Get Adobe Flash player

رسالة اليوم من هدي الرسول

عن أم عطية قالت: أمرنا أن نخرج العواتق والحيض في العيدين، يشهدن الخير ودعوة المسلمين، ويعتزل الحيض المصلى.قلت: يا رسول الله، إحدانا لا يكون لها جلباب؟ قال: لتلبسها أختها من جلبابها.متفق عليه. قال النووي:  وفيه الحث على حضور العيد لكل أحد، وعلى المواساة والتعاون على البر والتقوى

كتاب الرحمة في حياة الرسول

إقرأ مقالا من أكبر كتاب في العالم

فضل المدينة وسكناها

أضخم عمل عن الحرمين الشريفين

شاهد المدينة المنورة مباشرة

الرئيسية
مظاهر الرحمة في شخصيته

الذين يعرفون الدكتورة سارة آدم أستاذ علم الاجتماع ـ التي تحاضر في جامعات عدة، ومنتديات علمية عن فلسفة الأخلاق ـ بخاصة أولئك الذين يواظبون على حضور محاضراتها ـ الأكاديمية ـ أو الثقافية ـ لا يكادون يختلفون في أنها شغوفة بالمعلومة وبالبحث عنها، فهي ترفض تقسيمها إلى معلومة مهمة، أو غير مهمة، أو إلى صغيرة وكبيرة.

قالت غير مرة، إن الإنجاز الكبير، هو عبارة عن مجموعة إنجازات صغيرة، ربما لا يتنبه إليها، فالحقيقة الكبرى هي عبارة عن مجموعة حقائق صغيرة كما يعرفون عنها، أنها تعنى بالقراءة بين السطور.

الذي يسترق السمع إلى ما يدور بين طلابها والمتابعين لمحاضراتها، يرى أنهم بقدر إعجابهم بطروحاتها، وبمنهجها، وتشوقهم إلى جديدها، بقدر شعورهم بالإرهاق أحياناً، وربما الملل حين تشرع بسرد التفاصيل، وتتبعها بالتحليل، ولا يخفى بعضهم في الوقت نفسه، أنها حظيت بإعجاب الكثيرين بسبب منهجها هذا.

وكأني ببعضهم يود أن يتساءل على استحياء هل حقاً ما قيل إن الشياطين تكمن في التفاصيل، لولا خشيته من نظرة عتاب، أو كلمة لوم، ربما يتبعها حساب من الدكتورة سارة ذلك أنها ترفض فلسفة هذه المقولة، بخاصة في المحافل العلمية، وقاعة الدرس.

ترى أنها بضاعة أهل السياسة، الذين تتعرض لبعضهم أحياناً، وتُعرِّض بطائفة منهم لسبب ظاهر عندها، هو جنايتهم على الحقيقة، بعموميات يطرحونها، وعبارات يرددونها، يخفون في طياتها ما لا يسر، وتلحق بهم أولئك الذين يُزوِّرون الحقائق، ولا يحترمون عقول البشر في حالات متعددة ومنهم بعض الصحفيين.

لقد شهد لها غير واحد بأنها لا تملك مواقف مسبقة، أو محدده، من فئة معينة، وإنما الذي يُعرف عنها، هو انحيازها إلى المعلومة، من حيث هي، واحترامها الشديد إلى أولئك الذين يستمعون إليها، أو يقرأوون لها، لأنها تشعر أنهم يتفضلون عليها.

اعترفت الدكتورة سارة آدم، في بعض جلساتها الخاصة، أن منهجها هذا، الذي تحرص عليه، منذ سنوات، قد جلب لها بعض المتاعب، منها نقد بعض زملائها لها، بحجة أنها تغري طلابها أحياناً، بتوسيع دائرة النقد، وعدم القبول بالمعلومة، إلاَّ بعد المحاورة، وطرح العديد من الأسئلة.

بينما ترى هي أن المحاضر والكاتب، أياً كان، لن يتسنى له أن يحوز على احترام الجمهور، وانتزاع ثـقتهم به، مالم يبادر هو باحترام قدراتهم، وتقدير عقولهم، واعتبار جمهوره الخاص شريكاً له في الوصول إلى الحقيقة.

