Get Adobe Flash player

رسالة اليوم من هدي الرسول

-          إن حسن معاملته عليه الصلاة والسلام للمخالفين الذين دخلوا معه في عهده،أو رضوا بأن يعيشوا تحت راية الإسلام من أوضح الشواهد على سماحة الدين الحنيف وبنائه على رعاية قاعدتي الحرية وتوطيد السلام؛ فراية الإسلام صالحة لأن تخفق على رؤوس أمم مختلفة في عقائدها، متفاوتة على مرافق حياتها (محمد الخضر حسين)

البحث

كتاب الرحمة في حياة الرسول

شاهد مكة المكرمة مباشرة

إقرأ مقالا من أكبر كتاب في العالم

إبحث عن محتويات الموقع

شاهد المدينة المنورة مباشرة

المسجد النبوي _ تصوير ثلاثي الأبعاد

Madina Mosque 3D view

الرئيسية
m025.jpg

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضل له، ومَن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 أمَّا بعدُ:

فيا أيها المؤمنون، إن المتأمل في توجيهات الإسلام وشرائعه، وما جاء به من الآداب العظيمة والأخلاق الكريمة، يَلحَظ سِمة بارزة في هذه التوجيهات والإرشادات؛ وهي أن يتربى أفراد المجتمع المسلم على أن يكون لديهم من الهِمم السامية والمقاصد الكريمة الشريفة، ما يكون صفة شاملة لعموم أفراد المجتمع، بحيث ينصرفون عن تُرَّهَّات الأمور وعن سفسافها وسفاسفها، ويكون التفاتهم إلى مكارمها، بحيث ألا يوجد بين أفراد المجتمع المسلم مَن تكون له توجهات لا تُثمر ولا تفيد شيئًا، لذلك نبهت نصوص القرآن والسنة على هذا المقصد العظيم، وتنوعت أساليب توجيه الناس إلى هذا المقصد والحرص عليه، فالمقصد الأعظم لكل مسلم أن يبلغ رضا الله جل وعلا، وأن يصل إلى جنة عرضها السموات والأرض، فكل ما يحقق هذا المطلب العظيم، فإنه مأمور به، محثوث عليه؛ قال الله جل وعلا: ﴿ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾ [الحديد: 21]، ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴾ [آل عمران: 133].

 ويُنبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن يبعد الإنسان عن الأمور التي لا تعنيه؛ لأن الذي يعنيه هو أمر سامٍ شريف، وكل ما يتصل به، وفي هذا روى الإمام الترمذي رحمه الله في جامعه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((مِن حُسن إسلام المرء تركه ما لا يَعنيه)).

 إن الإسلام يحث على مكارم الأخلاق، وعلى الاهتمام بشريف الأمور، ولن يبلغ الإنسان حسن الإسلام؛ لأن الإسلام في ذاته حسن، ويحتاج المرء إلى أن يتطابق مع توجيهاته وإرشاده، فمتى ارتقى العبد إلى هذه المنازل العالية الشريفة التي جاء بها دين الإسلام، كان قد حقق حسن الإسلام في ذاته.

 ويرشد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الحديث إلى أن من الناس من لا يبلغ هذه المنزلة، وهو حسن الإسلام في ذاته هو، إلا إذا انصرف وترك ما لا يعنيه، فالنبي صلى الله عليه وسلم يرشد إلى الطريق الذي يبلغ به العبد كمال دينه وحسن إسلامه، وصلاح عمله، فبيَّن أن مما يزيد إسلام المرء حسنًا أن يدع ما لا يعنيه ولا يفيده في أمر دنياه وفي أمر آخرته، وفي قوله عليه الصلاة والسلام هنا: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه))، توجيه للأمة بالاشتغال بما ينفعها في أمر دنياها وفي أمر دينها، وبما يقرِّبها من الرب جل وعلا، كما جاء في الحديث الآخر قوله عليه الصلاة والسلام: ((احرص على ما ينفعك)) في أمر دينك وفي أمر دنياك.

