسامة الدالة على الخير الذي يورثه هذا الإنسان، ودالة على الابتسامة التي تنبئ عما في قلب هذا الإنسان من حبه الخير للآخرين، جعلنا الله وإياكم على هذا المسلك القويم.

 ألا وصلوا وسلِّموا على خير خلق الله نبينا محمد، فقد أمر ربنا بهذا، فقال عز من قائل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].

 اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

اللهم ارض عن خلفائه الراشدين والأئمة المهديين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة والتابعين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذي سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غِلًّا للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأصلح أحوال المسلمين، وألِّف بين قلوبهم يا كريم.

اللهم مَن أراد الإسلام والمسلمين بسوء، فاشغله بنفسه، واجعل تدبيره تدميرًا عليه يا سميع الدعاء.

اللهم احفظ علينا في بلادنا الأمن والطمأنينة، وألِّف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، وأعِذْنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم مَن وَلِيَ من أمور المسلمين شيئًا، فأعِنْه على القيام به، ويسِّر له الخير على يديه، اللهم وفِّق ولي أمرنا لكل خير وبر، اللهم اجعله هاديًا مهديًّا، واجعله رحمة وخير على رعيته، وأيَّده بنائبه ونائب نائبه، اللهم وفِّقهم لكل خير، اللهم اجعلهم مفاتيحَ للخير، مغاليق للشر، وأَجْرِ على أيديهم ما فيه خير الناس، ودُلَّهم على كل بر يا رب العالمين. اللهم اغفر لنا ولوالدينا، وارحمهم كما ربَّوْنا صغارًا.

ربنا اغفر لنا وارحمنا، وأعِذنا من كل ما يُسخطك يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم فرِّج همَّ المهمومين، ونفِّس كرب المكروبين، واقضِ الدَّين عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم ثبِّت واحفظ جنودنا المرابطين في الحدود وعلى الثغور، اللهم أمِّنهم، اللهم سدد آراءهم ورميهم يا رب العالمين.

اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقِنا عذاب النار.

سبحان ربنا ربِّ العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

http://www.alukah.net/sharia/0/116613/#ixzz4uBJLE352