لقد غرست في أذهان طلابها، أن المعلومة الصحيحة، علامة فارقة بين من يملكها، وبين من لا يملكها، وكانت دائماً تقول لهم، جاء في القرآن الكريم ) قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ( )الزمر: 9 ( ، ثم تصمت قليلاً، فيقولون طبعاً لا.

وكانت ترى كذلك، أن الأعمال الفاضلة متعددة، وأن من أفضلها، الوصول إلى الحقيقة، وتذكر في هذا المقام، عبارة وردت في الإنجيل، كانت ترددها كثيراً تقول ( وأساس البر البحث عن الحقيقة, والوصول إليها).

اختلفت في بعض المناسبات العلمية، مع بعض زملائها فهي ترى أن القارئ، أو المستمع، شريك في الوصول إلى الحقيقة، في حين يرى بعضهم، أن كثيراً من هؤلاء، لا يملك مؤهلات تمنح له هذا الحق، وكانت تقول دائماً، بعد هذا الحديث، أياً كان الأمر، فإنه لا يعني عدم احترام القارئ، أو المستمع، من خلال تجاهل المعلومة الصحيحة، وعدم الاعتراف بالحقيقة، وإن كانت مرة.

اضطرت الدكتورة سارة في بعض المواقف، إلى القول بأن د. هربرت أ. شيللر، حين وضع كتابه المتلاعبون بالعقول، ربما أغضب بعض الكتَّاب والباحثين، حين قال، إن ثمة نخبة تسعى إلى تضليل عقول الجماهير، بغية تطويعهم إلى أغراض خاصة (1) وتضيف هي، أو أغراض عامة لحساب جهات معينة، وهو ما يزيد الأمر قبحاً.

لم تخف الدكتورة سارة على طلابها، والمقربين منها، انزعاجها الشديد، حين ترى تشابهاً بين العمل الصحفي، وطرفاً من العمل الأكاديمي أحياناً، من حيث المنهج، أو الأهداف، فهي لم تفاجأ كثيراً حين قرأت كلاماً للإعلامي المشهور هنري لويس، مؤسس صحيفة التايم، وغيرها من الجرائد، والمجلات واسعة الانتشار، عندما يقول: (إن الموضوعية الصحفية شيء زائف تماماً، وبالتالي عندما نقول فلتذهب الموضوعية إلى الجحيم، فإننا نقصد بذلك هذا المعنى) (1) .

لم تفاجأ بهذا الكلام لأن الواقع يشهد له، في مواطن كثيرة، لكنها تفاجأ عندما ترى الوصف نفسه في بعض الأعمال الأكاديمية بل وتحزن كثيراً.

ذكر أحد المتابعين لنشاطها العلمي، أنها قالت في مداخلة لها على هامش ندوة علمية، إنني أعجب أشد العجب، من أولئك النفر من الناس الذين يغضبون أشد الغضب، حين تُسرق منهم بعض ممتلكاتهم الخاصة، ولا نلحظ فيهم ثورة الغضب هذه، حين يُسرق من بعضهم عقله، وحريته، في التفكير، ويصادر رأيه، فيصبح أسيراً لشخص ما، أو جهة ما، بل إنه لمن المؤسف أن نرى فئة من الناس تستسلم لهذا الأمر، وهي ضاحكة مستبشرة.

واجهت الدكتورة سارة بعض المتاعب الخفية بسبب منهجها ، وبعض مقولاتها، لكنها في المقابل حظيت بشهرة علمية، تكاد تكون محل اتفاق، وكسبت احترام كل من عرفها، عن قرب، حتى بعض أولئك الذين سببت لهم انزعاجاً، أو إحراجاً.

تحاضر الدكتورة سارة في موضوعات علم الاجتماع، وتعنى بعلم الأخلاق كما ذكرت، تحدثت في آخر محاضرة لها، بعنوان: دوافع الأخلاق الفردية، في ندوة حول حقوق الإنسان، في ظل الصراعات الدولية، عما أسمته أزمة القيم، الذي تمر بها البشرية اليوم، واعترفت أنها استعارت هذا المصطلح ، من مقالة للمفكر د. رجاء جارودي، حين قال:( إن البشرية اليوم تعاني من أزمة قيم، فقدت معها أخلاقها (1)، أو كادت).

