Get Adobe Flash player

رسالة اليوم من هدي الرسول

-          النبي في القرآن:

قال تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، لفظ الآية يدل على العموم للمؤمنين وغيرهم، وهو قول ابن عباس واختاره ابن جرير، أما المؤمنون فقد تمت لهم الرحمة، وأما المنافقون فقد كان يعاملهم بناء على ظواهرهم معاملة المسلمين، وأما الكفار فلم يقبلوا الرحمة التامة، لكن عوفوا بسببه من عقوبات الأمم السابقة في الدنيا، وعاش المعاهدون منهم في كنف الإسلام مرحومين بأحكامه .

كتاب الرحمة في حياة الرسول

إقرأ مقالا من أكبر كتاب في العالم

فضل المدينة وسكناها

أضخم عمل عن الحرمين الشريفين

شاهد المدينة المنورة مباشرة

الرئيسية
(رحمته صلى الله عليه وسلم)

لا يمكن أن توصف حياة محمد بأحسن مما وصفها

الله بقوله "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"

كان محمد رحمة حقيقية وإني أصلي عليه بلهفة وشوق

 (جان ليك)*

 * من كتاب(الرسول صلى الله عليه وسلم  في عيون غريبة منصفه) للمسيني

1- رحمته بالكبير وصاحب الحاجة.

إنَّ (النفس الكبيرة) هي تلك التي تحتوي الجميع على اختلاف قدراتهم واهتماماتهم..

و (القلب الرحيم) هو الذي يجيد فقه مداراة الناس ومراعاة احتياجاتهم..

و (العقل الحصيف) هو الذي تتسم أنظمته وقوانينه بمراعاة قدرات الناس وإمكانياتهم..

و (الشخصية الجذابة) هي تلك التي تجمع القلوب حولها وتأتلف ولا تتنافر فتفترق..

* عن ابن مسعود الأنصاري قال:(جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم،فقال:يا رسول الله إني والله لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطيل بنا فيها فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم قط أشد غضباً في موعظة منه يومئذ ثم قال:(أيها الناس إن منكم منفرين،فأيكم ما صلى بالناس فليوجز فإن منكم الكبير والضعيف وذا الحاجة)..

(إنَّ منكم منفرين)وصف ينطبق على كل من يأخذه الحماس غير المنضبط فينطلق مندفعاً يطيح بكل من هم أمامه،ويتساقط خلفه كل من لم يستطع اللحاق به!!

(إنَّ منكم منفرين)وصف يتلاءم مع تنقص الدعاة بعضهم من شأن بعض بالطعن في النوايا،والغمز في المناهج،والتجريح في الشخصيات،وإعلانه في الصحف وعلى مواقع الإنترنت،معروضة للجميع يقرأها العالم والعامي!!

(إنَّ منكم منفرين)كتشديد بعض المتقدمين من طلبة العلم نحو طلابهم وأتباعهم تجاه التوسع (بالمعروف)في المباحات وأنواع الطيبات..

(إنَّ منكم منفرين)في الفرح بزلة الخصم وتتبع معائبه وتضخيم أخطائه..

(إنَّ منكم منفرين)تظهر جلياً في موقف الشماتة الذي يتخذه البعض تجاه من حلّت به نكبة من المخالفين في الجزئيات أو الفروع..

2- رحمته بالضعيف.

* ومما جاء في بعض الأخبار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى جليبيباً فقال:(هل بك حاجة؟)قال:أريد أن أنكح ولا ينكحني أحد ابنته،قال له:(اذهب إلى بيت كذا من الأنصار وبلغهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن تنكحوني ابنتكم)فذهب إليهم وأخبرهم بذلك فقالت الأم:أولو كان جُليبيب؟فسمعت بذلك الفتاة فقالت:لن أرد رجلاً زوجنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم).وفي أحد المعارك فقده رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:(من تفقدون منكم ؟)قال أحدهم:فلان وفلان من كبار الرجال فقال صلى الله عليه وسلم:(أين جليبيب؟)فوجده ميتاً بين سبعة من الكفار،فقال صلى الله عليه وسلم:(قتلهم فقتلوه)فحمله على ساعديه وقال:(جليبيب مني وأنا منه) وأمر بقبره فحفر ودفنه بيده/  أخرجه مسلم..