 وهذا من لازمه أيها الأخوة الكرام الحرص على استثمار الأوقات، واغتنام اللحظات بالخيرات، فإن الدنيا مزرعة الآخرة، وعمر الدنيا قصير، فهو كظل شجرة يوشك أن يذهب سريعًا؛ لذا فالإنسان العاقل الذي جعل الآخرة همَّه والجنة مأربه ومقصده، يغتنم كل أوقات هذه الحياة الدنيا بما يقرِّبه إلى الله جل وعلا، وبما ينفعه في هذه الحياة الدنيا، فهو عين منه على الجنة كيف يصل إليها؟ ليغتنم كل لحظة تقربه إلى ذلك، وقد أحسن الشاعر إذ قال:

اغتنم ركعتين في ظلمة الليل 

إذا كنت فارغًا مستريحَا 

وإذا ما هَممتَ بالخوض في الباطل 

فاجعل مكانه تسبيحَا 

 وأما العين الأخرى للمؤمن، فهو على هذه الحياة الدنيا؛ لأن الإسلام يأمر أتباعه بأن يعيشوا عيشة كريمة شريفة، يعمرون معها هذه الحياة الدنيا، فالإسلام لا يأمر بالقعود والخنوع، ولكن يأمر بعمارة هذه الحياة الدنيا على ما أراد الله جل وعلا، عمارتها في كل لحظة يعيشها الإنسان، ولكم أن تتأملوا أيها الأخوة الكرام ذلك التوجيه النبوي العظيم، حينما قال: إن قامت الساعة وفي يدك فسيلة، فإن استطعت أن تزرعها قبل أن تقوم فازرعها، أو كما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام.

 إنها التفاتة إلى أن تُعمَر هذه الحياة الدنيا بكل خير ونافع، ولا يتصور أبدًا في دين الإسلام الفصل بين الدين والدنيا، فمن فهِم ذلك فقد فهِم فهمًا خاطئًا، ولم يفقه نصوص القرآن والسنة؛ لأن عمارة هذه الحياة الدنيا جسر موصل إلى جنة ربنا جل وعلا.

 أيها الأخوة الكرام، إن اهتمام المرء وانشغاله بما فيه فائدته وبما فيه نفعه، له فوائد عظيمة على ذاته وعلى مجتمعه، فالمجتمع الذي لا يلتفت أهله وأفراده إلى ما ينفعهم ويصبحون بطَّالين، إنما هم في سفاسف الأمور التي لا تعمر ديارًا، ولا تُشيد كيانًا، مجتمع بائس، يوشك أن ينهار، وأن تدبَّ فيه مسببات فرقته والنخر في كِيانه، ولذلك يؤكد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن من مقتضيات حسن الإسلام ألا يلتفت الإنسان إلى ما لا يعنيه ولا يفيده في دنياه ولا في آخرته، ولذلك حينما يوجد أولئك البطالون الذين ينشغلون بما لا يعنيهم، وبما لا ينفعهم في آخرتهم ولا يعمر دنياهم، وتتوجه مقاصدهم إلى الاشتغال بالناس وإلى القيل والقال، وإلى المقارنة بين أحوال الناس وأحوالهم - فحينئذ يكون صرف الأوقات فيما لا ينفع ولا يفيد، ويكون حينئذ أيضًا وجود الخلل الواضح، ويبيت هذا المجتمع مجتمعًا مريضًا؛ ذلك أن انشغال المرء بنفسه وبما يعنيه، فيه حفظ للوقت، وفيه مسارعة للخير، فضلًا عما يورثه ذلك على مستوى المجتمع من حفظ الثروات وتنمية المكتسبات، وإشاعة روح الجدية والعمل، ولذلك تشير بعض الدراسات إلى أن كثيرًا من المؤسسات في شأن أحوال الموظفين فيها، حينما يقاس مدى إنتاجهم بالساعات التي يقضونها في مكاتبهم أو ميادين عملهم، يجدونها شيئًا قليلًا لا يقارن بهذه الأوقات، ولذا فإن المؤسسات الناجحة التي تراعي معايير الجودة، تنظر إلى الإنتاجية أكثر من نظرها إلى ما يمضي هذا العامل والموظف من ساعات في ميدان عمله.

 والمقصود أيها الأخوة الكرام في هذا الحديث حينما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مِن حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه))، يشمل أمورًا كثيرة؛ منها: أن يترك فضول النظر، وفضول الكلام، وفضول الاستماع، وفضول الاهتمامات، ويوجه إلى أن يكون نظره وسمعه وحديثه واهتمامه بما يعنيه، وبما يفيده هو ومَن حوله، ذلك أن التطلُّع لما في أيدي الناس، حينما يجيل الإنسان نظره، ويشغل المقارنة بينه وبين الآخرين، فإن هذا يؤدي به إلى أن يزرع في قلبه الحسد، وإلى أن يكون إنسانًا ساخطًا على مجتمعه وعلى من حوله؛ يقول الله جل وعلا: ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾ [طه: 131].