رغبت في محاضرتها هذه، أن تدع الأرقام الصادقة، والصادرة عن جهات موثوقة، تتحدث عن هذه الأزمة، وتدلل عليها فقالت:

 

1. أكدت دراسة قامت بها جمعية حقوق الطفل، التابعة للأمم المتحدة، بيع عشرين مليون طفل خلال السنوات العشر الأخيرة ليعيشوا طفولتهم في ظروف قاسية.

2. ذكرت مجلة لانسيت العالمية البريطانية أن أربعة ملايين طفل يموتون سنوياً، خلال الشهر الأول من ولادتهم، بسبب الفقر والأمراض.

3. ذكر تقرير التنمية البشرية أن أكثر من ثمانمائة وخمسين مليون إنسان ثلثهم من الأطفال، في عمر ما قبل الدراسة، واقعون في فخ الدائرة المفزعة لسوء التغذية ومضاعفاتها.

4. أعلنت منظمة أطباء العالم غير الحكومية، أن مليوني طفل لقوا مصرعهم في النزاعات المسلحة التي اندلعت خلال فترة التسعينات وأضافت أن خمسة إلى ستة ملايين طفل جرحوا أو أصيبوا بعاهات مستديمة.

5. جاء في تقرير التنمية البشرية لعام 2005م، أنه ما زال في العالم حتى اليوم ثمانمائة مليون إنسان من بينهم نحو مئة وخمسة عشر مليون طفلً يفتقرون إلى المهارات الأساسية في القراءة والكتابة.

6. ذكر تقرير التنمية البشرية، أن عدد المصابين بالإيدز ( نقص المناعة المكتسب) بلغ أربعين مليون شخص عام 2005م، وقد قتل الإيدز أكثر من خمسة وعشرين مليون شخص، منذ أن تم التعرف عليه لأول مرة عام 1981م، وحذرت الأمم المتحدة من احتمال وفاة أكثر من ثمانين مليون أفريقي بحلول عام 2025م.

7. كشف المعهد الدولي لأبحاث السلام، في تقريره السنوي، عن أن حجم النفقات العسكرية العالمية تجاوز سنة 2004م ألفاً وخمسة وثلاثين مليار دولار.

كانت الدكتورة سارة وهي تسرد هذه الأرقام، في محاضرتها، تبادل المستمعين لها بذهول نظرات تصاحبها بعض إشارات تدل بوضوح على حجم الأسى والحزن، والعجز أيضاً الذي يشعر به جميع من في القاعة، وبعد انتهاء المحاضرة خيم الصمت على القاعة، إلاَّ من بعض عباراتٍ دعت إليها المجاملات، وكأن لسان حال الجميع يقول، والصمت إن ضاق الكلام أوسع.

مزَّق الصمتَ صوتٌ من آخر القاعة، يخاطب د.سارة وهي تغادر المكان، قائلاً: ما العمل ؟ وما الطريقة المثلى التي يمكن أن تسهم في إيقاظ البشرية من غفلتها، ثم إنقاذها من هذا التردي المدمر لها ؟ ما دور أصحاب الأقلام المستقيمة، والذين لا يملكون غيرها ؟ بل ما دورك أنتِ بعد أن ألقيت هذه المحاضرة، وما تضمنته من أرقام مذهلة، بل مخجلة، تعد سُبة في جبين هذه البشرية التائهة.

ما أن انتهى هذا المتكلم من حديثه، حتى تداخلت عبارات الحاضرين، واختلط بعضها ببعض، فهمت منها د. سارة بشيء من الصعوبة، أن جميع من في القاعة يحملون الشعور نفسه، الذي عبَّر عنه الشخص الذي تكلم، فسرها كثيراً ما سمعت، وجعلها تتريث قليلاً في الخروج، ثم توجهت إلى الحاضرين بقولها، أقدر لكم شعوركم، وأشكر لكم تفاعلكم.

