Get Adobe Flash player

رسالة اليوم من هدي الرسول

إن المحـب الصادق للرسول صلى الله عليه وسلم يهمه إتباع أوامره والعمل بسنته والحكم بشريعته والإكثار من الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم

كتاب الرحمة في حياة الرسول

إقرأ مقالا من أكبر كتاب في العالم

فضل المدينة وسكناها

أضخم عمل عن الحرمين الشريفين

شاهد المدينة المنورة مباشرة

الرئيسية
التغيير الديني

خلق الله الناس موحدين لا يشركون به شيئًا، وظلوا يعبدونه الله قرونًا طويلة، فلما طال عليهم الأمد وتفرقوا في البلاد؛ نسوا عهده ، وضلوا عن صراطه المستقيم، وعبدوا من دونه آلهة أخرى، فأرسل إليهم الرسل يذكرونهم به ويدلونهم على صراطه المستقيم، فكان كلما ابتعدت أمة عن النهج السوي أرسل إليهم نبيًّا آخر إلى أن خُتِمَت الرسالات بمحمد (صلى الله عليه وسلم) وبرسالته الخاتمة الإسلام.

ودعونا نلقي نظرة على أحوال العالم قبل مجيء محمد (صلى الله عليه وسلم) من الناحية العقائدية والدينية؛ لنعرف أثر التغيير الذي أحدثه وجود محمد (صلى الله عليه وسلم) في الكون من تلك الناحية.

نظرة عامة:
رُكِّب في الإنسان نداء فطري يشده دائمًا إلى معبود يلجأ إليه عند الشدة ويتقرب إليه بالعبادة.

هذا النداء الفطري لم يخلُ منه أحد منذ آدم - عليه السلام - إلى يومنا هذا، وإلى قيام الساعة، والذي يدل دلالة واضحة على معرفة أساسية بالله في داخل النفس البشرية أنه سبحانه هو الذي أحياها ويميتها ويرزقها.

وقد أخبرنا محمد (صلى الله عليه وسلم) عن سر هذا النداء الفطري المرتكز في داخل كلٍّ منا، فبَيَّنه ربه في القرآن: (الأعراف: 172). فهذا هو النداء الفطري والذي يوضحه محمد (صلى الله عليه وسلم) في أحاديثه، فيقول عياض بن حمار المجاشعي t: إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال ذات يوم في خطبته: «ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا؛ كل مال نحلته عبدًا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا»([1]).

فالأصل في العباد التوحيد وعدم الشرك، وتلك هي الفطرة التي فُطر الناس عليها، فعن أبي هريرة t قال: قال النبي (صلى الله عليه وسلم): «كل مولود يولد على الفطرة؛ فأبواه يهودانه أو ينصراه أو يمجسانه»([2])،ثم يقرأ أبو هريرة t هذه الآية: (الروم: 30).>

ويظل الإنسان باحثًا ساعيًا حول هذا النداء، حتى وإن لم يهتدِ إليه طول حياته، فالعبادة من أساسات حياته «ولهذا ففي حفريات المدن القديمة وجدت مُدن بلا مدارس، ومدن بلا حصون، ومدن بلا أسوار، ولم توجد مدينة في العالم إطلاقًا بلا معابد»([3]).

فالعبادة جزء مركوز في النفوس، ولا يمكن أن يستغني الإنسان في لحظة من اللحظات عن فكرة وجود خالق له يتوجه إليه بالعبادة.

وما انتشار السحر والدجل والكهانة في تلك المجتمعات إلا أثر من آثار الخوف من السلطة القاهرة القادرة، التي تتمثل في ضمير كل منهم بالإله، فيحتاج إلى ساحر أو كهان أو دجال، لكي يطمئن الشخص بأنه في أمان من غضب القوة القاهرة عليه.

  واختلفت الأهواء والضلالات؛ فعَبَدَ الناس كل الموجودات في هذا الكون، فعُبِدَت الشمس والقمر وسائر الكواكب، وعُبدَت الحيوانات بأشكالها، وعُبدَت الأشجار والأحجار والثمار، وعُبدَ الأشخاص الصالحون وغيرهم، وعُبِدَ الملوك وعدّوهم سلالة إلهية.