*عن أبي هريرة رضي الله عنه((أن أسود -رجلاً وامرأة- كان يَقمُّ المسجد،فمات،ولم يعلم النبي صلى الله عليه وسلم بموته،فذكره ذات يوم فقال:(ما فعل ذلك الإنسان؟)قالوا:مات يا رسول الله.قال:(أفلا آذنتموني؟)فقالو:إنه كذا وكذا-قال فحقروا شأنه،قال:(فدلوني على قبره)فأتى قبره فصلى عليه)..صحيح البخاري.

- إنَّ جليبيباً يمثل واقع شريحة عريضة من المجتمعات البشرية،لا تكابد الفقر فحسب بل وتعاني الأمرين من جرّاء النظرة الدونية نحوها و إغلاق كافة أبواب الرزق في وجهها سواء كان وظيفة أم زوجة أم نحوه..ولذا كان الحل الفوري متمثلاً في التطبيق العملي لدعوى الأخوة والمساواة والعدالة..

- إنَّ الخـلل في معـادلة الرحمة أن تجدها قاصرة على المصابين من ذوي اليـسار دون أهـل الإعـسار،وأن المـواسـاة تتوجـه صوب المشتهريـن دون المغمورين،ولا أدل على ذلك من مجالس العزاء وإعلانـات النـعي،وصفوف المصليـن ومتبـعي الجنائز شاهـدة على ما قلناه أما الضـعيـف والفقـير والـمرأة فـفي الغـالب

لا بواكي لهم*!!

 * (إن التعاطف مع أهل الشأن وذوي اليسار ليس مصدره حينئذ الشعور بالرحمة والإحسان،إنما هي رغبة في نيل حظوظ شخصية أو دفع حرج،أما الضعفاء فلا يعني بهم إلا من لا يريد سوى وجه الله عز وجل) الدويش

3- رحمته بالمريض.

*(لما مرضت رقية ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل خروج المسلمين إلى بدر فخلف النبي صلى الله عليه وسلم عثمان  في المدينة من أجلها وقال له:إن لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه) صحيح البخاري..

*(وقد أمر صلى الله عليه وسلم بضرب خيمة لسعد بن معاذ بالقرب من المسجد لما أصيب في أكحله ليتسنى له زيارته)..

- لم تك مشاعر نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم عابرة نحو المريض،وإلا لاشترك في ذلك مع أغلب الخلق.إذ مَنْ مِنّا من لا يذوب قلبه كمداً على مريض لم يكف لسانه عن الأنين والبكاء والتوجع؟ومَنْ مِنَّا من لا تهطل عيناه وهو يقف مذهولاً واجماً بالقرب من مريض يصارع الموت متشبثاً بقشة الحياة؟

ولكن عاطفة رسول الله صلى الله عليه وسلم الايجابية تجاه المريض هي التي جعلته متميزاً،فهو يزور المرضى،ويدعو لهم ويرقيهم كما أنه يكلف من يقوم بتمريضهم ورعايتهم،ويرتب لذلك أجراً وأجرة.

- إن القيام على شئون المريض ورعايته حق واجب على زوجه.

وهذا فيما يبدو لا يختلف فيه اثنان فيما لو كان المريض الرجل،أما إذا المريض هذه المرة هي المرأة فقد يختلف الناس بهذا الشأن ما بين مؤيد لخدمة الزوجة ومعارض.

وكم من الوحشة والألم سيعصفان بقلب تلك الزوجة التي لا تجد في حال ضعفها ومرضها إلا زوجاً تخلى فلم يقم برعايتها والعناية بأمرها.

4- رحمته بالأم.

* عن أنس بن مالك رضي الله عنه،أن النبي صلى الله عليه وسلم:(إني لأدخل في الصلاة،وأنا أريد إطالتها،فأسمع بكاء الصبي،فأتجوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه)البخاري/ الفتح 709/ مسلم 470

إذا عرفنا أن الصلاة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم هي قرة عينه وراحة باله يدخل فيها رسول الله عليه وسلم كما لو دخل داراً رحبة تغمر قلب صاحبها بالسعادة والرضا وروحه بالسكينة و الانشراح،يتمنى الإطالة ويرغب في الاستزادة ليمتع فؤاده ويطفيء شوقه ولكن ما تكاد تستغرقه تلك الأحاسيس الروحانية الدافئة ويحلق بعيداً في أجوائها،حتى يتراءى لمسمعه صوت بكاء صبي يرده من جديد للدنيا فيعجل بالخروج مع رغبته بالمكث رحمة بوجد أمه ومراعاة لأحاسيسها وليلقن أمته درساً من بعده (رفقاً بقلب الأم)..