ولقد ذكَّرني موقفكم هذا بقناعة وجدتها عند غير واحد من علماء الاجتماع، مفادها أن البشرية تميل إلى حب الفضائل، وتكره الرذائل، وتنفر منها، ما دامت بعيدة عن التأثيرات الخارجية، التي تلعب بعقول الناس، في كثير من المواطن.

وعدت قبل خروجها، بأنها ستعنى بما سمعت من طروحات وأسئلة، وقالت أرجو أن يتضمن الموسم الثقافي القادم، والذي اقترب موعده موضوعات تكون ذات صلة بهذه الطروحات، ولعلها تحمل بعض إجابات لما قيل ويقال في هذا المجال.

مضى شهر، أو يزيد، وإذا بصحيفة الجامعة تصدر، وهي تحمل خبراً جاء فيه، د. سارة آدم تحاضر في سيرة عظماء البشرية، وأثر هذه السير في نشر الثقافة الأخلاقية بين الإنسانية، بخاصة صُنَّاع القرار منهم، وأصحاب الفكر المؤثرون في مجتمعاتهم.

ترى د. سارة أن الحظ حالفها، حين تأخر الموسم الثقافي في الجامعة، عدة أسابيع عن موعده المقرر، وترى أنه حالفها الحظ مرة أخرى، حين أعطيت في هذا الموسم محاضرات تزيد عما كانت تأخذه في العادة، بسبب اعتذار بعض الأساتذة عن عدم المشاركة، لأسباب متعددة.

بدأت محاضرتها الأولى، بالحديث عن المسوغات التي دعتها إلى دراسة سير العظماء، وذكرت الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها، من خلال هذه الدراسات، فقالت :

سبقت الإشارة في محاضرة ألقيتها منذ عدة أسابيع، ربما يكون بعضكم قد حضرها، أو قرأ عنها، إلى أن البشرية تعيش أسوأ أيامها، وأحط أحوالها، شهدت بهذا أرقام ذكرنا بعضها، سوف توزع عليكم في ورقة مستقلة، فلا داعي لإعادتها، وآمل أن تضاف إلى محاضرات هذا الموسم، لأنها بصراحة كانت من أبرز أسباب اختيار هذا الموضوع، وأعرضنا عن كثير منها، والواقع المشاهد، يؤكد أننا لا نهول من الأمور، ولا نتبع الأوهام.

إن وسائل الإعلام، لا تكاد تحمل لنا إلاَّ تزايد أعداد القتلى، والمشردين، وارتفاع نسب البطالة، واتساع دوائر النزاع، وانتشار الأمراض القاتلة، وازدياد أعداد الفقراء، وتنوع صور الاعتداءات على الإنسانية بكل فئاتها، وعلى البيئة بكل ميادينها، وهو ما يهدد أصل وجود البشرية برمتها.

في ظروف كهذه، غاية في الخطورة، تدعو الحاجة، والضرورة، إلى استحضار سير بعض عظماء البشرية، لتعريف الناس بهم، واطلاعهم على سيرهم الشخصية، ونشر تعاليمهم بين الناس، وهذا في اعتقادي، سوف يسهم في الترويج للأخلاق الفاضلة، وفي التنفير من الأخلاق السيئة.

هذا المسلك، يعد خطوة في الاتجاه الصحيح، نحو محاصرة الشر وأهله، ومطاردة صنَّاع المشاكل، العابثين بمصير البشرية وبأمنها، وبمقدراتها، وهي لا تعدو أن تكون خطوة في رحلة الألف ميل، ولكن لها أهميتها، لأنها في الاتجاه الصحيح .

نحن نتفق مع الرأي القائل، إن العظماء قليلون، مهما كثروا، وهذا يعين على تتبع سيرهم لأنهم ندرة ونخبة، ومن كانت هذه حالهم فينبغي أن يكونوا محل عناية، بخاصة في وقت تحتاج فيه البشرية إلى تراثهم الأخلاقي، وتجاربهم التي نجحت في ميادين متعددة .

