Get Adobe Flash player

رسالة اليوم من هدي الرسول

-          النبي في القرآن:

قال تعالى: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين واصبر وما صبرك إلا بالله)، فأمر نبيه خاصة بالصبر وترك العقاب ولو بالمثل، وهكذا كانت أخلاقه (صلى الله عليه وسلم)، يعفو ويصفح، قالت عائشة: (لم ينتقم لنفسه في شيء قط). متفق عليه.

كتاب الرحمة في حياة الرسول

إقرأ مقالا من أكبر كتاب في العالم

فضل المدينة وسكناها

أضخم عمل عن الحرمين الشريفين

شاهد المدينة المنورة مباشرة

الرئيسية
مظاهر الرحمة في شخصيته

هذه هي المحاضرة الخامسة، التي نتابعها، ونسجلها، للدكتورة سارة، وسوف تواصل كما فهمنا منها الحديث عن مظاهر رحمة نبي الرحمة (صلى الله عليه وسلم) لأصحابه.

أعزائي الحضور ــ أرحب بكم جميعاً، وأشكر لكم حضوركم بهذه الكلمات بدأت د. سارة محاضرتها، وأردفت قائلة:

إذا كان نبي الرحمة (صلى الله عليه وسلم) لم يستغل أصحابه الاستغلال الذي يؤدي إلى تحميلهم مالا طاقة لهم به، بمعنى أكثر وضوحاً، إنه لم يكن ينظر إليهم على أنهم وقود لمعركة، أو وسائل لتحقيق أهداف رحمةً بهم كما مرَّ بنا، لأنهم بالنسبة إليه هم المعركة التي يقاتل من أجلها، وما هم بوقود لها، وهم الهدف، وما كانوا يوماً وسيلة بيده، بالمعنى الذي نرى آثاره السلبية في سير كثير من القادة العظماء.

فإذا كان الأمر كذلك، وهو كذلك، فإنه كان شديد الحرص على التخفيف عنهم، وإظهار رحمته بهم، في كل أمورهم اليومية، على الرغم من شعوره الأكيد بشدة محبة أصحابه له، وقوة رغبتهم في طاعته، ومتابعته في كل ما يصدر عنه، من أقوال أو أفعال.

لقد جعل الرحمة بكل مظاهرها سمة بارزة في كل شؤون حياتهم، سواءً ما اتصل بها بعلاقاتهم مع ربهم تعالى، أو بعلاقاتهم مع النبي (صلى الله عليه وسلم) أو بعلاقاتهم مع بعضهم بعضاً، أو حتى بعلاقاتهم مع أقاربهم من غير المسلمين.

إن أول مظاهر هذه الرحمة هو الترغيب فيها، عبر نصوص واضحة دائمة، ليستقر في الأذهان، وعلى مر الأزمان، أنها هي طوق النجاة، وليس لأحد تجاوزها، أو تجاهلها.

وقد يتعذر علينا إيراد النصوص جميعها، ولكن حسبنا ما يتسع له المقام، فمنها قول الله تعالى: (يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة: 185)، وإثبات اليسر، ودفع العسر، من أبرز مظاهر الرحمة.

وكذا قول الله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (الحج: 78 )، وأية رحمة أعظم، وأظهر من تلك التي تؤدي إلى رفع الحرج والضيق عن أتباع نبي الرحمة (صلى الله عليه وسلم)، والتخفيف من الله تعالى رحمة ظاهرة: (يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ) (النساء:28)، أياً كانت صور هذا التخفيف ومظاهره.

ولقد أبلغ الله تعالى المسلمين، والنبي(صلى الله عليه وسلم) من قبل، بأن نبيهم رؤوف رحيم بهم، في قوله تعالى في وصف النبي الكريم: (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) (التوبة : 128).

ولقد رغبت في أن أنظر فيما كتبه أهل الاختصاص، في معنى هذه الآية، وفي بيان الفرق بين الرأفة والرحمة. فوجدت كلاماً جميلاً، يسعدني أن ألخصه لكم، فقد قال بعض العلماء: الرأفة هي دفع المضار، والرحمة هي جلب المسار، بمعنى أن الرأفة مقدمة، فهي من باب التخلية، ثم تكون الرحمة التي تجلب النفع، فهي إذن من باب التحلية (1)، لا بأس أن أبين إن المراد بالتخلية إزالة الشوائب والأضرار، والمراد بالتحلية تزيين النفس بالخير وما ينفعها.