5- رحمته بالولد.

*وقد جاء في حديث متفق عليه من رواية أبي هريرة رضي الله عنه يقول:(خرج النبي صلى الله عليه وسلم في طائفة النهار،لا يكلمني ولا أكلمه،حتى أتى سوق بني قينقاع،فجلس بفناء بيت فاطمة فقال:(أثم لُكع،أثم لُكع)فحبسته،فظنت أنها تلبسه سخاباً(قلادة من قرنفل)أو تغسله،فجاء يشتد حتى عانقه صلى الله عليه وسلم وقبله وقال:(اللهم أحبه وأحب من يحبه)

* لقد رأى الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يطيل السجود ويؤمهم حاملاً ابنة ابنته زينب،أمامة بنت أبي العاص بن الربيع(فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها) متفق عليه

* وفي واقعة أخرى أطال السجود فيها وقال:(إن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله)..

- لقد عبر الرسول صلى الله عليه وسلم عن حبه لأبناء أبنائه بأساليب عدة:-

1- تعمد زيــارتهم مع بعد المســافة وكثرة شواغــله

صلوات ربي وسلامه عليه..

2- تدليلهم بالاسم..

3- معانقتهم وحملهم والسماح لهم بارتحاله..

4- تقبيلهم..

5- التصريح بحبهم..

6- الدعاء لهم..

- لقد انصبغ أبناء الصحراء العربية بصبغة الجفاء والغلظة،وإن وجد فيهم رحيم قلب،رقيق الطبع،فإنه في الغالب لا يخرج عن المعتاد ولا يخرق المألوف وإلا لاتهم بما يناف الرجولة ويخرم المروءة..

إذاً صنيع رسول الله صلى الله عليه وسلم السابق في زيارته لحفيده،وفيما جاء من أنه صلى الله عليه وسلم كان يمشي إلى العوالي-(مسافة ثلاثة أميال عن المدينة)- ليزور ابنه إبراهيم ويقبله ويشمه ثم يعود وغيرها من الآثار المحفوظة،إنما يدل على أن نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم جاء بانتفاضة إنسانية وحِملة أخلاقية ضد تلك المعايير الخاطئة في التعاملات بين البشر..

- لقد كان رسول الله لا يتردد في التعبير عن مكنونات نفسه،مطلقاً لحواسه العنان في تصوير ذخائر قلبه سواء كانت ذلك بالقبلة أو بالمعانقة وبالضم..

ولم يكن جوابه صلى الله عليه وسلم على الأعرابي*ليناً بل يحمل من التأنيبُ والإنكار ما يبدو واضحاً حينما ربط (القُبلة) بالرحمة،ثم أنه توعد من كان هذا حاله بحرمانه من الرحمة

الربانية وعد-كما جاء في رواية أخرى- الامتناع عن التعبير عن المشاعر بالقُبلة أمارة على خلو القلب من نوازع الرحمة..

وقد قال أحمد شوقي(رحمه الله):-

أحبب الطفل وإن لم يك لك  إنما الطفل على الأرض ملكُ

هو لطـف الله لو تــعلمه   رحـم الله امـرءاً يـرحمهُ

وحديثُ ساعةُ الضيق مـعه   ملأ العـيش نعيماً وسـعهُ

وهذا كله قد يثير أكثر من تساؤل،هل للقبلة خصوصاً والتعبير عن مشاعر الرحمة عموماً سواء كان باللمسة الحانية أو العناق الدافيء أو التصريح أو الدعاء له الخ...هل لفقدانها آثارٌ سلبية في نفوس المتربين وهل حرمانهم منها يعد نذير خطر وفأل شئوم..

إذا كان قد ثبت أن اللمسة الحانية تساعد على نمو الخلايا العصبية ونشاطها وأن حرمان الطفل المبكر من ذلك يفضي إلى تقلص نمو الخلايا وتوقف نشاطها،إلا أننا نؤمن بالارتباط الوثيق بين الصحة النفسية وسلامة البدن كارتباط الروح بالجسد،وأن الحرمان النفسي لواحدٍ فقط من احتياجاتها كافٍ باعتلال الصحة البدنية..