ومن الناس من عدَّد آلهته في وقت واحد، ومنهم من وحَّد الإله في صورة واحدة؛ فيقول وول ديورانت عن عدد الآله التي عُبدَت في إقليم مثل الهند فقط :«لكنا لم نذكر إلا خمسة من ثلاثين مليونًا من الآلهة تزدحم بها مقبرة العظماء في الهند، ولو أحصينا أسماء هاتيك الآلهة لاقتضى ذلك مائة مجلد، وبعضها أقرب في طبيعته إلى الملائكة، وبعضها هو ما قد نسميه نحن بالشياطين، وطائفة منها أجرام سماوية مثل الشمس، وطائفة منها تمائم مثل ( لاكشمي ) - آلهة الحظ الحسن -، وكثير منها هي حيوانات الحقل أو طيور السماء؛ فالهندي لا يرى فارقًا بعيدًا بين الحيوان والإنسان، فالحيوان روح كما للإنسان، والأرواح تمضي دومًا متنقلة من بني الإنسان إلى بني الحيوان، ثم تعود إلى بني الإنسان مرة أخرى؛ فالفيل مثلاً قد أصبح الإله (جانيشا)، وعدّوه ابن شيفا؛ كذلك كانت القردة والأفاعي مصدر رعب، فكانت لذلك من طبيعة الآلهة؛ فالأفعى التي تؤدي عضة واحدة منها إلى موت سريع، واسمها (ناجا) كان لها عندهم قُدْسية خاصة، وللتماسيح والنمور والطواويس والببغاوات، بل والفئران حقها من العبادة»([4]).

ومنهم من عبَد أعضاء جسد الإنسان حتى أعضاء التناسل، كما يقول وول ديورانت عن عبادات الهنود: «وكان إلهًا هو شيفا، ورمزها هو عضو التذكير، وكتابها المقدس هو (أجزاء من التانترا)؛ و(شاكتي) بالنسبة إلى شيفا هي- كما كانوا يتصورونها أحيانًا- زوجته كالي، وأحيانًا أخرى يتصورون تلك القوة الباعثة شيفا على نشاطه الجنسي، وهاتان القوتان يمثلها الهنود بأوثان يطلقون عليها اسم (لنجا) أو (يوني)، وهي تصور عضوي التناسل عند الرجل والمرأة»([5]).

هذه الضلالات التي عاش الناس فيها، رغم أن الله عز وجل ما ترك أمة إلا أرسل إليهم رسلاً ينذرونهم ويدعونهم إلى عبادة الله سبحانه، ولكنهم ظلوا على ضلالاتهم وخرافاتهم؛ فأخبرنا محمد (صلى الله عليه وسلم) بقول الله عز وجل له:(فاطر: 24). وأنزل عليه أيضًا في القرآن :  (النحل: 63). وجعل الله إرسال رسول إلى أي قرية شرطًا لازمًا قبل أن يعذبهم في الآخرة على الشرك به، فقال:  (الإسراء: 15).  

لقد عاش العرب على التوحيد في الفترة التي تلت مجيء إبراهيم             - عليه السلام - بولده إسماعيل وزوجه هاجر إلى مكة، وكبر فيهم إسماعيل، وصار نبيًّا يدعو إلى عبادة الله وحده، وبعد فترة طويلة جاء رجل اسمه عمرو بن لحي الخزاعي، وبدَّل دين إبراهيم، وجاء بالأوثان ونصبها في المسجد الحرام، ودعا الناس إلى عبادتها بوصفها واسطة بينهم وبين الله، ولبَّى الناس دعوته، وانسلخوا من التوحيد إلى الشرك، وكثرت الأصنام في مكة حتى صار لكل قبيلة صنمها الخاص بها، وقُدِّر عددها حول الكعبة بنحو ثلاثمائة وستين صنمًا يتعبد إليها الناس، يركعون لها ويسجدون، ويتقربون إليها بالقرابين، ونسوا الله خالقهم سبحانه.

وكان هناك بقايا من أهل الكتاب على ديانة التوحيد الخالص لله، وكانوا قلة قليلة جدًّا، رغم عدد النصارى واليهود الكثير.

ويقول محمد (صلى الله عليه وسلم) واصفًا تلك الحال التي كانت عليها الأرض فيقول: «... وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعَجَمَهم، إلا بقايا من أهل الكتاب»([6]).

فاستحقاقهم للمقت كان نتيجة لشركهم بالله سبحانه، واتخاذهم معه آلهة أخرى وتلاعبهم بدينهم.

ولهذا كان الناس في أشد الحاجة لمبعث نبي يُعِيد الناسَ إلى توحيد الله وعبادته، وخاصة أن الفارق الزمني بين نبي الله عيسى - عليه السلام- وبين محمد (صلى الله عليه وسلم) يقدر بقرابة الستمائة سنة، وليس بينهما نبي.