 قال الشيخ عبدالرحمن السعدي رحمه الله: أي: لا تمدنا عينيك معجبًا، ولا تكرر النظر مستحسنًا إلى أحوال الدنيا والممتعين بها من المآكل والمشارب اللذيذة والملابس الفاخرة، والبيوت المزخرفة والنساء المجملة، فإن ذلك كله زهرة الحياة الدنيا تبتهج به نفوس المغترين، وتأخذ إعجابًا بأبصار المعرضين، ويتمتع بها بقطع النظر عن الآخرة القوم الظالمون، ثم تذهب سريعًا، وتمضي جميعًا، وتقتل محبيها وعشَّاقها، فيندمون حينما لا تنفع الندامة.

 ثم تأمل هذا الوصف الذي جاء في الآية ﴿ لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ [الحجر: 88]، هذا الذي بلغ به الحال هذا المبلغ، بأنه ينظر إلى أحوال الآخرين، ويشغل نفسه بما هم فيه، كأنما خرجت عيناه من مُقلتيها، وهذا منظر يشير إلى البشاعة وإلى مخالفة ما ينبغي أن يكون الإنسان عليه في حاله الطبيعية، فالإنسان الذي يقارن لا يدرك ما عند هؤلاء ولا ما عنده؛ لأنه قد يكون بعض الناس أُعطِي مالاً، وابتُلِي بحرمان شيئًا آخر، وهكذا: ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ﴾ [القصص: 68].

 ثم أيضًا مما يقتضيه ترك الإنسان ما لا يعنيه، أن يترك فضول الكلام ولَهْوَ الحديث؛ لأن هذا يتعلق بجارحة خطيرة، وهي جارحة اللسان، ولذا جاء في بعض روايات هذا الحديث - كما عند الإمام أحمد في المسند -: ((إن من حسن إسلام المرء قلة الكلام فيما لا يعنيه))، ولذلك امتدح الله جل وعلا عباده المؤمنين فقال: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴾ [المؤمنون: 3]، فمن صان لسانه عن فضول القول، سلِم من انزلاقه فيما لا يحبه الله ولا يرضاه، وحمى منطقه من الغيبة والنميمة، ولذلك حث الشرع في مواطن كثيرة على لزوم الصمت، إلا إذا ترجَّح الخير في الكلام؛ كما قال الله تعالى: ﴿ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ﴾ [النساء: 114].

 بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بهدي النبي الكريم، أقول ما سمعتم وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وصلى الله وسلم على عبدالله ورسوله نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 أمَّا بعدُ:

فيا أيها الأخوة الكرام، إن هذا التوجيه النبوي السامي الشريف ليؤسس إلى قاعدة أخلاقية عظيمة متى نهجها أفراد المجتمع، أثمر ذلك خيرًا كثيرًا: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه))، وهذه القاعدة على نحو ما تقدمت الإشارة إلى بعض دلالتها، تعين المرء على أن يكون جادًّا في حياته، وألا يلتفت إلى الأمور التي لا يُحقق معها أهداف نجاحه في هذه الحياة الدنيا، وهذه القاعدة قاعدة تتصل بالاتجاهات الإنسانية والمحركات النفسية لدى كل أفراد المجتمع، بل لدى كل أفراد البشرية، فهي ليست مرتبطة بطبيعة دين الإنسان؛ لأنها حوافز ذاتية، ولكن المسلم يزداد معها فِقهًا ويقينًا؛ لأن نصوص القرآن والسنة دالَّة عليها.