وقال بعضهم، الفرق بين الرأفة، والرحمة، أن الرأفة مبالغة فهي رحمة خاصة، وهي دفع المكروه، وإزالة الضرر، كقوله تعالى: (وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ) (النور: 2)، أما الرحمة فإسم جامع يدخل فيه ذلك المعنى، ويدخل فيه الأفضال والإنعام(2)

لقد جمع الله تعالى لنبي الرحمة (صلى الله عليه وسلم) هذين الوصفين، بهذا الأسلوب، ليكشف بجلاء عن الحكمة البالغة، التي من أجلها وصف بهما النبي (صلى الله عليه وسلم)،وأنهما وصفان يبعثان الأمن والطمأنينة، في نفوس أتباع النبي، لأنهم يشعرون أنهم يعيشون في كنف من كلفه ربه أن يكون رؤوفاً رحيماً، وأن يعمل بمقتضى هذين الوصفين، فيدفع عن أتباعه الضرر والأذى والحرج، ويجلب لهم الأمن والخير والسعادة.

لقد استشعر النبي (صلى الله عليه وسلم) هذا المعنى العظيم، وهذا الوصف الكريم، فقالها صراحة لأصحابه ( إنما أنا رحمة مهداة )(3) وأنا أرى أن كلمة (مهداه ) في هذا الحديث، تشعر الإنسان بجمال الرحمة، وبمدى حاجة البشرية إليها، حتى كأنها ممن يهدى لمن يحب، فالله يحب خلقه، ولهذا أهدى إليهم النبي محمداً (صلى الله عليه وسلم) الذي استحضر هذا المعني العظيم، وعمل على تطبيقه ، ويؤكد النبي (صلى الله عليه وسلم) هذا الوصف في موطن آخر فقال ( إنما بعثت رحمة)(1) .

هذان الحديثان الصحيحان يدلان أن ثمة اتحاداً، أو تلازماً، لا ينفك بين الرحمة بكل مظاهرها، وبين شخص نبي الرحمة (صلى الله عليه وسلم) فلا يتصور والحالة هذه، أن يصدر عنه قول، أو فعل، لا تكون الرحمة أبرز سماته.

يحسن أن نذكر في هذا المقام، أن هذه الرحمة، بكل صورها، ومظاهرها، ليست خاصة بتلك الفئة التي تحيط بالنبي (صلى الله عليه وسلم)، إذ قد يتوهم أنه خصهم بهذا الوضع المتميز، لاعتبارات لا تخفى، تمليها الصحبة، والمعايشة، والرغبة في استبقائهم، والإفادة منهم، وما شابهها.

كلا ثم كلا، فإن كل ما نعم به أصحابه من رحمة، كان لكل من جاء بعدهم، النصيب الأوفى منه، وهذا ما تؤكده عموميات الأقوال، والتوجيهات، والأفعال، ولقد حدث مرة أن بعضهم سأل النبي (صلى الله عليه وسلم) عن هذه المسألة بالذات، فكان سؤاله نعمة لأن الجواب جاء بشرى.

وبيان هذا، أن رجلاً من أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم)، أصاب من إمرأة قُبْلة، فأتى النبي، فأخبره، فأنزل الله عز وجل:(وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) (هود :114) ، فقال الرجل: يا رسول الله، أليَ هذا ؟ قال: لجميع أمتي كلهم )(1).

إن النبي (صلى الله عليه وسلم) بهذا الإعلان الذي يفيض رحمة، ليؤكد أن شفقته على أتباعه عبر مئات السنين القادمة، لا تقل عن شفقته ورحمته بأولئك الذين يعيشون معه ويشاهدونه صباح مساء.

صاحبت الرحمةُ تكاليف العبادة كلها، وكانت الرحمة تحدد طبيعة هذه العبادات، وتوجهها.

أعزائي الحضور ..

تجمع لدي من خلال قراءات ومتابعات، عدد من القواعد أو المعالم التي تظهر لنا كيف أن الرحمة تفرض نفسها على التكاليف، وتؤثر فيها تأثيراً مباشراً، وهو ما سيتضح لنا من خلال استعراض هذه المظاهر(2) :

1) إن الرحمة تسقط التكليف كليةً عن الشخص، وتعفيه منه، فإن فريضة الجهاد، تسقط عن أصحاب الأعذار، كالمريض، والأعمى، والأعرج، وهذا الحكم يسجله قول الله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ) (الفتح : 17 ).

وكذلك يسقط الحج، الركن الخامس، عن الذي لا يستطيع أداءه بدنياً، أو مالياً. وهو ما يبينه قول الله تعالى: (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) (آل عمران:97 )، كما يسقط حكم التحريم، عن الأشياء المحرمة، عند الضرورة.

فمن لم يجد إلاَّ الطعام المحرم، والشراب المحرم، إن لم يتناوله عرض نفسه للهلاك، فله أن يأكل منه، ويشرب، وفي بيان هذا الحكم يقول الله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (المائدة: 3 )، إنها الرحمة تكمن وراء هذه الأحكام.

2) إن الرحمة تسقط جزءاً من التكليف، مثل قصر الصلاة للمسافر، فإن الصلاة الرباعية، تصبح ثنائية: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ) (النساء : 101 ).