 فبعث الله محمدًا (صلى الله عليه وسلم) هاديًا للناس، ورحمة للعالمين، ورسولا إلى البشرية كلها، يدعوهم إلى الله سبحانه، وإلى توحيد عبادتهم له وحده.

جاء محمد بمنهج التوحيد الذي كان أصيلا في ذاته قديمًا، إذ كانت رسالة كل الأنبياء الذين سبقوه، فقد جاء نوح - عليه السلام - برسالة التوحيد، فقال الله تعالى: (الأعراف: 59).

وجاء بالرسالة نفسها هود - عليه السلام - : (الأعراف: 65).

وكذاك صالح - عليه السلام -:  (هود: 61) .

 وأيضًا شعيب - عليه السلام - :   (هود: 84) ..

 وبالرسالة نفسها وغايتها جاء محمد (صلى الله عليه وسلم) فأمره ربه أن يبلغ الناس، ويقول:  (ص: 65).

ولكن هذا المنهج على الرغم من قِدَمه وعراقته إلا أنه كان غريبًا على أفهام الناس وأذهانهم، فرفضوه وعاندوه، ولم ينقادوا لذلك النداء الفطري الخالد.

الإيمان بوجود خالق لهذا الكون:
إن العقيدة الإسلامية في الإله الخالق للكون وتوحيده قد بُنيت على معطيات وفروض صحيحة ومقنعة ومتجذرة يقبلها العقل البشري السليم، وتقر بها النفوس المستقيمة الباحثة عن الحقيقة، فقد استقرت في أذهان الناس حقيقة لا حاجة لإيراد دليل عليها، وهي أن كل صنعة لا بد لها من صانع، فما من شيء تراه عينك في هذا الكون إلا وهناك يد قد صنعته.

فيستحيل أن تصدق بعقلك أن أبسط الأشياء من حولك قد صُنِعت بذاتها، أو صَنَعت نفسها بنفسها، ولن يسمح عاقل لنفسه أن يقتنع بأن مجموعة من الأخشاب اجتمعت بذاتها، وانضم بعضها إلى بعض، وجاءت مجموعة أخرى من الحديد  وتراكبت معها، ودقت نفسها بين جَنَبات الأخشاب، ثم جاءت مجموعة من المحركات وأخذت مكانها، وهكذا إلى أن تكوّنت السفينة التي تراها تجوب البحار والأنهار. يستحيل عقلاً أن يصدّق ذلك.

فإذا كان العقل يرفض أن يصدق هذا، فهل يسمح لنفسه أن يقول: إن السماء والأرض والبحار والأنهار، وكل ما فيها من عوالم الإنسان، والحيوان والطير والحشرات، والأسماك بما يزيد عن ملايين الأنواع والأشكال والأحجام؛ كل ذلك وُجد مصادفة أو خلق نفسه بنفسه، أو أن الطبيعة قد أوجدت نفسها؟

 فلا بد من خالق لهذا الكون خلقه وسوَّاه وأبدع صُنْعه.

·وإذا كان هناك خالق فلا بد أن يكون قديمًا قبل مخلوقاته، وإلا يتبادر السؤال: كيف خلق تلك المخلوقات قبل أن يوجد هو؟

·وإذا كان هناك خالق قديم للكون فلا بد أن يكون قويًّا أقوى من جميع مخلوقاته، حيث لا يخضع لمخلوق، ولا يأبى عليه مخلوق من مخلوقاته أبدًا، فلابد أن يتصف بالقدرة والقوة والهيمنة والسيطرة على الكون.

· وإذا كان الكون بهذا الإبداع وبهذه الحكمة المتناهية، يُعطى فيه كل مخلوق ما يُصلِح حياته وشأنه، فلا بد أن يكون خالقه حكيمًا يضع كل شيء في نصابه، فلا يتصف بالعَبَث ولا اللهو، ولا اللعب ولا الندم.

·وإذا كان الكون يسير بتلك الحكمة، فحركة الكواكب والنجوم تسير وَفْق معدلات ثابتة لا تتغير، وهناك ثوابت كثيرة في الكون وقوانين مطردة لا تتخلف، فمعنى ذلك: أن إرادة خالقه واحدة، فلو كانت هناك أكثر من إرادة لاضطربت القوانين الكونية.