إذا أضيف إلى هذا، ما ذكر سابقاً من أن الناس بطبعهم أخيار يميلون إلى الفضائل، ويحبون رموزها الذين تميزوا بها، ترجح لدى الباحثين أن في هذه الدراسات خيراً كثيراً للبشرية.

يتضح الأثر الطيب لها في صورة جليَّة، حين يُقدم لهذه البشرية المرهقة نماذج حيَّة لأشخاص مارسوا الأخلاق، وجعلوا منها ومن الفضائل واقعاً معاشاً، وسلوكاً ممكناً، في دنيا الواقع، والبشرية بلا ريب بحاجة إلى مثل هذا التوجيه، بعدما أصاب كثيراً من جوانب حياتها التشويه.

نحن لا ننكر أن سيرة العظماء في تاريخ البشرية، لحقها بعض إساءات، مقصودة كانت أو غير مقصودة، لأسباب منها الجهل بها أحياناً، وربما التجاهل لها حيناً لأغراض لا يتسع المقام لسردها، أعتقد أن هربرت أ. شيللر أتى على بعض منها في كتابه المتلاعبون بالعقول، وإن لم يكن بطريقة مباشرة.

لقد أحسن الأستاذ العقاد حين شخَّص الداء ووصف الدواء بقوله: ( إن البشرية بقدر اجترائها على هؤلاء العظماء، بقدر حاجتها إليهم)(1).

على عادتها في محاضراتها، بادرت د. سارة إلى الحديث عن بعض معالم المنهج الذي سوف تسلكه في دراساتها، وإن استدركت قائلة، كان ينبغي أن يكون هذا الكلام، في بداية المحاضرة لكن لا بأس بهذا، فما زلنا في بداية الطريق.

قالت د. سارة، لقد جمعت الكتب التي تتحدث عن سير هؤلاء العظماء، بخاصة كتب التاريخ، لأنني أتفق مع د. توماس كارليل صاحب كتاب الأبطال حين قال: ( إن التاريخ سجل لسير أعمال العظماء)، وقد سعيت جاهدة لانتزاع الحقائق من هذا التاريخ ولا شيء غير الحقائق، لأضعها بين يدي القراء الكرام، ولهم بعدها أن يسلكوا مسلك المفكر العالمي د. نعوم تشومسكي، ويأخذوا بنصيحته إن شاءوا، حين قال بعد أن جمع كثيراً من الحقائق المفزعة: ( لقد انتزعت هذه الحقائق من التاريخ، وعلى المرء أن يصرخ بها ويعلنها على رؤوس الأشهاد)(1).

إذا كان د. نعوم قد قلَّب صفحات التاريخ المعاصر، فوجد فيها حقائق مفزعة رهيبة، فها نحن نقلِّب صفحات التاريخ الماضي البعيد، بحثاً عن صفحات بيضاء مضيئة، وأحسب أننا واجدون فيها الكثير مما نؤمل.

فإن من رحمة الله تعالى بخلقه أن يقيم لهم معالم خير، ومنارات هداية، من خلال رموز بشرية نقية، إمَّا بأشخاصهم وقت وجودهم، وإما بما تركوا لنا من سير عطرة، وتراث جميل في رحلتهم الطويلة، بغية أن يذكِّروا الناس إذا نسوا، ويعينوهم إذا ذكروا.

كان مما قالته في هذه المحاضرة، لقد قرأت الكثير حول سير العظماء، ودونت أكثره حسب تقدمهم الزمني، لأن فضل السبق معتبر، فإن اللاحق غالباً ما يفيد من السابق، بخاصة في مجال علم الأخلاق، فالبشرية لا تكاد تختلف في شيء منها، وهي مما يتوارث بين أجيالها ، وأفرادها.

بعد استراحة لا تتجاوز دقائق معدودة، واصلت د. سارة حديثها بالقول :

منذ أسابيع، وأنا أبحث في المكتبات، وقنوات المعلومات الأخرى، في سيرة بوذا، باعتباره قديساً مشهوراً متقدماً في الزمن، معظماً لدى مئات الملايين من البشر في آسيا بخاصة، وقد عرفنا عنه زهده في الحياة، وصفاء نفسه.