ذكر المفسرون، عند هذه الآية، لفتة لطيفة جميلة، تصب في الاتجاه الذي نتحدث عنه، وكنت قد عزمت على بيانها لكم، ولكني عدلت عن هذا في اللحظات الأخيرة، وأحببت أن تستخرجوها وحدكم، من كتب التفسير، وأرجو أن أسمعها منكم وقد أشرت إليها في محاضرة ماضية، هي والأمثلة التي اقترحت عليكم البحث عنها في المحاضرة الماضية، فأنا في الحقيقة، لم أنس موضوعها، ولكني أردت أن أعطيكم فرصة للبحث.

3) إن الرحمة ترجئ القيام بهذا التكليف، إلى وقت مناسب لظروف الشخص المكلف به، مثل الصيام بالنسبة للمريض، والمسافر، فحيث إنه شاق على هذين الصنفين، فإن الله رحمة منه أذن للمسافر وللمريض أن يؤخرا الصوم، إلى وقت تزول فيه الأسباب التي يشق معها أداء هذا الركن.

4) إن الرحمة تعمل على استبدال عمل يسير بآخر عسير، فالمسافر الذي لا يجد ماءً للتطهر به، والمريض الذي لا يستطيع استعمال الماء نظراً لوضعه الصحي، أجاز الشرع لهما التيمم، وفي هذا يقول الله تعالى: ( فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (المائدة : 6 ).

كذلك بالنسبة إلى الصيام، فإن عجز الشخص المكلف عن الصيام، إما لكبر سنه، أو لمرض دائم يلازمه، يقدم طعاماً لأحد المساكين، عن كل يوم صيام، قال تعالى: ( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) (البقرة :184).

وليس يخفى أعزائي الحضور ما في هذه المراتب من مظاهر للرحمة، بادية للعيان، بل إننا نعتقد أن الرحمة كانت وراء كل هذه الأحكام، التي يسر بها الإنسان.

أعزائي الحضور الكرام ..

أود أن أذكر مسألة في هذا الموطن، وأشدد عليها، تتعلق ببعض جوانب هذه المحاضرات، التي تبدو أنها أكاديمية، تخصصية، أكثر منها ثقافية عامة، أحياناً أُوكد لكم أن هذا غير مقصود لذاته.

بيد أن الحاجة تدعو إلى بيان أن رحمة النبي (صلى الله عليه وسلم) إنما هي بناء متكامل الأركان، له أسسه، ومظاهره، ويحمل في داخله عوامل بقائه، ويغري الناس في كل زمان ومكان، إلى التوجه إليه، والتفاعل معه، بخلاف ما رأينا من مظاهر رحمة ارتبطت ببعض العظماء، والتي لم تعدُ أن تكون كلمة عابرة، أو موقفاً آنياً، أو سلوكاً شخصياً لا تقوى على البقاء، ولا تسهم في البناء الحضاري للبشرية.

وتحسن الإشارة هنا، إلى أن النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يكتف ببيان هذه الأحكام لأتباعه، وإنما حرص على الترغيب فيها، بالقول، حين قال لأصحابه وهم يسألونه عن إحدى الرخص في العبادات ( صدقة تصدق بها عليكم فاقبلوا صدقته) (1)، وبالفعل كذلك، حين كان مسافراً مع أصحابه في رمضان، فدعا بماء، فرفعه بيديه إلى أعلى حتى يراه الناس، ثم شرب منه(2). وكأن الهدف ترويض النفوس، وحملها على الرحمة، حملاً لتصبح سجية.

إن هذا المنهج، الذي سلكه النبي (صلى الله عليه وسلم) نابع من شدة رحمته بأصحابه، وبمن سيأتي بعدهم، حتى لا يشدد أحد على نفسه، ويتوهم أن ترك هذه الرخص أفضل، وهو ما دفع النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى عدم الاقتصار على بيان الحكم فقط، وإنما تابع تنفيذه، بوسائل عدة، وغضب أحياناً، وعتب على من لا ينعم بهذه الرحمة المهداة لهم من الله الرحيم على لسان نبيه، الذي هو رحمة مهداة أيضاً، وهل تهدى الرحمة إلاَّ رحمة، ومن الرحمة أن نستريح قليلاً.

أهلاً بكم أعزائي الحضور، وأود في بداية النصف الثاني من هذه المحاضرة، أن أصارحكم بأنني في غاية السرور من حرصكم على الحضور، فقد كنت أخشى أن يبدأ العدد بالتناقص بعد عدة محاضرات، بخاصة من أولئك الذين لا يهدفون إلى تقديم شهادة الحضور، التي تمنح لهم إلى جهة علمية، للإفادة منها. فلكم جميعاً مني الشكر، والتقدير، وآمل أن تنمو هذه الثقة، المتبادلة بيننا، لأنها عزيزة وغالية، بخاصة في وقت يعاني كثيرون من أزمة ثقة في مواطن عدة.