·ولا بد لهذا الإله أن يكون غنيًّا عن أية مساعدة من خلقه، فلا يحتاج إلى ولد ولا إلى زوجة كما يحتاج خلقه، وذلك حتى يُحكم أمر هذا الكون هذا الإحكام الفريد.

·وإذا أقررنا أن هناك للكون إلهًا، فلا بد له من أوامر يأمر خلقه بها ونواههٍ ينهى عباده عنها؛ ليعلَم من يطيعه ممن يعصيه، وما سمعنا أن للأصنام والأوثان أو الشمس أو القمر أو الحيوانات، أو جميع ما عُبدَ من دون الله؛ أوامر لمن يعبدونهم فكيف يستوي المؤمن بها بمن يكفر بها ويجحدها، فلا بد من وجود أوامر ونواهٍ لذلك الإله.

·وإذا أقررنا بوجود تلك الأوامر والنواهي فلا بد من وجود مكان آخر وزمن آخر يكافئ فيه المحسن والمطيع على طاعته، ويعاقب فيه المسيء على عصيانه، وإلا إذا استويا وماتا كلاهما ولم يكن هناك مكان أو زمان آخر للبعث لكان الأمر عبثيًّا ولاستباح الناس فعل كل المنكرات؛ لأنهم آمنون من العقوبة غير طامعين في المثوبة.

إن كل تلك التساؤلات والأدلة العقلية لتدل على أن لهذا الكون خالقًا واحدًا لا شريك له، قادرًا عليمًا حكيمًا قديمًا قويًّا عظيمًا، متنزِّهًا عن الشريك وعن الزوجة وعن الولد، يأمر بأوامر وينهى عن نواههٍ، يبعث الناس ليوم البعث؛ فيجزي المحسن بإحسانه ويدخله جنة عرضها السماوات والأرض، ويعاقب المسيء العاصي ويدخله نارًا وقودها الناس والحجارة، وهذا الخالق العظيم هو الله سبحانه لا إله غيره ولا شريك له.

بهذه المقدمات والاستدلالات التي تخاطب العقل والنفس في مدلولها بالتوحيد جاءت رسالة محمد (صلى الله عليه وسلم) تعلِّم الناس وتقودهم إلى معرفة الله سبحانه والإيمان به ربًّا وخالقًا ورازقًا ومحييًا مميتًا وباعثًا ومالكًا ليوم القيامة؛ كما يقول سبحانه: (الطور: 36-43). 

لقد دعا محمد (صلى الله عليه وسلم) الناس إلى إلههم وربهم جل وتعالى، وطالبهم بإعمال عقولهم وعدم تعطيلها، ونهاهم عن تقليد الآباء في أمور العقيدة،معتمداً على ما أنزله الله تعالى إليه من القرآن وما فيه من الآيات والحكم والقصص، كمناظرات الأنبياء لخصومهم، ومنها:

قصة موسى يخاطب فرعون ويذكِّره بمقام ربه، كما أخبر الله تعالى بقوله:  (الشعراء: 23-28).

وقصة إبراهيم في مناظرته للملك النمرود، حيث قال تعالى: (البقرة: 258) .

وعلى ذلك سار الصحابة والدعاة إلى التوحيد ، حيث يذكر  ابن كثير في السيرة النبوية حادثة إسلام الصحابي عمرو بن الجموح، وفيها استخدم أبناؤه المنطق نفسه في نفي الألوهية عن الصنم الذي يعبده فيقول: «كان عمرو بن الجموح من سادات بني سلمة وأشرافهم، وكان قد اتخذ صنمًا من الخشب في داره يقال له مناة، كما كانت الأشراف يصنعون، يتخذه إلهًا يعظمه ويظهره، فلما أسلم فتيان من بني سلمة هما ابنه معاذ ومعاذ بن جبل كانوا يدلجون بالليل على صنم عمرو ذلك؛ فيحملونه فيطرحونه في بعض حُفَر بني سلمة، وفيها عُذَر الناس- أي القاذورات - منكسًّا على رأسه، فإذا أصبح عمرو قال: ويلكم من عدا على إلهنا هذه الليلة؟ ثم يغدو يلتمسه حتى إذا وجده غسله وطيَّبه وطهَّره ثم قال: أما والله لو أعلم من فعل بك هذا لأخزينه، فإذا أمسى ونام عمرو عدوا عليه ففعلوا مثل ذلك، فيغدو فيجده في مثل ما كان فيه من الأذى فيغسله ويطيبه ويطهره، ثم يعدون عليه إذا أمسى فيفعلون به مثل ذلك، فلما أكثروا عليه استخرجه من حيث ألقوه يومًا فغسله وطهره وطيبه، ثم جاء بسيفه فعلقه عليه، ثم قال له: إني والله ما أعلم من يصنع بك ما أرى؛ فإن كان فيك خير فامتنِعْ، هذا السيف معك، فلما أمسى ونام عمرو عدوا عليه فأخذوا السيف من عنقه، ثم أخذوا كلبًا ميتًا فقرنوه به بحبل، ثم ألقوه في بئر من آبار بني سلمة فيها عُذَر من عذر الناس، وغدا عمرو بن الجموح فلم يجده في مكانه الذي كان به، فخرج يتبعه حتى إذا وجده في تلك البئر منكسًا مقرونًا بكلب ميت، فلما رآه أبصر شأنه وكلَّمه من أسلم من قومه، فأسلم برحمة الله وحسُن إسلامه»([7]).

