Get Adobe Flash player

رسالة اليوم من هدي الرسول

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء رجل الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:يارسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه؟ قال: نعم ، قال:فدين الله أحق أن يقضى. وفي رواية (صوم نذر). متفق عليه

كتاب الرحمة في حياة الرسول

إقرأ مقالا من أكبر كتاب في العالم

فضل المدينة وسكناها

أضخم عمل عن الحرمين الشريفين

شاهد المدينة المنورة مباشرة

الرئيسية
الأسرى

لا يجوز في الإسلام اتخاذ الأسرى من المقاتلين من غير المسلمين إذا كانت بينهم وبين المسلمين معاهدة؛ لأن المعاهدة أمان، والإسلام لا يعرف الغدر.

وإذا كان محمد (صلى الله عليه وسلم) قد رتَّب وأصَّل مجموعة من الآداب والأخلاقيات في الحروب فلا بد من تكملة تلك الآداب بحقوق الأسرى، بل هذه الحقوق أولى بالتنظيم وأوجب؛ لأنك في الحرب تقاتل من يقاتلك، فأنت نِدّ له وهو كذلك، ولكن الأسير الآن بين يديك وهو الطرف الأضعف، وآسره هو الطرف الأقوى، وفعله معه يدل على خُلُقه وعلى قيمه ومبادئه، فكان لا بد من وضع القواعد كي لا تكون معاملة الأسرى وفقًا للأهواء والأمزجة وطبائع الناس.

وقد وجدنا كثيرًا من الألم مما شاهدناه من صور معاملة الأسرى هذه الأيام، ولا شك أن القارئ لم يكد ينسى الصور التي صورت فضائح كثيرة في معاملة الأسرى، وكيفية التنكيل بهم وإهدار آدميتهم، والقضاء على كرامتهم وإذلالهم، رغم وجود تلك المعاهدة التي وقَّع عليها ممثلون لستين دولة، والخاصة بأسرى الحرب، ولكنها ظلت حبرًا على ورق فحسب، ورغم ادِّعاء من يفعلون ذلك بأنهم أكثر الناس حضارة ورُقيًّا ومحافظة على حقوق الإنسان!

1- حق العقيدة:
أول حقوق الإنسان وأكثرها أهمية بالنسبة له هو حقه في عدم التعرض له في دينه، ومن ثَمّ عدم إكراهه على الدخول في دين غير دينه.

 فربما وهو أسير مسلوب الحرية والإرادة يُكَره من بعضهم على اعتناق دين آخر وعقيدة أخرى.

ولقد أقيمت دراسات كثيرة، ودلت على وجود حالات كثيرة جدًّا لطمس معالم الأديان والمعتقدات في نفوس الأسرى، وخاصة ما يسمى بعمليات غسيل المخ، والتي تنتهي بالبعض من الأسرى إلى محاولة الانتحار، رغم أنهم كانوا يعتقدون يقينًا أن الانتحار محرم في شريعتهم التي يدينون بها قبل أسرهم؛ مما يدل على فظاعة ما يتعرضون له، ويدل أيضًا على عمليات غسيل المخ التي تعرضوا لها حتى أَنْستهم ثوابت دينهم.

أما القرآن فإنه يضرب مثالاً ربانيًّا عن معاملة الأسرى كما في قوله تعالى: ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭼ (الأنفال: 70) ، أي أنه يقول ترغيبًا للأسرى في الإسلام، وليس إجبارًا لهم على ترك دينهم، ويفتح لهم بابًا للتوبة والرجوع إلى الله سبحانه فيبشرهم بمغفرة الذنوب، وتوسعة الرزق في الدنيا.

وهذا ما حدث من محمد (صلى الله عليه وسلم) في قصة ثمامة بن أثال الحنفي حين وقع في الأسر، فأمر محمد (صلى الله عليه وسلم) أن يُجعل مكان حبسه في المسجد، ليرى تصرفات المسلمين مع بعضهم في دار عبادتهم، وكان يمر عليه ويقول: «ما عندك يا ثُمامة؟!» فيقول ثمامة: «عندي خير يا محمد!، إن تقتل تقتل ذا دم» أي: إن قتلتني فعندي من يطالب بدمي وبثأري، «وإن تُنْعِم تنعم على شاكر»، وإن أحسنت إليّ وأنعمت عليّ بالعفو ستجدني شاكرًا لصنيعك، «وإن شئت المال سَلْ منه ما شئت»، أي: إن أردت مالاً كي تعفو عني ندفع لك ما تريد»، فيتركه محمد (صلى الله عليه وسلم) ثلاث ليال، ثم يأمر بإطلاق سراحه بلا مال ولا فدية..!!