- إنَّ عمر النظرة الجاهلية للمرأة قديم بقدم الخلق ممتد منذ الأزل خرجت من رحم الجهل بقيمة الحياة وتغذت بظلم الإنسان،ولم يك هناك من قوة قادرة على إحداث تغيير في تلك النظرة المجحفة للمرأة،ولذا كان لابد من جائزة كبرى تنتظر من أحسن لبناته وهي التشرف بصحبة المصطفى صلى الله عليه وسلم والدنو منه*وبمشاطرته ما ينتظره من نعيم الخلود.والأعجب من ذلك كله أن بناته هن اللواتي يكن له السد المنيع والحصن المتين من النار**

فهل بعد هذه الجائزة الكبرى يُرثى لحال أبي البنات أم يُسر له ويغبط؟

- لا زالت الفرحة بمقدم المولود الذكر تفوق الفرح بالأنثى،وينسحب ذلك على الأجيال التالية بالأنس بابن الابن

 والاستبشار بمولده وتقريبه وإكرامه،إن لم تضاعف الفرح بنسل الأنثى إلا أنها تزيد عليه قليلاً.

ولكن المتأمل في الأحاديث الآنفة يلحظ انتفاء تلك القسمة الضيزى في تعامله صلى الله عليه وسلم مع سائر أبنائه..

*قد لا تعمل بعض الأمهات بالرخصة النبوية من حيث حمل الصبي في حال الصلاة أو لا تسمح له بارتحالها أثناء السجود،أو

تعجل بالرفع فيسقط الصغير أرضاً فيزداد خوفاً وبكاءاً.

والسؤال هل أنتن أكثر خشية وتعظيماً وحضور قلب منه صلى الله عليه وسلم في صلاته؟

6- رحمته بالنساء من رعيته.

*عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت:((تزوجني الزبير وماله في الأرض من مالِ ولا مملوك ولا شي غير ناضح وغير فرسه،فكنت أعلف فرسه وأستقى الماء وأخرز غربه وأعجن،ولم أكن أحسن أخبز،وكان يخبز جارات لي من الأنصار،وكن نسوة صدق،وكنت أنقل النوى من أرض الزبير

–التي أقطعه رسول الله -على رأسي وهي منى على ثلثي فرسخ:فجئت يوماً والنوى على رأسي،فلقيت رسول الله  ومعه نفر من الأنصار، قد عانى،ثم قال:إخ إخ،ليحملني خلفه،فاستحييت أن أسير مع الرجال،وذكرت الزبير وغيرته-وكان أغير الناس-فعرف رسول الله  أني قد استحيت،فمضى،فجئت الزبير فقلت:لقيني رسول الله  وعلى رأسي النوى ومعه نفر من أصحابه،فأناخ لأركب،فاستحييت    منه و عرفت غيرتك،فقال:والل لحملك النوى أشد علي من ركوبك معه،قالت:حتى أرسل إلي أبو بكر بعد ذلك بخادم تكفيني سياسة الفرس فكأنما أعتقني)) صحيح البخاري ومسلم 319/320..

وفي رواية ((جاء النبي  سبي فأعطاها خادماً))..

الحديث يصور ثلاث نماذج إنسانية نادرة لمجتمع نبوي لا مثيل له.

النموذج الأول:- القائد الإنسان..

فرسول الرحمة  أبت عاطفته وامتنعت شهامته من أن يمشي راكباً وامرأة تمشي مترجلة وهي تحمل النوى ولمسافة بعيدة!

فها هو-بأبي هو وأمي- ينيخ لها راحلته،إما ليردفها النبي المعصوم  خلفه أو ليركبها وهو يركب شيئاً آخر،ثم بعد لا ينسى حاجتها ويرسل لها خادماً يعينها.

فأين هذا النموذج الإنسان ممن تجمدت عواطفه كما تعطلت جوارحه وهو يرى النساء يكابدن الشقاء ويتجرعن العذاب بحثاً عن لقمة العيش فلا هو ممن يوصي بهن ولا هو ممن ييسر لهن السبيل ويهيء لهن الطريق لبلوغ أعمالهن،فكم من امرأة  أسيء استغلالها لحاجتها.وكم من امرأة لقيت حتفها في طريقها لعملها إما لبعد الطريق ومشقته وإما لظلمه الغسق ووحشه الطريق!!