 ومما يوضح أنها قاعدة عامة لكل البشر، أن الإنسان إذا تأمَّل في سِيَر الناجحين، والذين أثْرَوا ميادين الاكتشاف والمعرفة في كل مجالاتها، يجد أنهم أناس حققوا هذا التوجيه النبوي العظيم، تركوا ما لا يعنيهم، فلو أن الذين وفَّقهم الله بالمكتشفات المتعددة، مَن اكتشف وتوصَّل إلى أسرار هذا الكون، إلى سرِّ الذرة، وإلى اكتشاف الكهرباء، والهاتف والبنسلين، وغير ذلك في كل ميادين العلم والمعرفة، لو كان هؤلاء الذين اكتشفوا هذه الأمور - أو طوَّروها بعد ما اكتشفها مَن سبقهم - كانوا مهتمين بسفاسف الأمور، ولم يكونوا مهتمين بهذه الأمر، لِما وصلوا إلى ما وصلوا إليه، تجد في سيرهم أنهم أناس يحافظون على أوقاتهم، وضعوا هدفًا، فأفنوا حياتهم لتحقيقه في هذه الحياة الدنيا، والمؤمن يفني حياته مزيدًا لتحقيق هدفه في الحياة الآخرة، وهي رضا الله جل وعلا وجنته، والمقصود أن هذه القاعدة متفقة مع أحوال كل البشر حينما يتجهون إلى الاهتمام بما يعنيهم، بل ليس من المبالغة أن يقال: إن هذه القاعدة لتتفق مع طبيعة المخلوقات جميعًا، حتى من غير بني آدم، فلو أن البهائم والطير والوحش التي جُبِلت بطبيعتها على الحفاظ على حياتها - اهتمت بأمور لا تحقق هذا المقصد، فلم تسع لرزقها وإلى تحقيق مطعمها ومشربها، لهلكَت.

 والمقصود أيها الأخوة الكرام أن المتعين على المسلم أن يعيد برمجة نفسه وطبيعة علاقاته وتوجهاته واهتماماته، وأن يكون مهتمًّا بما يعنيه، والذي يعنيه هو النجاح، هو الفوز، هو الفلاح في الدنيا والآخرة، وما لم يَسْعَ إلى هذا، عاش على هامش الحياة؛ لأن كثيرًا من الخلق يأتون إلى هذه الحياة الدنيا وينصرفون، لم يُبقوا أثرًا، ولم يتركوا نفعًا لمن وراءهم، وإنما يخلد التاريخ ويذكر الناس مَن اهتموا بما يعنيهم، فأبقوا أثرًا كريمًا، وخلَّفوا خيرًا كثيرًا.

((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه))، وهذه القاعدة العظيمة تتأكد في زماننا اليوم مع كثرة الصوارف والمشغلات، وبخاصة مع ثورة المعلومات، وانتشار الأجهزة التي ينشغل بها الناس؛ في مجالسهم وفي أيديهم، وفي كل أحوالهم وأماكنهم، وبخاصة شبكات التواصل الاجتماعي، وما يحصل فيها من صرف كثير من الأوقات لمطالعة ما يقال، وما ينقل، وقد يكون الإنسان في بعض الأحوال مشاركًا في ذلك، برغم ما في أكثرها من أمور لا تقدِّم ولا تؤخر، إنما هي من قبيل القيل والقال الذي نُهِي عنه في الشرع المطهر، نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قيل وقال، ولذلك تجد أولئك الذين يجلسون مجلسًا، إنما فيه أقوال تنقل دون تثبُّت ودون توقُّف عند مدى نفعها، أو ذلك الشخص الذي يمضي أوقاتًا كثيرة في التنقل بين مواقع التواصل الاجتماعي، دون أن يختار ما ينفعه، إذا انتهى يومه وجد أنه خالي الوفاض صفر اليدين، لم يستفد ولم ينتفع.