فيذهب ثمامة إلى مكان بعيد،حرًّا طليقاً، خارج المدينة، ثم يغتسل ويعود مسلمًا شاهدًا بالشهادتين.

فهو لم يشأ أن يُسلم في المدينة كي لا يعطي فرصة لأحد أن يقول: إنه أُجبر على الإسلام، ثم إذا به يقول بعدها: والله يا محمد! ما كان على وجه الأرض وجه أبغض إليّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إليّ، وما كان على ظهر الأرض دين أبغض علي من دينك فأصبح دينك أحب الدين كله إليّ، والله ما كان على وجه الأرض بلد أبغض إليّ من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إليّ»([1]).

وهو في النهاية يريد أن يعطينا معنى أنه ما أسلم مكرهًا ولا مراءاة، بل أسلم مختارًا، بدليل أنه خرج من المدينة، وتأكد أن أحدًا لا يلاحقه فأسلم ورجع.

وما حدث مع ثمامة حدث نفسه مع كثير ممن تعرضوا للأسر عند محمد (صلى الله عليه وسلم)، فقد دخل أغلبهم في الإسلام طائعين؛ لما رأوا من حسن معاملة الأسير التي لم يعرفها لا العرب ولا العجم قبل محمد (صلى الله عليه وسلم)، وذلك أن الأسرى في تلك الممالك كانوا يقتلون أو تفقأ أعينهم أو يُسلَخون، ويُطعَمون للكلاب.

2- حق الطعام والشراب:
الأسير محبوس عند آسره لا يمكنه العمل ولا السعي على القوت، ولهذا كان محمد (صلى الله عليه وسلم) يأمر أتباعه بحسن معاملتهم في الطعام والشراب، بل كان يحثهم على ذلك.

فيحبب القران إطعام الأسير، ويجعله من القربات الموصلة إلى رضا الله سبحانه؛ فيقول واصفًا حال الأبرار، وهم المستحقون لرحمة الله والمستأهلين دخول جنته: ﭽ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭼ (الإنسان: 5- 8) ، أي: أنه من جميل صفاتهم التي استحقوا بها دخول الجنة أنهم كانوا يُطعمون الأسير من طعامهم الذي يحبونه.

 ثم نبَّههم إلى أمر آخر أنهم لا يُطعمون الأسير طمعًا فيما يملكه ولا خوفًا من أحد، إنهم لا يفعلون ذلك إلا لوجه الله وابتغاء مرضاته:   ;     ;     ;     ;     ;     ;     ;     ;     ;     ;     ;     ;     ;  ﭽ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭼ والإمام الطبري المفسر ينقل عن سعيد بن جبير قوله: أما والله ما قالوه بألسنتهم، ولكن علمه الله من قلوبهم، فأثنى عليهم ليرغب في ذلك راغب».([2])

   وإذا كان الإسلام قد حرَّم حبس الطعام عن الحيوان المحبوس الأسير، فكيف بالإنسان؟! فيقول محمد (صلى الله عليه وسلم): «عُذِّبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت جوعًا، فدخلت فيها النار»([3]).

 فإذا كان هذا الحساب الدقيق والشديد على حبس هرة وعدم إطعامها؛ فإن حسابًا أشد على تجويع نفس إنسانية مكرمة عند الله سبحانه.

وكان أبو عزيز أخو مصعب بن عمير صاحب محمد (صلى الله عليه وسلم) أسيرًا عند المسلمين بعد غزوة بدر، فيحكي بنفسه عن تصرفات المسلمين معه وهو أسير عندهم؛ فيقول: «كنت في رهط من الأنصار حين أقبلوا بي من بدر، فكانوا إذا قدموا غذاءهم وعشاءهم خصوني بالخبز وأكلوا التمر لوصية رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إياهم بنا، ما تقع في يد رجل منهم كسرة من الخبز إلا نفحني بها، قال: فأستحي فأردها على أحدهم، فيردها عليّ ما يمسها»([4])، ومن المعروف أن الخبز عند أهل المدينة كان أفضل طعام؛ لأن أهل المدينة يزرعون التمر ويستوردون الخبز، فكانوا يخصون الأسير به تكرمًا وتفضلاً، ورغبة في الثواب.