النموذج الثاني:-الزوجان المتحابان المتراحمان..

فهو نموذج الزوجة الرحمة بزوجها،فأسماء رضي الله عنها وإن كانت من بيت شريف،ومثلها يًخدم لا يُخدم إلا أن رحمتها بزوجها وتقديرها لحاجة الأمة إلى من يقوم بتكاليف الجهاد،حملتها على أن تتحمل من أنواع المشاق ما تسير به شئون بيتها.ثم أن مراعاتها لغيرة زوجها منعتها من أن تأتي بما يكرهه في حال غيابه،وهذا من دينها وكمال عقلها وتقديرها لحرمة الزوج..وقد يبدو هذا النموذج مستبعداً عند طراز من النساء أرهق كواهل أزواجهن بلا رحمة بتكاليف مادية لتغطية حاجيات مفتعله أحياناً،ومنهن من لا يعرن طباع أزواجهن اهتماماً في حال غيابهم عنهن،وكأن الحادي لهن هو الخوف من الزوج فحسب فإن أمنت العقوبة لغيابه أساءت مراعاة جانبه.

أما الزوج هنا فهو"الزبير بن العوام"رضي الله عنه فعلى الرغم من شدة غيرته إلا أنها غيرة متزنة معتدلة ولا أدل على ذلك من أمرين:-

الأول:-

تصريحه لزوجه"أسماء"رضي الله عنهم بأن ركوبها مع الرسول  خير وأحب إليه مما يحصل لها من مشقة وعنت لحملها النوى وسيرها لمسافات بعيدة،ورحمته هنا غلبت غيرته عليها..

والثاني:-

أن أسماء لم تخفي عنه ما حدث لها في حال غيابه إتقاءاً لردة فعله وخوفاً من إثارة غيرته هذه الغيرة المشروعة هي ما يفتقدها عدد من الأزواج فهو لا يعلم بأي اتجاه تسير مركبته ومن تسلل إليها سراً ومن خرج منها متخفياً،وعدد أخر من الأزواج حملتهم غيرتهم المفرطة على تصديق شكوكهم وإتباع ظنونهم ومن ثم الوقوع فيما لا يحمد عقباه..

النموذج الثالث:-

فهو مجتمع صدق شعاره ((التراحم والتعاون))فهاهن جارات أسماء رضي الله عنهن يخبزن لها لأنها لم تك تُحسن الخبز أما اليوم فالحديث عن علاقات الجوار الفاترة،حديث يثير الغربة في النفوس والقلق من العاقبة،وذلك من جراء ضعف المباديء الإنسانية والقيم الأخلاقية كالرحمة والنجدة والمواساة والتعاون على أسباب الخير..

7- رحمته بالفقراء.

* عن جرير بن عبد الله قال:(كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر النهار قال:فجاء قوم حفاة عراة مجتابي  النمار (خارقين  أوسطها مدخلين رؤوسهم فيها) متقلدي السيوف،عامتهم من مضر بل كلهم من مضر فتمعر وجه الرسول صلى الله عليه  لما رأى ما بهم من الفاقة،فدخل ثم خرج ثم أمر بلالاً فأذن وقام فصلى ثم خطب وقرأ الآية(اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله.....)فجاء رجل من الأنصار بِصُرّة كادت كفه تعجز عنها ثم تتابع الناس حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلهل، فقال : ـ من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء) رواه مسلم1017.

* قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لفاطمة يوماً:(لقد شقوت حتى أسلبت صدري،وقد جاء الله بسبي،فاذهبي فاستخدمي،فقالت:أنا والله لقد طحنت حتى محلت(تشققت وغلظت)يداي فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال:(ما جاء بك؟أي بنية؟) فقالت:جئت لأسلم عليك.وأستحيت أن تسأله،ورجعت.فأتاه جميعاً فذكر له علي حالهما فقال:(لا والله لا أعطيكما،وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم من الجوع لا أجد ما أنفق عليهم،ولكن أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم..)

فرجعا فأتاها وقد دخلا على قطيفتهما، إذا غطيا رؤوسهما بدت أقدامهما،و إذا غطيا أقدامهما انكشفت رؤوسهما،فثارا فقال:(مكانكما،ألا أخبركما بخير مما سألتماني) فقالا: بلى، فقال كلمات علمنيهن جبريل (تسبحان دبر كل صلاة عشراً، وتكبران عشراً، وإذا أويتما إلى فراشكما تسبحان ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين، وكبرا أربعاً وثلاثين)قال علي:(فو الله ما تركتهن منذ علمنيهن قال ابن الكواء:ولا ليلة صفين فقال:(قاتلكم يا أهل العراق،ولا ليلة صفين) أصله في البخاري ومسلم.