أعزائي :

ما زال الحديث موصولاً، عن مظاهر رحمة النبي (صلى الله عليه وسلم) بأتباعه سواءً من كان منهم معاصراً له، أو من سيأتي بعد مئات السنين.

ولكن قبل أن أبدأ، أود أن أتيح الفرصة لمن يرغب أن يعرض ما لديه، من أمثلة سبق أن اقترحت أن تأتوا بها، في المحاضرة الماضية، حول رحمة النبي (صلى الله عليه وسلم) بأصحابه.

رفع أحد الحاضرين يده، وهو جالس، وقد تنبهت إلى أنه يستعمل كرسياً متحركاً، فبشت في وجهه، واستمعت له بانصات، فقال: قرأت أن نبي الرحمة (صلى الله عليه وسلم) رأى رجلاً كبيراً في السن، يمشى بصعوبة، وهو يتوكأ على ولديه، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) ما بال هذا الشيخ، قالوا: (لقد نذر وقرر أن يمشي إلى الحج ماشياً، فأنكر النبي (صلى الله عليه وسلم) هذا المسلك، وقال إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني، وأمره أن يركب)(1).

شكرت د. سارة المتحدث، وقالت: ما رأيكم أن نصوت على الأمثلة التي نسمعها، برفع الأيدي، فوافق الحضور، كل بطريقته، عندها قالت من يوافق على إدراج هذه الحادثة ضمن أمثلتنا، فرفع غالبية الحضور أيديهم بالموافقة.

فوجدتها فرصة أخرى مناسبة لتتجه مرة أخرى إلى المتحدث، نظراً لظرفه الخاص، وتكرر الشكر له، قائلة له من باب المداعبة، لقد فزت بالجائزة الكبرى، في هذه المحاضرة، وهي ثقة الحاضرين بك، فأبدى سروره، وشكرها هي والحاضرين.

ثم أتاحت الفرصة لمتحدث آخر، فقال: وجدت قصة مماثلة لقصة سبق ذكرها، وهي أن صحابياً يدعى أبا ذر قدم على النبي (صلى الله عليه وسلم) وهو في مكة، في بداية دعوته، وأعلن إسلامه، وعرض على النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يبقى معه، فنصحه النبي (صلى الله عليه وسلم) بالعودة إلى بلده، لأنه لن يطيق الوضع في مكة، رحمة به وشفقة عليه(1).

أعتقد أن الدافع إلى هذه النصيحة من الرسول (صلى الله عليه وسلم) هي رحمته به بخاصة أنني أحببت أن أعرف المزيد عن هذا الصحابي، فمر بي أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال له في بعض المواطن، إنك امرؤ ضعيف(2) ، وهو ما يؤكد ما ذكرته.

اتجهت د. سارة إلى الحضور، تستطلع آراءهم، فأبدوا موافقتهم على إدراج هذا المثال ضمن الأمثلة التي تدل على رحمة النبي (صلى الله عليه وسلم) بأصحابه.

سألت الحضور من لديه الرغبة في أن يزيدنا شيئاً، وهنا رفعت إحدى الحاضرات يدها، قائلة: أنا رجعت إلى تفسير الآية التي تتحدث عن قصر الصلاة، وبحثت عن اللفتة الجميلة التي تحدثت عنها، وأظنني وجدتها.

سرت الدكتورة سارة بهذا ، وقالت: تفضلى بذكرها. فقالت: قرأت في كتب التفسير النص التالي: أن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، إن الله يقول: ( إن خفتم )، وقد أمن الناس؟ فقال له عمر عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال :( صدقة تصدق بها عليكم، فاقبلوا صدقته)(1) ، بادرتها د. سارة قائلة: لقد أصبت وأحسنت، إن هذا ما أردت قوله.

ذلك أن التخفيف في بداية الأمر من عدد ركعات الصلاة، كان بسبب خوف المسلمين من أعدائهم في أثناء السفر، أو القتال.

كان يتوقع بعض الصحابة أن يلغى هذا الحكم بعد أن زال خطر أعدائهم، وأصبحوا آمنين.

لكن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال لهم حتى بعد الأمن، وزوال الخطر، فإن الحكم باق على حاله، صدقة من ربكم، وهدية لكم رحمة منه، وهو ما يؤكد أن الرحمة مقصودة لذاتها في التكاليف الشرعية.

أعزائي الحضور ..

