Get Adobe Flash player

رسالة اليوم من هدي الرسول

-          حقيقة جهاده وأصحابه:

عن ابن عمر، أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير فقالا: إن الناس ضيعوا، وأنت ابن عمر وصاحب النبي صلى الله عليه وسلم، فما يمنعك أن تخرج؟ فقال: (يمنعني أن الله حرم دم أخي!) فقالا: ألم يقل الله: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة)؟ فقال: قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله ! رواه البخاري.

كتاب الرحمة في حياة الرسول

إقرأ مقالا من أكبر كتاب في العالم

فضل المدينة وسكناها

أضخم عمل عن الحرمين الشريفين

شاهد المدينة المنورة مباشرة

الرئيسية
محمد (صلى الله عليه وسلم) في الحرب

 

وقد بيَّن علماء الإسلام النهي عن قتل المجنون، والمريض والجريح، والأسير والسفيه والمغمى عليه، وطالِب الأمان، ومن لا يقوم دليل على أنه حمل سلاحًا وغيرهم كثير.

وبعد مئات السنين خلت من أية قيم أو أخلاق في الحروب جاءت الاتفاقية الدولية فوصلت إلى بعض تلك الأخلاقيات؛ فجاء في الاتفاقية الدولية في جنيف عام 1949م ما نصه: المــادة (3):

في حالة قيام نزاع مسلح ليس له طابع دولي في أراضي أحد الأطراف السامية المتعاقدة يلتزم كل طرف في النزاع بأن يطبق كحد أدنى الأحكام التالية:

الأشخاص الذين لا يشتركون مباشرة في الأعمال العدائية، بمن فيهم أفراد القوات المسلحة الذين ألقوا عنهم أسلحتهم، والأشخاص العاجزون عن القتل؛ بسبب المرض أو الجرح أو الاحتجاز، أو لأي سبب آخر؛ يُعامَلون في جميع الأحوال معاملة إنسانية، دون أيّ تمييز ضارّ يقوم على العنصر أو اللون، أو الدين أو المعتقَد، أو الجنس، أو المولد أو الثروة أو أيّ معيار مماثل آخر»([29]). وليتهم يطبقون ما كتبوه ووقَّعوا عليه!

2. عدم التمثيل بالقتلى:
نهى محمد (صلى الله عليه وسلم) عن التمثيل بالقتلى، فالنفس الإنسانية نفس مكرمة محترمة لذاتها؛ لأنها من آدم، وقد كرَّم الله آدم وذريته، فقال الله سبحانه:  (الإسراء: ٧٠).

    فيمكن لمحمد (صلى الله عليه وسلم) أن يختلف ويواجه و يقاتل من يستحق القتال، ولكنه أبدًا ما كان يهدر كرامة النفس الإنسانية.

 والتمثيل بالقتلى من أفعال التدني والانحطاط؛ لأن القتيل يكون قد انتهت قضيته وعداوته مع عدوه فلا خطر منه ولا ضرر، وأصبحت جثته محل احترام مهما كان خلافك معه.

ولكن النفوس الخبيثة تعبث بالقتلى فيتم قطع الرؤوس والتلاعب بها بدلاً من الكرة ومن الممكن أن يرقص السفلة على الجثث بعد موت أصحابها وهذا التمثيل شائع جدًّا في حروب الناس حتى تكاد لا تخلو أية حرب منه.

 وقد ذاق محمد (صلى الله عليه وسلم) من مرارة التمثيل بجثث أصحابه؛ فرأى بعينيه ذلك بعد الغزوة الثانية غزوة أحد التي قُتل فيها سبعون من خيرة صحابته، ومنهم عمه حمزة بن عبد المطلب، حيث وجد جثة عمه حمزة بعد انتهاء المعركة وقد عُبِثَ بها وشُوِّهت ومُثِّل بها.

هذا المشهد الذي رآه آلمه إيلامًا شديدًا، فجال بخاطره ليرد بالمثل في لحظة من شدة الألم، ولكن ربه خاطبه بهذا القول:  (النحل: 126)؛،   فأمره ربه أن إذا عاقبت وأحببت أن ترد الفعل فبالمثل فقط قصاصًا فيمن قام بالجريمة، وإن صبرت وسامحت وتجاوزت فهو خير لك، وعندها تجاوز محمد (صلى الله عليه وسلم) عن هذا الفعل حتى لمن قام بالجريمة، بل إن الذي قام بتلك الجريمة قد أسلم فيما بعد فقبل محمد إسلامه وأمَّنه على نفسه، وصار مسلمًا بين المسلمين، فأي قلب يتحمل تلك القيم إلا قلبًا رعاه ربه؟!

ولم يمثل محمد (صلى الله عليه وسلم) بإنسان أبدًا، ونهى أتباعه عن ذلك وشدَّد فقال        - كما في الحديث السابق عن بريدة بن الحصيب - : «اغزوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا»([30]).