فأسلم t حين علم ذلك الاستدلال؛ إذ إن الإله هو الذي يرعى ويحفظ مخلوقاته، ولا يحتاج إلى مخلوقاته لتدافع عنه وتحفظه.

كلمة التوحيد:
ما جاء محمد (صلى الله عليه وسلم) إلا بكلمة واحدة وما طلب من الناس إلا كلمة واحدة فقط عليها قامت السماوات والأرض، فيقول ابن عباس - رضي الله عنهما -: «مرض أبو طالب فأتته قريش وأتاه النبي (صلى الله عليه وسلم) يعوده، وعند رأسه مقعد رجل، فقام أبو جهل فقعد فيه، فشكوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى أبي طالب، فقالوا: إن ابن أخيك يقع في آلهتنا. قال: ما شأن قومك يشكونك يا ابن أخي؟ قال: «يا عم، إنما أردتهم على كلمة واحدة تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية»، فقال: وما هي؟ قال : «لا إله إلا الله»، فقاموا فقالوا : أجعل الآلهة إلهًا واحدًا؟ قال: ونزلت:  (ص: 1) إلى قوله :   (ص: 5) ([8]).

وهي الكلمة التي كان يتمنى أن تخرج من فم عمه أبي طالب قبل موته؛ حيث «إن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي (صلى الله عليه وسلم) وعنده أبو جهل فقال: «أي عم قل لا إله إلا الله، كلمةً أحاج لك بها عند الله». فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب ترغب عن ملة عبد المطلب فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به على ملة عبد المطلب، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) : «لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عنه». فنزلت:  (التوبة: 113) . ونزلت :   (القصص: 56)([9]).

وبشَّر من كانت تلك الكلمة آخر كلامه؛ فعن معاذ بن جبل t قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة»([10]).

معنى كلمة التوحيد:
 كلمة التوحيد هي الكلمة التي على أساسها جاءت رسالة محمد(صلى الله عليه وسلم) إلى مجتمعه والناس أجمعين، وهي ذات الكلمة التي بُنيت عليها تلك الحضارة من أطرافها، وبها قدَّم محمد (صلى الله عليه وسلم) علاجًا متكاملا للنفس الإنسانية في حياتها الفردية والجماعية على مر العصور،تلك الحقيقة التي يؤكدها الله لمحمد (صلى الله عليه وسلم) في القرآن  بقوله سبحانه وتعالى :  (طه: 123-126).

إن أكثر ما يؤلم الإنسان في الدنيا، ويصيبه بالأمراض النفسية هما أمران عظيمان: الحزن على الماضي، والخوف من المستقبل.

فالمؤمن بالله يوقن أن هذه الحياة ليست كل شيء، وأن هناك حياة أخرى تنتظره، فيها نعيم مقيم، أو عذاب أليم حسب أعماله، فالدنيا مزرعة للآخرة يزرع فيها ما يحصده غدًا أمام ربه، فإذا ظلمه أحد في ماضيه أو اعتدى على بعض حقوقه يوقن أن هناك ربًّا عادلاً سيقتص له من ظالمه، مهما امتدت السنون وتباعدت، فالحقوق لا تضيع وكله مسطَّر عند الله، ولا ينسى ولا يضيع عنده شيء؛ يقول الله سبحانه في آيات القرآن في حديث بين موسى - عليه السلام - وفرعون ؛ كما حكاه الله تعالى فيقول :(طه: 51-52).

فالمؤمن مطمئن تمامًا؛ لأن ربه ليس بغافل عن الظالم، فيقول الله:  (إبراهيم: 42).