التدرج في التشريع، من أبرز مظاهر الرحمة، التي استرعت انتباهي، في سيرة نبي الرحمة (صلى الله عليه وسلم)، ولقد شد إعجابي كثيراً، فأنا لا أعلم له مثيلاً، واسمحوا لي أن أذكر لكم تعريفاً للتدرج، حتى تصبح دلالته حاضرة في الأذهان، فإن فعل درج في اللغة يعني البدء بالمشي قليلاً قليلاً، ولهذا يقولون درج الطفل، عندما يبدأ يتعلم المشي، ويخطو خطواته الأولى ببطء وحذر(2).

من هذه الدلالة، أخذ المعنى الذي نقصده، في محاضرتنا هذه، فنحن نعني به ( التقدم بالمدعو شيئاً فشيئاً للبلوغ به إلى غاية ما طلب منه، وفق طرق مشروعة مخصوصة)(1) .

إن المتابع لتوجيهات نبي الرحمة (صلى الله عليه وسلم) لأتباعه، يرى بكل وضوح منهج التدرج هذا، فلقد كان يأخذ بأيديهم، كما تأخذ الأم الحنون بيد ولدها، وهي تعلمه المشي في خطواته الأولى.

إذا كانت الرحمة هي التي دفعت الأم إلى التلطف مع ولدها، وهي تعلمه المشي خوفاً عليه، وترفقاً به، وهذا لا خلاف فيه بين الناس جميعاً، فاعلموا أن الرحمة نفسها هي التي حملت النبي (صلى الله عليه وسلم) على أن يتدرج مع أصحابه في الأحكام.

ليس يخفى عليكم أن العادة عندما تتحكم في الإنسان، يكون من العسير عليه التخلص منها، أو حتى إدخال تعديلات عليها، ويبدو أن الأمر كما قال بعض من كتب في علم الأخلاق، بأن العادة تغرس جذورها عميقة في الجهاز العصبي(2). وهذا يعني أن التدرج في التشريع، هو تدرج في التربية الأخلاقية.

فقد جاء نبي الرحمة (صلى الله عليه وسلم) بهذا الدين، وما تضمنه من تكاليف، وتوجيهات، والبشرية كلها أسيرة عادات، وضحية شهوات، شب على بعضها الصغير، وشاب عليها الكبير، فكان لابد والحالة هذه، من أخذ هذا الوضع بعين الاعتبار، حين العمل على تصحيح المسار، الذي كانت تسلكه البشرية التائهة بلا وعي.

لما كان يصعب علينا تتبع مظاهر التدرج في المنهج النبوي، لكثرتها وتنوعها، فإني استأذنكم في الاقتصار على قضية واحدة، وأحسبها دليلاً واضحاً، على ما ذهبنا إليه، تلكم هي قضية تحريم الخمر.

وأود أن أحتاط لنفسي، وأبين أن عرض هذه القضية، ليس غاية في ذاته، وإنما عرضت لها باعتبارها وسيلة لغاية، وأنموذج لمنهج، فليس من منهجي بحث مسائل كهذه، في محاضراتي الثقافية، بيد أن الحاجة تدعو للكشف عن منزلة الرحمة في هذه القضية، ودورها في معالجة كثير من مشاكل المجتمعات، بأسلوب غير معهود، يمكن أن تنتفع به البشرية في الحاضر كما انتفعت به في الماضي.

يغلب على ظني أن الخمر آفة كل عصر، منذ مئات السنين، وأخشى أن أقول بل آلاف السنين، فأطالب بالدليل، وهو ليس بين يدي الآن، ما من شك، أن شرب الخمر عادة سيئة، بكل المقاييس، لم تكد تسلم منها المجتمعات منذ القدم ( فقد تنوقلت على مدى الزمن، من جيل إلى جيل، وغرست جذورها عميقة في الجهاز العصبي، بل وفي كيان أولئك الذين مردوا عليها، وأدمنوها)(1).

ظهر نبي الرحمة (صلى الله عليه وسلم) في بيئة تعظم الخمر وتفاخر بتعاطيه، ويمكن القول بأنه لم يكد يسلم أحد من رجالها من تعاطي الخمر، إلاَّ أشخاصاً معدودين على الأصابع، حفظ التاريخ لنا ذكرهم، بسبب مخالفتهم لقومهم، وخروجهم على المألوف في حياتهم، وأحفظ من هؤلاء أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) الخليفة الأول للنبي (صلى الله عليه وسلم) فإنه لم يشرب الخمر في حياته، لا في جاهلية، ولا في إسلام.

ولا أدل على تمكن الخمر من النفوس، وتحكمها في مدمنيها، من قصة الشاعر الكبير الأعشى، فقد أعجب بدعوة نبي الرحمة (صلى الله عليه وسلم) وقرر السفر إليه، وإعلان إسلامه، فخشيت قريش إن أسلم أن يمدح النبي (صلى الله عليه وسلم) بقصيدة تجعل الناس يسارعون إلى الإيمان به، لشهرة هذا الشاعر.