3 . الوفاء بالعهد وعدم الخيانة:
لقد رفع محمد (صلى الله عليه وسلم) مبدأً رفيعًا كان دومًا ما ينادي به، وهو الوفاء بالعهود، وكان يعدّ ناكص العهد فيه صفة من صفات النفاق، فكان يقول: «ثلاث من كنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه صفة منهن كان به صفة من نفاق: إذا حدَّث كذب، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر» ([31]).

وعلَّمهم في الحروب أنه إذا عاهد المسلمون عهدًا وأمَّنوا قومًا إلى مدة معلومة؛ فيجب عليهم الوفاء بذلك العهد، والالتزام به مهما حدث، ولا يُتَّخَذ من هذا العهد وسيلة للخدعة والغدر، فكثيرًا ما يلجأ القادة في الحروب إلى خداع الطرف الآخر، وتأمينه أي: إيهامه بذلك حتى يطمئن، ويترك الاستعداد للحرب، ثم يهجمون عليه وهو غير مستعد فيُلْحِقُوا به الهزيمة الشديدة، ويعدون ذلك دهاًء حربياً، إن الإسلام قد سمَّاه غدرًا وليس في الإسلام غدر.

فإذا كان هناك صلح أو عهد فلا يمكن لمسلم مطلقًا أن ينقض هذا العهد، يقول الله تعالى: (التوبة: 4).

 أي: طالما هم ملتزمون بشروط العهد ولم يفعلوا أي شيء مخالف لما تم العهد عليه؛ فلا يجوز لكم أن تنقضوا ذلك العهد، حتى انقضاء المدة المتفق عليها، ويجب عليكم الوفاء، ونقض ذلك من الإثم المُحرَّم شرعًا على المسلم فيعاقب به من الله عز وجل.

ولكن إذا ظهرت بوادر نقض للعهد من عدوهم، ورأى المسلمون من أفعال عدوهم أنها لا تلتزم بالعهد؛ فيجوز في تلك الحالة أن يردوا إليهم عهدهم.

 ولكن بشرط أن يخبر القائد المسلم عدوه بأن أفعاله تسببت في نقض العهد، ولا بد أن يخبره بأن العهد المبرم غير سارٍ الآن، وأنهم قد رجعوا إلى حالة الحرب حتى يعلم أن المعاهدة قد أُلغيت.

ولا يجوز للقائد المسلم أن يلغي العهد بينه وبين نفسه، ويهاجم تلك الفئة؛ قال تعالى: (الأنفال: 58) ؛ ، حتى تتحقق العدالة، ويستعدوا للقتال فلا نظر إلى المكاسب الدنيوية على حساب المستوى الأخلاقي.

وهذه الحالة هي ما تسمى بحالة إعلان الحرب، أي: أنه لا يجوز بدء الحرب في هذه الحالة بغير إعلان بها، وقد سبق الإسلام بها الكثير من التشريعات، إلى درجة أنهم في اتفاقية عام 1949م حددوا هذا المبدأ بوصفه مبدأ عاماً في حقوق الإنسان في الحرب، وبالطبع لم يلتزم به أحد.

4. عدم الإفساد في الأرض:
يرى محمد (صلى الله عليه وسلم) أن الأرض لله سبحانه، وأنه يختار مَن يستخلفه فيها، وأن الإفساد في الأرض هو فعل الشيطان الذي لا يريد الخير أبدًا، وأن كل قلب نظيف يجب أن يستنكر الفساد فيها والإفساد، ويعين على الإصلاح والبنيان:

 قال الله سبحانه في القرآن:  (هود: ٨٨).

وقد يتمثل الإفساد في الأرض في قطع الأشجار والتحريق بالنار وهدم البيوت أو تخريب كل عامر لغير ضرورة حربية؛ كأن يستتر العدو بالأشجار أو يتترس في البيوت فيجوز حينئذ قطعه أو تخريبه؛ فعن علي بن أبي طالب t «كان نبي الله (صلى الله عليه وسلم)إذا بعث جيشًا من المسلمين إلى المشركين  قال: انطلقوا باسم الله - فذكر الحديث وفيه -: ولا تقتلوا وليدًا ولا طفلاً ولا امرأة ولا شيخًا كبيرًا، ولا تغورن عينًا، ولا تعقرن شجرة إلا شجرًا يمنعكم قتالاً أو يحجز بينكم وبين المشركين، ولا تمثلوا بآدمي ولا بهيمة، ولا تغدروا، ولا تغلوا»([32]).

وسبق نصيحة خليفته وصاحبه أبي بكر الصديق؛ إذ قال لقائد جيشه:

« إني موصيك بعشر : لاتقتلن امرأة ولا صبياً ولا كبيراً هرماً، ولا تقطعن  شجراً مثمراً، ولا تخربن عامراً، ولاتعقرن شاة ولابعيراً إلى لمأكلة، ولا تحرقن نخلاً ولاتغرقنه ، ولاتغلل ولاتجبن ».([33])

5. إعطاء الأمان لمن طلبه أثناء الحرب:
هناك جيوش لا تعرف إلا الاجتياح، ولا يقر لها قرار إلا بإفناء عدوهم عن آخرهم، وهي لا تتوقف مهما كثر القتلى واستسلم العدو.