- إنَّ مفهوم الرحمة الحقيقي لا يتمثل في مجرد تحرك القلب وذرف الدموع،وإن كان ذلك محموداً إذ ينبيء عن قلب مازال ينبض بالحياة..وإنما حقيقة الرحمة هي تلك التي إذا تمكنت من الفؤاد دفعته إلى خطوات فعّالة لإنقاذ المستضعفين وتقديم سبل العون لهم..ويتمثل ذلك في الخطوات النبوية التالية:-

1- ظهور أثر الرحمة النبوية والتـفاعل الإنسـاني على وجهه وسائر ملامحه،وهذا ما يعبر عنه بلغة الجسد،ومـن فـوائدها:-

تنـم عن صـدق صاحبهـا وتـضيف للحـدث معانٍ زائـدة وزخمـاً عميقـاً.

2- دعوته المفتوحة للمسلمين كافة لإنقاذ المستضعفين بتوفير سبل احتياجاتهم،وذلك بتحريك الكوامن الإيمانية من الترغيب بما أعدة الله للمحسنين والترهيب من سوء المصير والتذكير بحقيقة الدنيا..

3- قبول صور الإنفاق بشتى أنواعه وأحجامه،كحل عملي فوري لمشكلة الفقر.

4- استحسان القدوة العملية كحل سريع لما قد يتربص بالنفس من قطاع الطرق كخوف الفقر والحاجة..

5 _ تشجيع المبادرة الايجابية بمكافأة صاحبها بنيل أجر كل من احتذى به، إذ ما أكثر محبي الخير و قد خبت هممهم لطول انتظارهم إما للخوف المواكب للخطوة الأولى،وإما للجهل بمجالات الخير . 6-(تغير حاله واستبشاره وسروره حين قضيت حاجتــهم)*

- لم تفلح الوساطة في أعلى مستوياتها في الحصول على خادم مقابل بيع السبي والانتفاع من ثمنهم،إذ رأت الرحمة النبوية أن تحصيل الطعام لأهل الصفة الذين تتلوى بطونهم من الجوع مقدم على الحصول على خادم لخاصته وأهله صلوات ربي وسلامه عليه.

- إنَّ حنانه الأبوي أبى عليه إلا مراجعة ابنته وزوجها رضي الله عنهم بشأن الخادم،وفي جلسة أبوية حميمة أسدى إليهما نصيحة نبوية بها أغناهم الله عز وجل به من فضله وأعانهم بقوته عن الحاجة لخادم..

- إن كان من النعم الربانية على العبد هدايته للتحلي بالطاعة فإن من أعظم المنن ثبات العبد عليها وعدم ذهوله عنها وإن اشتدت به الأزمات واد به الخطوب وحامت حوله الفتن.

إذ أن إدامة الطاعة ينم عن المناقب الآتية:-

1- اقتداء العبد بالهدي النبوي فقد كان عمله صلى الله عليه وسلم كما وصفته زوجه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها(ديمة)..

2- الثبات على الطاعة مؤشر ايجابي على ثبات إيمان صاحبها وقوة عزيمته..

3- إدامة الطاعة دليل على ما يتمتع به المؤمن من نقاوة قلب وسلامة فطرة،منذ الابتداء-إذ العبرة به-إلى حين الانتهاء.

4- إن بدر منه تخاذل أو تراجع بحكم بشريته فإن سرعة أوبته للحق ورجوعه للطاعة منقبة يحمِد عليها،ولذا سميت صلاة الضحى(صلاة الأوابين)*

- مراعاة قاعدة"تفاوت المصالح"**فالمصلة العامة مقدمة على الخاصة، ودفع الضر الحاصل من الهلاك جوعاً أولى من الضر الحاصل من مكابدة مشقة العمل.

هذا ما جاءت به الشريعة الغراء..