يؤسفني القول إنه في ضوء المنهج الذي رسمته لنفسي في هذه المحاضرات ـ أنني عجزت عن جمع المعلومات الكافية، التي تمكنني من تقديم صورة واضحة المعالم لبوذا، ولتعاليمه على كثرة مطالعاتي وقراءاتي.

وحتى لا أتهم من أحد بالتكاسل، أو التحامل، فإني أود أن أذكر لكم أنه يشاركني الرأي في هذه النتيجة المؤسفة، علماء كبار، أو بتعبير أدق، أنا أشاركهم الرأي، لأنهم أسبق مني في بحث هذه المسألة.

هذا العلامة الأستاذ سلمان الندوي، كبير علماء الهند، في القرن الماضي، يعترف بعد بحث طويل، في سيرة بوذا، بالعجز عن الحصول على معلومات عنه، فيقول متسائلاً: ( هل يقيم التاريخ وزناً لوجود بوذا ؟ وهل يقدر مؤلف على أن يعرض للناس صورة حقيقية لتاريخه؟ وهل يستطيع كاتب، أن يصف ظروفه، وأحواله التي كان عليها في حياته، وصفاً كاملاً، لا يغادر شيئاً من تحديد زمن ميلاده، ووطنه، وأصول دينه، كما دعا هو إليه، ومبادئ دعوته، وأهدافها؟

الذي نعلمه، أن ذلك كله محجوب عن علم الناس، بظلمات كثيفة متراكمة)(1).

ونراه في موضع آخر، يبدي أسفه، واستغرابه، لندرة المعلومات عن بوذا، فيقول: ( أليس من المستغرب أن بوذا الذي يبلغ عدد المنتسبين إليه، ربع سكان المعمورة، لا يحفظ التاريخ من سيرته إلاَّ عدةَ أقاصيص، وحكايات، لو أننا نقدناها، بمقاييس التاريخ، لنتخذ لأنفسنا قدوة من حياته، وسيرته، لخرجنا من ذلك خاسرين)(2). والسبب في هذا ، وقفت عليه دائرة المعارف ، حين ذكرت، أن تاريخ بوذا أكثره من قبيل الحكايات(3) .

 

إذا كانت النتيجة، التي توصلتُ إليها، وآخرون قبلي، حول حياة بوذا، لا تخلو من جرأة في نظر البعض، فإن الجرأة الأكثر، والمفاجأة الأكبر، جاءت من قبل الأستاذ ر.ف بودلي، المؤرخ الإنجليزي المشهور ، الذي عمم هذا الحكم، ليشمل مع بوذا غيره من العظماء، وفي هذا يقول بودلي ما نصه: ( إننا لا نجد ما دوَّنه معاصرو موسى، أو كونفوشيوس، أو بوذا، ولا نعرف إلاَّ بعض شذرات عن حياة المسيح، بعد رسالته)(4).

أنا لا أنكر أن رأي بودلي في حياة المسيح، وإن كان يبعث على الاستهجان، لدى كثيرين، إلاَّ أنه في الواقع له حظ من الصحة، وهو على أية حال، يبقى رأياً أقل غرابة، بإزاء الرأي الذي طرحه بعض علماء الأديان في أمريكا، والذي يتضمن جرأة قبيحة، حين أنكر هؤلاء أصل وجود المسيح عليه السلام، فاعتبروا أن كل ما ذُكر حوله هو من الأساطير، وأن ما ذُكر عنه إنما هو بقية من بقايا وثنية الروم، واليونان.

لم يقتصر الأمر على هذا الصنيع الشنيع، فقد استمر الجدال أشهراً حول وجود المسيح عليه السلام، في مجلة ( روبن كورث)، التي تطبع في شيكاغو، ودار البحث عما إذا كان للمسيح وجود تاريخي، أم هو مما ابتدعته أوهام القدماء، من الأمم السالفة، واختلقته اختلاقاً (1).