فقرر أهل قريش، إغراءه حتى يعدل عن رأيه، فقابله أبو سفيان، زعيم قريش آنذاك، وقال له، أين أردت يا بابصير؟ قال أردت صاحبكم هذا لأُسلم، قال أبو سفيان، إنه يحرِّم عليك أموراً إن أسلمت، قال ما هي: قال: الزنا، قال: لا حاجة لي به، قال: ثم ماذا، قال: يحرِّم عليك القمار، قال: لعلي إن لقيته آخذ منه ما يعوضني عن القمار، قال: وينهى عن الربا، قال: ما دنت ولا أدنت، فلا يعنيني هذا الأمر. قال أبو سفيان، فإنه يحرِّم الخمر، وهنا توقف الأعشى، وقال: أوه ارجع إلى بلدي فأشربها بقية السنة ثم آتيه، فعاد إلى بلده، فمات في الطريق (1).

لا يتصور بحال أعزائي الحضور، أن الله تعالى الرحيم بخلقه، ينزل على نبي الرحمة (صلى الله عليه وسلم) ديناً، لا تكون من أبرز غاياته، تحريم الخمر، ولكن ما السبيل إلى تحريمه، وتخليص المجتمع من أضراره، التي لا تعد ولا تحصى.

الرحمة تقتضي تحريمه، والرحمة نفسها تدعو إلى النظر في مكانة الخمر في نفوس الناس، فكان لابد من إتباع خطة محكمة في سبيل تحقيق هذا الهدف السامي، لا يكون من معالمها إصدار حكم فوري، وقطعي بتحريمها، إذ لو حصل هذا، لما أمكن حمل الناس على العمل به.

وهذا ما أدركته السيدة عائشة زوج النبي (صلى الله عليه وسلم) حين قالت ( إنما نزل أول ما نزل منه ـ أي من القرآن ـ سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر، لقالوا لا ندع الخمر أبداً ..)(1).

يكشف لنا حديث السيدة عائشة، عن أمر ذي أهمية، ظاهرة يشهد له الواقع، وتؤيده الوقائع، وهو تأخر نزول القرآن الذي يتضمن الحديث عن التكاليف، والحلال والحرام، إلى أن تمكن الإيمان من النفوس، واطمأن الناس إلى هذا الدين، واستشعرت قلوبهم مدى رحمة النبي (صلى الله عليه وسلم) بهم ، وشدة حرصه عليهم.

اسمحوا لي أن أعرض لكم معالم التدرج في تحريم الخمر، والخطوات التي مرَّ بها هذا التحريم، وأرجو منكم متابعتي، وتلمس مظاهر الرحمة في هذا العرض.

كثر الحديث في بداية نزول القرآن، عن الثواب والعقاب، فرغب في خمر الجنة، وحببه إلى النفوس، حين وصفه القرآن بأنه يخلو من السلبيات الموجودة في خمر الدنيا: (فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ *عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ * يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِن مَّعِينٍ * بَيْضَاء لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ * لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ) (الصافات:43-47)، فالخمر في الجنة لا تذهب بالعقول، ولا تفسد الأجسام، ولا تغتال صاحبها، وتقضي عليه(1)، فهي في الجنة شراب لذيذ: (وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ) (محمد:15 ).

لعلكم تلاحظون معي أعزائي الحضور، أن الآيات مدحت خمر الجنة، لكنها لم تذم خمر الدنيا، ولعلها تركت المقارنة لأصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) الذين يسمعون هذا الكلام.

خطا القرآن الكريم بعد هذا خطوة أخرى، ورأيت كثيراً من العلماء يعدونها الخطوة الأولى في رحلة التحريم.

يقول العلامة دراز ( تمت الخطوة الأولى في هذه الطريق، في كلمة نزلت بمكة، كلمة واحدة مست المسألة مساً رقيقاً، فمن بين الخيرات التي استودعها الله في الطبيعة، يذكر القرآن " ثمرات النخيل والأعناب" ويضيف إليها : (وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (النحل : 67 )، فهو لم يقصد إلاَّ إلى الموازنة، بين السكر والثمرات الأخرى، التي يصفها بأنها حسنة، دون أن يصف هذا السكر نفسه، وبذلك صار لدى المؤمنين دافع إلى الإحساس ببعض التحرج والوسوسة تجاه هذا النوع من الشراب)(2).

وأنا بهذه المناسبة، اعتذر إليكم، بسبب بعض النصوص التي أوردها أحياناً، والتي يصعب استيعابها استيعاباً كاملاً في هذه العجالة، ولكني أعدكم بأن تكون بين يديكم، ليكون لكم معها وقفة أخرى.