3- حق الكسوة:
   للأسير على المسلمين حق الكسوة، طالما أنه تحت أيديهم  فيقول جابر t «لما كان يوم بدر أُتِي بأُسارى وأتي بالعباس، ولم يكن عليه ثوب، فنظر النبي t له قميصًا، فوجدوا قميص عبد الله بن أبي يقدر عليه فكساه النبي (صلى الله عليه وسلم) إياه»([5])، وكان العباس طويلاً جسيمًا ([6]) فاختار له محمد (صلى الله عليه وسلم) قميصًا لعبد الله بن أبي يناسبه في الطول والجسم، فمن حق الأسير اختيار كسوة تتناسب معه.

وكذلك من حق الأسير في كسوته أن تستر عورته، وتقيه حر الصيف وبرد الشتاء فالأمر ليس تعذيبًا للأسير، بل التكريم حتى يعود إلى أهله، هذا مع العلم الكامل أن هناك أفرادًا من المسلمين لم يكونوا يمتلكون يومها من الملابس إلا ما يغطي عورتهم فقط، فكانوا في حالة فقر شديد جدًّا.

4- حق المأوى:
لم تقم للأسرى مبانٍ في عهد محمد (صلى الله عليه وسلم) فلم يوجد لهم مكان مخصص، ولكن كان لهم مأوى مكرم يليق بهم، فقد كان لهم مكان من اثنين، وكلاهما مكرم عند المسلمين أيما تكريم؛ فإما في المسجد، وإما في بيوت الصحابة، وأي مكان أكرم على المرء منهما فقد كان ثمامة بن أثال في المسجد، كما ذكرنا سابقًا.

وكان (صلى الله عليه وسلم) يوزع الأسرى على الصحابة في بيوتهم، فكما يقول المؤرخ ابن كثير «إن الرسول (صلى الله عليه وسلم) فرَّق أسرى بدر على أصحابه»([7])، ويقول الحسن t: «كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يُؤتى بالأسير، فيدفعه إلى بعض المسلمين، فيقول: (أحسن إليه)؛ فيكون عنده اليومين والثلاثة، فيؤثره على نفسه»([8]).

5 - عدم التفريق بين الأسير وأهله:
ربما يُؤسَر الرجل وتؤسر معه زوجته، وربما تؤسر الأم ويؤسر معها أبناؤها؛ فإذا جمع عليهما العذاب بالأسر وفقد الحرية، وبعذاب التفرقة بين الأحبة كان هذا عذابًا مضاعفًا يأباه الإسلام؛ إنها الرحمة والشفقة التي يجب أن يُعامل بها الأسير في أسره، وقد شدَّد محمد (صلى الله عليه وسلم) النهي على ذلك؛ فقال: «من فرَّق بين والدة وولدها - يعني من السبي - فرَّق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة»([9]).

 وكان السبب في ذلك كما رواه الدارمي، قال: «إن أبا أيوب t كان في جيش ففُرِّق بين الصبيان وبين أمهاتهم من الأسرى، فرآهم يبكون، فجعل يرد الصبي إلى أمه، ويقول: إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «من فرق بين والدة وولدها فرَّق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة».

6- عدم التعذيب مطلقًا:
فللأسير في الإسلام حق ألا يتعرض له أحد بتعذيب بدني أو نفسي، أو ما شابه ذلك فلا يُسَبّ ولا يُهَان، ولا تُسَبّ معتقداته ومعبوداته، ولا تتعرض المرأة للضرر ولا الأذى البدني.

بل يجب أن يُؤَمَّن الأسير على كرامته وحياته، فلا يُمَسّ بسوء، وهل يتصور من الشرع الذي أمر بإطعام الأسير وجعلها قربة لله وأمر بكسوته - وربما في المسلمين من لا يملك تلك الكسوة - وأمر بتدبير المأوى له، وجعله في أشرف الأماكن؛ بعد ذلك هل يتصور أنه يأمر بتعذيبه وإهدار كرامته؟!

والإسلام لا يُجيز تعذيب الأسير حتى لو للحصول على معلومات منه؛ فقد سئل أحد أئمة المسلمين، وهو الإمام مالك: «أيعذب الأسير إن رُجيَ أن يَدُلّ على عورة العدو؟ قال: ما سمعت بذلك»([10]).