 أما أولئك الذين يهتمون لأنفسهم ويحترمون ذواتهم، ولهم أهدافهم في الحياة - فهم يَضِنُّون بهذه الأوقات، ويبخلون بها أن يصرفوها في هذه الأمور الجانبية التي لا ينتفعون بها، ولذلك مما يرتكس به الإنسان - وبخاصة إذا كان صاحب تخصص - أن ينصرف إلى هذه الأمور الجانبية، ولا يهتم بتطوير نفسه، ولذا كانت هذه القاعدة النبوية العظيمة منهاجًا ينبغي أن يَحتذيَه ويسلكَه كلُّ مَن أراد وحرَص على النجاح، ثم أمر آخر في قوله عليه الصلاة والسلام: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه))، قد يُفهم لدى بعض الناس خطأً، وهو أن ينصرف عن كل شيء حتى عن الخير الذي ينبغي أن يتوجه إليه، وعن الشر الذي ينبغي أن ينهى عنه، فالمؤمن إيجابي في كل أحواله، لا يفهم مفاهيم خاطئة لنصوص واضحة؛ لأنه قد يحتج بهذا الحديث مَن يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو مَن يحتج بما يُطلق من مفهوم الحرية الشخصية، وأنه لا يتدخل في الآخرين، طالما أن هذا في نطاق حريتهم الشخصية، وهذا مفهوم يجب أن يجعل في ميزانه الصحيح وموضعه الحقيقي الذي يتفق مع العقل والفطرة، وقبل ذلك مع الشرع، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله على المنهاج الصحيح، هذا مما يعني الإنسان، وينبغي أن يقوم به؛ أي: يقوم بالأمر بالمعروف على النهج الذي جاءت به الشريعة، لا يتعدى ولا يظلم، ولا يصل إلى حق ليس مفوَّض له، فعلى سبيل المثال يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((من رأى منكم منكرًا فليغيِّره بيده))، هذا لمن فُوِّض فيه للسلطان أو مَن يَنوبه، ((فإن لم يستطع فبلسانه))، وهذا لكل أحد ما دام لا يلحق به ضرر، ((فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان))، وهذا واجب على كل أحد، ولذا قال عليه الصلاة والسلام كما في الرواية الأخرى: ((وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)).

 وبعد أيها الأخوة الكرام، فالمقصود أن هذا التوجيه النبوي ينبغي أن يكون حاضرًا في كل لحظاتنا: ((من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه))، فالحياة واحدة والأوقات لا تعوَّض، وما مضى لا يعود؛ فينبغي أن يهتم الإنسان بما ينفعه وبما يعنيه، وهو فوزه وفلاحه وتميُّزه ونجاحه في هذه الدنيا، وأعظم من ذلك في الآخرة في جنة عرضها السموات والأرض.

 ألا صلوا وسلموا على خير خلق نبينا محمد، فقد أمرنا الله بذلك، فقال عز من قائل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].

 اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

 اللهم وارضَ عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة والتابعين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

 اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقِنا عذاب النار.

 اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.

 اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان.

 اللهم كل مَن أراد بالإسلام سوءًا، فأشغله في نفسه، واجعل تدبيره تدميرًا عليه يا سميع الدعاء.

 اللهم اجعل بلدنا هذا آمنًا مطمئنًا وسائر بلاد المسلمين، وأعِذنا اللهم من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

 اللهم أصلِح ووفِّق ولاة أمورنا، اللهم وفِّقهم لما فيه خير العباد والبلاد.

 اللهم اجعلهم رحمة على رعاياهم يا رب العالمين.

 اللهم ولِّ على المسلمين خيارهم، واكْفهم شرارهم يا قوي يا عزيز.

 اللهم احفظ جندنا المرابطين المجاهدين في الجنوب وفي غيرها من الحدود.

 اللهم احفظهم، اللهم سدِّد رَمْيهم، اللهم وفِّقهم وثبِّت أقدامهم يا رب العالمين.

 اللهم عليك بأعدائنا وأعداء دينك يا قوي يا عزيز.

 اللهم أنزل عذابك ومَقتك، واكفنا شرور الحوثيين وأعوانهم يا رب العالمين.

 اللهم وفِّق إخواننا في اليمن، اللهم وفِّقهم للأمن والطمأنينة، واكفهم شر الأشرار يا قوي يا عزيز.

 اللهم واحقن دماء المسلمين في كل مكان، اللهم احقن دماء إخواننا في الشام وفي فلسطين، وفي ليبيا ومصر وفي العراق، وفي غيرها من البلاد يا رب العالمين.

 اللهم ارحم إخواننا المستضعفين في ميانمار، اللهم عجِّل بنجاتهم، اللهم انصرهم على البوذيين المعتدين يا قوي يا عزيز.

 اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، وأصلح أحوالنا وأحوالهم يا رب العالمين.

 اللهم اغفر لنا ولوالدينا وارحمهم كما ربَّوْنا صغارًا.

 اللهم بلِّغنا شهر رمضان، ووفِّقنا لما تحبه منا يا رحمن.

 اللهم وفِّقنا لكل خير، وأعِذنا من كل شر يا رب العالمين.

 سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

http://www.alukah.net/web/khalidshaya/0/88249/#ixzz4e2U4MdHT