ونحن بهذه المناسبة أيضاً، نستعمل هذا الأسلوب القرآني اللطيف، فعندما أقابل اثنين من طلابي في نهاية الفصل الجامعي، وكانا قد قدما الاختبار، ثم يسألاني عن النتيجة، فأقول للذي نجح في الاختبار أحسنت، لقد اجتزت الاختبار، ثم لا ألتفت إلى الثاني، ولا أقول له شيئاً أبداً، وأعتقد حينها أنه سوف يفهم هذه الرسالة اللطيفة، والتي فيها مظهر من مظاهر الرحمة، حيث لم أشأ أن أواجهه بالنتيجة المؤسفة.

إن القرآن في هذه الآية، وصف الرزق بأنه حسن، وسكت عن وصف الخمر بشيء، فاستقر في وجدان أتباع نبي الرحمة (صلى الله عليه وسلم) أن الخمر ليس حسناً بحال، ولكن لا شيء آخر بعد هذا.

وتمضي سنوات معدودة، وإذا بالقرآن الكريم يوظف حادثة ذكرها أهل الحديث والتفسير(1)، مفادها أن الصحابي عبد الرحمن ابن عوف (رضي الله عنه) صنع طعاماً ودعا الناس إليه، وقدم إليهم خمراً فشربوا، ثم حانت الصلاة فقدموا أحدهم ليصلي بهم، فأخطأ في قراءة القرآن، بسبب شربه للخمر، فأنزل الله تعالى عندها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ) (النساء: 43). فالله تعالى لم يوجه في هذه المرحلة إلى عدم الشرب، وإنما نهى عن القرب من الصلاة حال الشرب.

جاءت هكذا الخطوة الثانية، لمحاصرة الخمر، وتضييق الوقت على من يرغب في تناولها، فإن الصلوات لم يعد يناسبها شرب الخمر، والصلوات تكاد تغطي اليوم والليلة، ( وهكذا كان هذا التحريم الجزئي، غير المباشر منهجاً علمياً لتوسيع فترات انقطاع التأثير الكحولي، وفي نفس الوقت، تقليل رواج الأشربة، وتجريدها من سوقها بالتدرج، دون إحداث أزمة اقتصادية، بالتحريم الشامل المفاجئ)(1).

بدأت علاقة الصحابة بالخمر في الانحسار، بعد أن جعلها القرآن مضادة للصلاة، وبعد ما فرض عليها من حصار، مما جعل بعضهم يتساءل عن حكمها، فجاء الجواب من الله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا) (البقرة : 219).

هذا النص القرآني صريح، في أن مضار الخمر أكثر من منافعه، واسمحوا لي أن ذكر لفتات جميلة في هذه الآية، فقد قدَّم الإثم على النفع، كأنه هو الأصل، ووصف الإثم بأنه كبير، ولم يصف المنافع بشيء ، وهذه نفحات من رحمات، لأنها تسهم في التنفير من الخمر.

يبدو لي أن الأمر بدأ يتضح وحده، وبدأ ينمو شعور لدى الصحابة، بالنفور من الخمر، ما دامت هذه حالها، وكانوا يتوقعون في أية لحظة حكماً صريحاً بتحريمها، بعد ما تقدم من إرهاصات، حتى وجد عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) الخليفة الثاني للنبي نفسه وهو يرفع صوته بالدعاء قائلاً ( اللهم بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً)(2).

لقد دلت بعض الروايات أن الصحابة بدأوا بالتخلص من الخمر قبل نزول تحريمها، حتى قال عبد الله بن عمر (رضي الله عنه) ( لقد حرّمت الخمر وما بالمدينة منها شيء)(3)، وهو قطعاً لا يقصد التعميم الكامل، ولكن يفهم منه أن الخمر لم يَعُد لها وجود، كما كانت من ذي قبل، كأنهم اجتنبوها قبل أن يُطلب منهم هذا .

بدأ الصحابة وكأنهم على موعد مع حكمٍ ما قادم إليهم، وقد تهيأت نفوسهم لقبوله، بل تتشوق إليه، وكأنها تطالب به، إنه التحريم، وقد كان فعلاً حين نزل قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (المائدة : 90 ).

لقد تم التحريم، وتم الاجتناب، بطريقة غاية في العجب، آية في دقة التنفيذ، وسرعة الاستجابة، واسمحوا لي أعزائي الحضور أن استضيف الصحابي أنس بن مالك لينقل لنا الصورة كاملة ، لهذا الحدث العجيب المهيب.

قال كنت أسقي أبا عبيدة بن الجراح، وأبا طلحة الأنصاري، وأُبيَّ بن كعب شراباً من فضيح وتمر، قال: فجاءهم آت ، فقال: إن الخمر قد حرمت، فقال أبو طلحة: يا أنس ، قم إلى هذه الجرار فاكسرها، قال: فقمت إلى مهراس ـ يعني حجراً ـ لنا فضربتها بأسفله حتى كسرت )(1). وفي رواية، فأمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) منادياً: ألا إن الخمر قد حُرمت ، فقال لي أبو طلحة، اخرج فاهرقها، فخرجت فهرقتها، فجرت في سكك المدينة(2).