 ولكن محمدًا (صلى الله عليه وسلم) كان يعطي الأمان لمن طلبه أثناء الحرب وبعدها، وقد أمره ربه بذلك؛ فقال سبحانه:  (التوبة: 6).

 وهذا الخُلق لم يكن موجودًا أبدًا لا في عصره، ولا في العصور التي تلته، حتى مؤتمر لاهاي 1899م حين تضمَّن نصًّا يناشد قادة الجيوش الحربية بقبول الأمان وإعطائه لمن طلبه.

6. قبول الانقطاع وتوقف الحرب إذا توقف العدو:
فالقتال في الإسلام وسيلة لا غاية في حد ذاته، فإذا أعلن العدو توقفه عن القتال واستسلامه أو انسحابه؛ عندئذ أمر المسلمون أن يتوقفوا عن القتال فيقول الله تعالى: (الأنفال: ٦١).

وعندئذ يجب احترام كل المحاربين من الخصوم، وعدم استباحة دمائهم، بل يُؤَمَّنُون على ديانتهم وعقائدهم، ولا تُنْتَهك أعراضهم، بل يحتفظون بأملاكهم ومساكنهم وجميع مالهم.

7. النهي عن النهب:
هناك فرق بين الغنيمة والنهب، فالغنيمة هي ما يُؤخذ من المقاتلين في الحرب من سلاح ومتاع، ولكن النهب هو سرقة المال والممتلكات من المدنيين غير المحاربين بعد الانتصار في المعارك ودخول المدن.

وقد نهى محمد (صلى الله عليه وسلم) عن النُّهْبَة، وشدَّد في ذلك؛ لأن النهب من السرقة المحرمة، وهي في الإسلام من كبائر الذنوب؛ فيحدثنا أحد الصحابة ويقول: «خرجنا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في سفر، فأصاب الناس حاجة شديدة وجهد، وأصابوا غنمًا فانتهبوها؛ فإن قدرونا لتغلي إذ جاء رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يمشي على قوسه، فأكفأ قدورنا بقوسه، ثم جعل يرمل اللحم بالتراب ثم قال: «إن النهبة ليست بأَحَلّ من الميتة» أو «إن الميتة ليست بأحل من النهبة»([34]).

وينهى محمد (صلى الله عليه وسلم) صحابته عن هذا الفعل مشددًا؛ فيقول أنس t: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «من انتهب فليس منا».([35])

ويقول عبد الله بن يزيد الأنصاري t: «نهى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن النُّهْبَة والمُثْلَة»([36]).

 

--------------------------------------------------------------------------------

([1]) أخرجه أبو داود (3004).

([2]) أخرجه أحمد (4386).

([3]) أخرجه أبو داود (3004).

 ([4])أخرجه البخاري (3950).

([5]) أخرجه البخاري (2734).

([6]) القانون الدولي الإنساني, دكتور سعيد جويلي, ص3.

([7]) من تفسير الإمام الطبري للآيات.

([8]) أخرجه البخاري (3124)، ومسلم (1747).

([9]) أخرجه أحمد (1349).

([10]) أخرجه مسلم (1776).

([11]) دراسة أعدها مركز الدراسات الاستراتيجية بلندن.

([12]) في عام 1970م قامت حرب بين دولتين؛ بسبب مباراة في التصفيات المؤهلة لكأس العالم، وكانتا هاتان الدولتين هما هندوراس والسلفادور، وراح ضحية هذه الحرب 10 آلاف قتيل، و20 ألف جريح.

([13]) أخرجه البخاري (3701)، ومسلم (2406).

([14]) الدر المنثور في التفسير بالمأثور.

([15]) ميثاق الأمم المتحدة ،الفصل السابع، مادة 51.

([16]) أخرجه الترمذي (1421)، والنسائي (4094).

([17]) أخرجه مسلم (140).

 ([18])أخرجه الحاكم في المستدرك ، وصححه الذهبي.

([19]) القرطبي: 5/180.

([20]) أخرجه البخاري (2444).

 ([21])فتح الباري: 5/118.

([22]) أخرجه البخاري (2445)، ومسلم (2066).

([23]) أخرجه البخاري (2946)، ومسلم (21).

([24]) أخرجه البخاري (123)، ومسلم (1904).

([25]) أخرجه مسلم (1905).

([26]) أخرجه ابن أبي شيبة ص 95، وصححه ابن حجر في هداية الرواة، وقال: حسن (4/60).

([27]) أخرجه أبو داود (2669)، وابن ماجه (2842).

([28]) أخرجه مسلم (1731).

([29]) من وثائق الأمم المتحدة، اتفاقية جنيف.

 ([30])أخرجه مسلم (1731).

([31]) أخرجه البخاري (33)، ومسلم (59).

([32])أخرجه البيهقي (9/91).

 ([33])أخرجه مالك في الموطأ (982).

 ([34])أخرجه أبو داود (2705).

([35]) أخرجه الترمذي (1601)، وأحمد (12014).

([36]) أخرجه البخاري (5516).