فإن ابتُلي بمرض أو فقدان حبيب أو بخسارة مال يعلم أن هذا ابتلاء من ربه له، فإذا صبر غنم وفاز في الدنيا والآخرة، وإذا ضجر وتسخط ابتعد عن رضا ربه؛ وهذا قول محمد (صلى الله عليه وسلم) : « عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له»([11]).

والمؤمن لا يخشى المستقبل؛ لأنه يعلم أن المالك الوحيد له والمتصرف فيه هو الله سبحانه، والمؤمن مطمئن لما عند الله العادل الذي لا يضيع أجر المحسنين، ومن ثم لا يذل المؤمن نفسه لأحد من المخلوقين؛ لأنه يعلم أن المخلوق مهما كان لا يتحكم في رزقه ولا في حياته أو موته، يقول محمد (صلى الله عليه وسلم) في حديثه: «إنه ليس شيء يقربكم إلى الجنة إلا قد أمرتكم به، وليس شيء يقربكم إلى النار إلا قد نهيتكم عنه، إن روح القدس نفث في روعي أن نفسًا لا تموت حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعاصي الله، فإن الله لا يُدرَك ما عنده إلا بطاعته»([12]).

والمؤمن لا يتملق أية قوة مهما تجبرت، ولا ينافقها؛ لأنه يعلم أن تلك القوة لا تستطيع نفعه ولا ضره إلا بإذن من ربه، يقول الله سبحانه :  (الأنعام: 17-18).

والمؤمن لا يتوجه بالعبادة والطاعة إلا إلى ربه سبحانه، فهو المستحق للعبادة، وهو الآمر بالطاعة المستحق لها وحده.

إن كلمة «لا إله إلا الله» كلمة التوحيد فيها لمن أخذها بحقها الخلاص من كل المشكلات والآلام؛ فالإيمان بالله خالقًا فلا خالق إلا الله، والإيمان به رازقًا فلا يملك الرزق سواه، والإيمان به محييًا مميتًا، فلا يقضي الحياة ولا الموت غيره سبحانه، والإيمان به معبودًا واحدًا لا شريك له،  تُصرَف إليه العبادات جميعًا، ويُحكَم بأمره، ويؤتمر بشرعه الخير للناس جميعاً.

ويؤكد محمد (صلى الله عليه وسلم) تلك المعاني حينما نصح غلامًا، وهو عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما- وقد وضع له محمد دستورًا يضمن له حياة كريمة في الدنيا والآخرة، فقال عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما-  : كنت خلف رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يومًا، فقال: «يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفِعَت الأقلام، وجفت الصحف»([13]).

فالراحة والاطمئنان والسعادة الكاملة في الاتصال بالله، ولا راحة بغير ذلك كما قال تعالى:  ( الرعد: ٢٨)  .

والإيمان بالله يضمن الراحة، والاطمئنان على الأجل وعلى الرزق، إذ لا مالك لهما إلا الله، يقول الله لمحمد (صلى الله عليه وسلم):  (الذاريات: 22-23) .

وتلك الأمور بيد الله تعالى، فلا حاجة للعبد لأن ينشغل بها، بل يجب أن ينشغل بما يصلح دنياه وآخرته، فيسعى في الدنيا إلى تحصيل رزقه، ويسعى ويعمل في عمل الآخرة لينال منها أوفر الحظ والنصيب، فالرزق والأجل أمران محسومان قبل وجود الإنسان على الأرض؛ فيخبرنا محمد(صلى الله عليه وسلم) فيقول: «إن أحدكم يُجمَع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع  فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها».

 

--------------------------------------------------------------------------------

 ([1])أخرجه مسلم (2865).

 ([2])أخرجه البخاري (1358)، ومسلم (2658).

 ([3])مستفادة من كتاب قصة الحضارة لول ديورانت.

 ([4])وول ديورانت قصة الحضارة: 1/ 658.

 ([5])وول ديورانت قصة الحضارة: 1/876

 ([6])أخرجه مسلم (2865).

 ([7])السيرة النبوية لأبن كثير: 2/207.

 ([8])أخرجه الترمذي (3232)، وأحمد (2009).

 ([9])أخرجه البخاري (3884).

 ([10])أخرجه أبو داود (3116).

 ([11])أخرجه مسلم (2999).

 ([12])أخرجه عبدالرزاق في المصنف(20100) وابن أبي شيبه(8/139) والبيهقي في                           شعب الإيمان (10376).

 ([13])أخرجه الترمذي (2516).