زاد تقديري للدكتورة سارة ، وأعجبت بها كثيراً، حين سمعتها تقول بكل قوة وثبات، ليس من شك قط، أننا نرفض بشدة هذا التجذيف، ونستنكر هذا التطاول، على مقام السيد المسيح، فإن وجوده ثابت ثبوت الشمس في كبد السماء، فقد تحدثت عنه الكتب المقدسة، وتبوأ فيها منزلة رفيعة، هو وأمه الصديقة. لا يطرح مسألة وجود المسيح إلاَّ جاحد معاند، وعابثٌ لا وَزْن له، ولا اعتبار في الميدان العلمي، وهذه الآراء، وأمثالها، أقل شأناً، من أن نضيِّع فيها وقتنا، وهو قصير وثمين.

بيد أني ـ أردفت د. سارة قائلة ـ لا أنكر إنصافاً للحقيقة، أن ثمة علامات استفهام كثيرة، في سيرة السيد المسيح، وهذا ما دفع بودلي نفسه ليقول كما أسلفنا ( لا نعرف إلاَّ بعض شذرات عن حياة المسيح، بعد رسالته، ولا نعرف شيئاً عن الثلاثين سنة التي مهدت الطريق للسنوات الثلاث التي بلغ فيها أوجه)(1).

إن الناظر فيما كتب حول السيد المسيح ، يجد أن هذا الرأي لم ينفرد به بودلي، أو غيره، فإن هناك شبه إجماع عليه ( فقد استفرغ العلامة ريتان جهده، ولقي من العناء، والتعب، مبلغاً عظيماً، ليقف على حياة عيسى كاملة تامة، ومع ذلك فإن شؤون عيسى عليه السلام، وأحواله لا تزال سراً مكنوناً، في ضمير الزمن، لم يبح به لسانه بعد)(2).

لا بد من التوضيح، أن هذا الذي تقدم، لا ينال بحال من مقام السيد المسيح ، فإن السيد المسيح عاش في بيئة معادية له، سواء من اليهود الذي لبث فيهم فكفروا به ، أو من الدولة الرومانية الوثنية ذات السلطة والسطوة التي قست عليه كثيراً.

توقفت الدكتورة سارة عن الحديث قليلاً، وهي تقلب أوراقاً بين يديها، كأنها تبحث عن شيء فيها، ثم رفعت ورقة، وهي تقول أخشى أن يكون من سوء حظنا، أو ربما من سوء حظ هؤلاء العظماء، أنه تعذر علينا الإلمام بسيرهم، والوقوف على كثير من تفاصيلها، أو حتى التأكد من وجود بعضهم أصلاً.

هذه الورقة التي ترونها، مصورة من دائرة المعارف، وهي تعد عند عامة الباحثين، من أوثق المصادر في التاريخ، تتضمن هذه الصفحة كلاماً عن زرادشت، وزرادشت هذا تحدثت عنه دائرة المعارف، فكان مما قالته عنه ( يقال: إنه نبي المجوس، دعا إلى عبادة النار، والحكايات التي شاعت عنه كثيرة، وما عدا أنها بالغة في الغرابة، فهي متناقضة كمال التناقض.

لما شاخ اعتزل الناس في جبل البرزو، وبقي على عزلته حتى أدركته الوفاة )(1).

تحدثت عنه دائرة المعارف البريطانية أيضاً، فقالت: إن الأسطورة التي تشتمل على الحياة المستغربة لزرادشت، لا تدلنا على حياته دلالة واضحة، ولا تهدينا السبيل، إلى معرفته، معرفة تاريخية، بسبب ما نجد من غموض، لا ندرك معناه، وخُتم الكلام بالقول إننا لا نعلم زمن زرادشت البتة ونجهله جهلاً تاماً (2).

ختمت الدكتورة سارة محاضرتها، بالقول: لا أراني راغبة في الاسترسال بهذا الحديث، الذي ربما يبعث الأسى في النفوس، وهي تحاط بعشرات العلامات من الاستفهام، بشأن سير هؤلاء العظماء.

بودي أن اعتذر باسمي واسمكم جميعاً لهم، وأن أعاتب جهة ما، ولست بعالمة لمن العتاب، وفي النهاية لا يسعنا إلاَّ التسليم بهذه النتائج، والإقرار بتلك الحقائق.