- حينما سقت الأحاديث السابقة لم آت بجديد،فقد شاع ذكرها في كتب الأحاديث والتراجم وتناقلتها الأخبار،وتواترت بها الروايات..ولكن أكثر ما يقلق هو أن تظل هذه الروايات وأمثالها ضمن الثقافة الإسلامية والحكمة الشائعة،تزين أحاديثنا،ونفاخر بها في خطبنا دون أن نتربى بمقتضاها في حياتنا،ونقتدي بها في شئوننا..وإن كان من المستغرب أن نطالب بحياة الكفاف وإن نعيش عيش الفقراء ولكن من الممكن أن نحيا بقلوب واعية تتألم لمصابهم وتتوجع لحالهم،ومن المتاح أن نجعل النهوض بالفقراء،وتوفير ضروراتهم وتعاهد رعايتهم من أولويات أهدافنا،بل وفوق أي اعتبار..

8 - رحمته بالطلبة.

* عن مالك بن الحويرث قال:(أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في نفر من قومي،فأقمنا عنده عشرين ليلة وكان رحيماً رقيقاً،

فلما رأى شوقنا إلى أهلينا،قال:(ارجعوا فكونوا فيهم،وعلموهم..)  متفق عليه

*قال مجاهد حدثني عبد الله بن سخبرة أبو معمر قال:(سمعت ابن مسعود يقول :(علمني رسول صلى الله عليه وسلم- وكفي بين كفيه-التشهد كما يعلمني السورة من القرآن..) صحيح البخاري

- إنَّ من الألويات في التربية والتعليم مراعاة الاحتياجات النفسية لدى المتربي،إذ أن القدرة على التعلم والاكتساب تضعف مع تعدد النوازع وكثرة الجواذب،فإيجاد التوازن في

 نفس المتلقي وتهيئة المناخ النفسي المناسب له من أنجح استراتيجيات التعلم..

- إنَّ حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه،يشير إلى مفهوم(الإجازة)فهي ضرورة ملحة،لإشباع الحاجات النفسية كالشوق والراحة والاستجمام..ولأخذ قسطٍ من الراحة البدنية تهيئهُ للعودة للممارسة أعماله أكثر نشاطاً وحماساً،ولكن لا تعني الإجازة القعود تماماً عن ممارسة أي نشاط أو تحصيل أي علم بدليل قوله صلى الله عليه وسلم(..وعلموهم..) ولا شك أن من أشرفها تعليم الجاهل ودعوة الغافل..

- إنَّ التـودد للطـالب والتـواضع له أثـناء تعـليمه من مدلـولات الـرحمة التـي تسـكن قـلب الـمعلم.وكلمـا قصـرت المسافة البدنية والعمرية بينهما،كلما كانت المودة بينهما أقوى والعلاقة أوثق والانتفاع أسرع.

- بالإضافة إلى منقبة الرحمة التي ترفع من شأن المعلم في نفوس طلابه فهناك عُدَّة الصبر عند تدريس العلم،كالصبر على الجاهل والغافل وضعيف التفكير وصغـير السن إلى حين يتــمكن

من الدرس ويتقن العلم*..

*(وفي موقف مع أحد المتعلمين رأى ذلك الرجل نموذج الرحمة العالي لدى نبي الرحمة فقال:اللهم ارحمني وارحم محمداً ولا ترحم على ذلك فقال:لقد تحجرت  واسعاً..الدويش

9- رحمته بمن فقد عائله.

* من حديث عبدالله بن جعفر رضي الله عنهما قال: لما جاء نعي جعفر،قال النبي صلى الله عليه وسلم:(اصنعوا لأهل جعفر طعاماً،فإنه قد جاءهم ما يشغلهم) فأمهل ثم أمهل آل جعفر ثلاثاً أن يأتيهم،ثم أتاهم فقال:(لا تبكوا على أخي بعد اليوم،ادعوا إلي بني أخي)،قال:فجيء بنا كأنا أفرخ،فقال:(ادعوا إليَّ الحلاق فجيء بالحلاق،فحلق رؤوسنا

ثم قال:(أما محمد فشبيه عمنا أبي طالب،وأما عبد الله فشبيه خلقي وخُلقي) ثم أخذ بيدي فأشالها(رفعها)،فقال:(اللهم أخلف جعفراً في أهله،وبارك لعبد الله في صفقة يمينه) قالها ثلاث مرات،قال:فجاءت أمنا تفرج له،فقال:(العيلة تخافين عليهم،وأنا وليهم في الدنيا والآخرة)*