بل جعل محمد (صلى الله عليه وسلم) عدم الرد على الأسير نوعًا من الإهانة التي لم يكن ليفعلها؛ فقد أُسر رجلٌ، وفي الطريق ناداه الرجل ثلاث مرات، ورجع إليه محمد (صلى الله عليه وسلم) وأجابه، فيقول عمران بن حصين t: «كانت ثقيف حليف بني عقيل، فأسَرَت ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، وأسر أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) رجلاً من بني عقيل، وأصابوا معه العضباء، فأتى عليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو في الوثاق، قال: يا محمد! فأتاه، فقال: ما شأنك؟  فقال: بم أخذتني، وبم أخذت سابقة الحاج؟ فقال: «إعظامًا لذلك أخذتك بجريرة حلفائك ثقيف». ثم انصرف عنه، فناداه فقال يا محمد!،يا محمد!، وكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) رحيمًا رقيقًا فرجع إليه، فقال: «ما شأنك؟»، قال: إني مسلم.  قال: «لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح»، ثم انصرف فناداه، فقال: يا محمد! يا محمد! فأتاه فقال: ما شأنك؟ قال: إني جائع فأطعمني وظمآن فاسقني، قال: «هذه حاجتك» ففُدِي بالرجلين»([11]).

تعامل محمد مع أعدائه.. العفو والصفح والغفران
   من الصعب على أي إنسان أن يحارب غيره، ويحتفظ بالرقي الإنساني في آنٍ واحد، فتمُّيز أسلوب محمد (صلى الله عليه وسلم) أثناء الحروب بالإنسانية حتى في أحلك اللحظات، وأشدها في الحروب، لَيَدْعُو إلى التأمل والتفكر في تلك النفسية النظيفة الربانية:

ولنأخذ هذه الشهادة من المفكر والكاتب المؤرخ الهندي والوزير السابق نارا سيماراو: «إن محمدًا جعل الحرب إنسانية، وفي تاريخ البشرية لم يوجد رجل استطاع أن ينتصر في معاركه كلها التي تجاوزت فترة عشر سنين من الحرب، وجميع القتلى من أعدائه ما تجاوزوا 1180 على أقصى الروايات، فهذا أكبر دليل على أن محمداً (صلى الله عليه وسلم) كان رحيمًا».

وعلى الرغم من كثرة ما لاقى محمد (صلى الله عليه وسلم) من قريش من الأذى والمشقة إلا أنه صفح عنهم، وعن كل ما فعلوه، وكان كثيرًا ما يطلب منه من حوله أن يدعو على أعدائه فلم يكن يقبل؛ فيقول أبو هريرة: قِيلَ:             يا رسول الله ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، قال : « إِنِّي لم أبعث لعانا،وإنما بعثت رحمة »([12]).

فقد كان أحرص الناس على هدايتهم، وكان يتمنى الخير لهم في الدنيا والآخرة، وما يزال يرجو الخير منهم، ولم يفقد الأمل في هدايتهم، ويقول لنفسه: لعل الخير في أصلابهم في ذرياتهم.

وعند رجوعه من الطائف مهمومًا محزونًا، أبى أن يدعو عليهم، أو يسأل ربه أن يلحق بهم العذاب، ولكنه قال: بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئًا»([13]).

وكان له (صلى الله عليه وسلم) ابن عم اسمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وكان يهجوه بشعره، ولا يترك مكانًا يوجد فيها محمد (صلى الله عليه وسلم) إلا ويطارده فيه، فآذاه إيذاءً شديدًا، وجاء يوم الفتح وجاءه أبو سفيان، وطلب الإذن عليه، فقال: «لا حاجة لي به وقد هتك عرضي!».

وكان مع أبي سفيان ابن له، فقال: والله ليأذَن لي أو لآخذن بيد ابني هذا لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشًا وجوعًا؛ فلما بلغ ذلك محمدًا (صلى الله عليه وسلم) رَقَّ له وعفا عنه، فقبل منه فقام أبو سفيان وأنشد فيه شعرًا يمدحه ([14])، فكان بعد ذلك يحبه ويفضله ويكرمه، ويتذكر فيه عمه حمزة الذي استُشهد في أحد.