لعل الزمن القادم يشهد فتح صفحات مطوية، ويكشف عن معلومات منسية، وإن كان التفاؤل في هذا الشأن قليلاً، إن لم يكن معدوماً، فقد مضى على وجودهم آلاف السنين، ولم نظفر إلاَّ بهذا النزر اليسير من المعلومات، فلو كان ثمة شيء لظهر.

ليس من شك في أن المعلومة الصحيحة ، والصحيحة فقط هي أساس البحث، فإن لم تتوافر بين أيدينا فإنه يتعذر علينا تقديم صورة واضحة المعالم لأية شخصية أياً كانت، ويصعب علينا أن نجعل منها مثلاً أعلى، وعلماً بها يُقتدى.

وقبل أن أغادركم، أقول لكم، وأنا أرى في وجوهكم الأسى، الذي أظن أن جزءاً منه لأجلي، وأنا شاكرة لكم هذا الشعور، أقول لكم تجمع بين يدي مقولات عديدة ، ومعلومات كثيرة متنوعة، عن واحد من عظماء البشرية، أحسب أننا سنجد فيه ضالتنا، ونحقق من خلال النظر في سيرته بغيتنا.

أضافت قائلة، ولكن هذا لا يعني بحال، المسارعة في إصدار الأحكام ، على الرغم من أني بت أطمئن لما توافر بين يديَّ من مادة علمية حول هذا الموضوع الذي يستدعي مزيداً من البحث وتتبع التفاصيل، والاجتهاد في التحليل، وأذكركم بأن الصبر جميل.

أشكر لكم حسن الاستماع، والصبر على هذه النصوص، حتى المحاضرة التالية، لكم مني خالص التحية.

ترقب المتابعون ما وعدت به د. سارة من جديد، وما ينتظر منها من تفصيل وتحليل، وافق أن استضافت الجامعة أستاذاً زائراً، ونظراً لضيق وقته، تنازلت له د. سارة عن موعد محاضرتها، تكريماً منها لهذا الأستاذ الزائر، وإن كان يرى بعض خواصها، أنها فرحت بما حدث، لتكسب مزيداً من الوقت، وقد كان لها ما أرادت.

 

--------------------------------------------------------------------------------

(1) المتلاعبون بالعقول، ص 7 ، د. هربرت أ. شيللر ، ترجمة عبد السلام رضوان، عالم المعرفة، الكويت 1999م.

(1) المتلاعبون بالعقول، ص 269 ، د. هربرت أ. شيللر ، ترجمة عبد السلام رضوان ، 1999م ، عالم المعرفة ، الكويت.

(1) من مقال منشور في المجلة العربية للتربية، مجلد 3، عدد 2، ص 47، للدكتور رجاء جارودي .

(1) عبقرية محمد، ص 52، الأستاذ عباس العقاد، ط2، 1969م، دار الفكر، بيروت

(1) الحادي عشر من أيلول ـ الإرهاب والإرهاب المضاد، ص 14، نعوم تشومسكي، ترجمة ريم منصور الأطرش، دار الفكر، ط1، 1424هـ.

(1) الرسالة المحمدية، ص 48، السيد سلمان الندوي، ط3، 1393هـ، مكتبة دار الفتح، دمشق.

(2) المصدر السابق ، ص 52.

(3) دائرة المعارف ، ج5، ص 658، المعلم بطرس البستاني، دار الفكر، بيروت.

(4) الرسول : حياة محمد، ص 6، ر. ف. بودلي ، ترجمة محمد فرج وعبد الحميد السحار، مكتبة مصر.

(1) الرسالة المحمدية، ص 51، سلمان الندوي، مكتبة دار الفتح، ط، 1973م، دمشق

(2) الرسول حياة محمد، ص 6، ر. ف . بودلي، مرجع سابق

(3) الرسالة المحمدية، ص 57، سلمان الندوي، مرجع سابق

(1) دائرة المعارف، ج9، ص198، المعلم بطرس البستاني، دار المعرفة، بيروت .

(2) دائرة المعارف البريطانية، ج، ص 193.