    ومن بين الذين عفا عنهم صفوان بن أمية بن خلف، الذي ظل على عداوته لمحمد (صلى الله عليه وسلم) وما ادخر وُسْعًا في محاربته، بل سعى يومًا في اغتياله،  وأيضًا عفا عنه وصفح كما يقول المؤرخ ابن هشام: «وهذا صفوان بن أمية العدو ابن العدو يفر إلى جدة ليبحر إلى اليمن، فيأتي عمير بن وهب لرسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فيقول: يا نبي الله! إن صفوان بن أمية سيد قومه قد خرج هاربًا منك ليقذف نفسه في البحر فأَمِّنْه، قال: هو آمن، قال: يا رسول الله! فأعطني آية يعرف بها أمنك، فأعطاه الرسول عمامته التي دخل فيها مكة، فخرج بها عمير حتى أدركه، وهو يريد أن يركب البحر، فقال: يا صفوان! فداك أبي وأمي! الله الله في نفسك أن تهلكها! فهذا أمان رسول الله قد جئتك به، قال: إني أخافه على نفسي، قال: هو أحلم من ذاك وأكرم، فرجع معه حتى قدم به على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال صفوان: إن هذا يزعم أنك قد أمنتني؟ قال: صدق، قال: فاجعلني فيه بالخيار شهرين، قال: أنت بالخيار أربعة أشهر».

 ومثله كذلك عكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، ومن جمعوا من الناس الذين أبوا إلا قتالاً يوم فتح مكة، فهُزموا وفرّوا، ثم استأمنوا فأُمِّنُوا، بل عُفي عنهم، بل أُعطوا من غنائم هوازن تأليفًا لقلوبهم([15]).

ويوم دخل مكة منتصرًا وهو موقف من أشد المواقف صعوبة على النفس، فقد تمر النفس باختبارات عديدة وتثبت فيها، ولكن موقف القوة والعزة والانتصار هو أصعب المواقف حيث يخضع له من كان يؤذيه على مر الأيام، وبإمكانه اليوم الانتقام ولا يترفع عن شهوات نفسه في تلك اللحظة إلا كل ذي نفس كبيرة معطاءة، لا تعرف الحقد              ولا الكبرياء، فإذا به يدخل مكة، ويعلن أن: « من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه داره فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن . فتقرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد».([16])

ثم يعفو محمد (صلى الله عليه وسلم) عن وَحْشِيّ قاتل عمه وحبيبه حمزة يوم أحد والممّثل بجثته، ومن مثَّل بهم، إنه يعفو عن رجل لا مال له ولا قبيلة ولا عشيرة، وهو صاحب الفعلة التي لم تتكرر أبدًا في حياته حين رأى عمه ممثلاً به، ولكنه عفا عنه (صلى الله عليه وسلم) أيضًا!

بل إنه قد احترم موتى أعدائه، فقد فر الجيش المكي مهزومًا في بدر، فما كان من محمد (صلى الله عليه وسلم) إلا أن يجمع أصحابه على تعبهم والضعف الذي هم فيه، ويقومون بدفن الموتى من المعسكر الآخر؛ لأن النفس الإنسانية - كما تبين لنا مرارًا من تعاملاته (صلى الله عليه وسلم) - لها حرمة وتشريف؛ لكونها نفسًا إنسانية، فقام ودفنهم جميعًا في بئر ماء مهجور من آبار بدر،وكذلك في غزوة الأحزاب حاول أحد فرسان المشركين وهو نوفل بن عبد الله اقتحام الخندق فقتل، فطلب أهل مكة جثته فأمر أصحابه أن يعطوهم إياها.

وأيضًا وفي غزوة الأحزاب نفسها حاول المحاولة نفسها عمرو بن ود العامري، ولقي المصير نفسه وطلبته قريش فأعطاهم إياه بلا قيد ولا شرط ولا ثمن.

 

--------------------------------------------------------------------------------

 ([1])القصة بتمامها في البخاري (4372)، ومسلم (1764).

([2]) تفسير الطبري: (29/210).

([3]) أخرجه البخاري (2365)، ومسلم (2242).

([4]) تاريخ الطبري (2/39).

([5]) أخرجه البخاري (3008).

([6]) كما قال الحافظ في الفتح.

 ([7])البداية والنهاية (5/191).

 ([8])صفوة التفاسير للصابوني: (3/493).

 ([9])أخرجه الترمذي (1283)، وأحمد (22988).

 ([10])التاج والإكليل (3/353).

([11]) أخرجه مسلم (1641).

([12]) أخرجه مسلم (2599).

([13]) أخرجه البخاري (3231)، ومسلم (1795).

([14]) الألباني في فقه السيرة، وقال: حديث حسن (376).

([15]) سيرة ابن هشام ج3.

([16]) أخرجه أبو داود (3022).