أمامي تعليق جميل للدكتور العلامة دراز ، اسمحوا لي أن أسمعكم إياه، يقول ( هذا المسلك اليسير المتدرج، يدعونا إلى أن نتذكر الطريقة التي يستخدمها الأطباء المهرة، لعلاج مرض مزمن، بل أن نتذكر بصفة عامة، المنهج الذي تلجأ إليه الأمهات لفطام أولادهن الرضع).

ذلك أن هذه الوسائل، التي خلت من العنف، والمفاجأة، تدعو الجهاز الهضمي إلى أن يغير نظامه شيئاً فشيئاً، ابتداءً من أخف الأطعمة، حتى أعسرها، ماراً بجميع الدرجات الوسيطة، ألا ما أعظم رحمة الله ، التي ترفقت بالعباد، على نحو لم يبلغه فن العلاج، ولا حنان الأمهات)(1). ما أجمل هذا القول، وما أصدقه.

أعزائي الحضور ..

كنت سأنهي حديثي عن الخمر بهذا الكلام، بيد أني آثرت أن أعرض لكم بإيجاز صورة مقابلة، لما سبق بيانه، إنه القانون الأمريكي لتحريم الخمر، لنرى كيف بدأ، وكيف انتهى؟

فقد صدر سنة 1933، قانون تحريم الخمور في أمريكا، وألحق بالدستور المادة الثامنة عشرة الإصلاحية، التي تتضمن هذا التحريم، والإجراءات التي ينبغي اتخاذها لتنفيذه، وما أن صدر القانون حتى نشطت تجارة الخمور السرية.

صارت تباع أنواع من الخمر مضرة بالحياة، وانتشرت الأماكن السرية، التي تصنعها، وتبيعها، وازدادت مراكز البيع غير القانوني، فقبل قانون التحريم، كان عدد مصانع الخمور قرابة أربعمائة مصنع، وبعد سبعة أعوام من تحريمه، صار عدد هذه المصانع قرابة ثمانين ألف مصنع.

وانتشر شرب الخمر بين جميع فئات الشعب، وشمل جميع مناطق البلاد، بما فيها القرى، والأرياف، وتصاعدت أرقام الجرائم، والحانات.

وفقاً لإحصاءات ديوان القضاء الأمريكي، فقد تم تنفيذ حكم الإعدام في قرابة مئتي شخص، وزادت الجرائم بين الأطفال، حتى أعلن قضاة أمريكا: أنه لم يكن من المعهود سابقاً أن يقبض على هذا العدد من الأطفال في حالة السكر.

لقد دلت تقارير الشرطة، أن عدد المدمنين من الأطفال، ارتفع إلى ثلاثة أضعاف ما كان عليه قبل التحريم، وتضاعف عدد الوفيات.

على أثر هذا الفشل، ونتيجة لهذه الخسائر في الأرواح، والأموال، تراجعت الدولة عن القانون، وسمحت بإنتاج الخمور، التي تقل نسبة الكحول فيها عن 33%، ثم صدر في السنة نفسها، إعلان رسمي، ألغيت بموجبه المادة الثامنة عشرة، التي تحرم الخمر، وعاد الخمر كما كان، بعد تجربة فاشلة، خاضتها الحكومة الأمريكية، بكل إمكاناتها، مدة أربعة عشر عاماً (1).

وقد علق أحد العلماء الأمريكان على هذا بقوله ( إن قرار منع الخمر لم يُلغ على أساس أن الخمر جيدة، أو سيئة ضارة أو غير ضارة، إن القرار أُلغي على أساس واقعي هو أن المنع قد فشل )(2).

ربما توسعت في الحديث عن موضوع الخمر، ولكني تعمدت هذا، رغبةً مني في الكشف أولاً عن مظاهر الرحمة التي أدت إلى القضاء عليه في المجتمع الإسلامي، في مقابل مظاهر القوة التي فشلت في منعه.

وإذا كانت الرحمة قد ظهرت جليَّاً في التدرج في تحريم الخمر، فإن الرحمة نفسها كانت أظهر في التحريم نفسه، فقد اطلعت على موقع طبي يتحدث عن الأضرار التي تحدثها الخمر بالجسم، فرأيت شيئاً مرعباً، أود أن أذكر لكم بعض هذه الأضرار باختصار:

(1) إتلاف خلايا المخ.

(2) إتلاف الكبد.

(3) هبوط عملية التنفس.

(4) انخفاض المناعة في الجسم.

(5) تؤدي إلى هشاشة العظام.

(5) الإصابة بقرحة المعدة والسرطان.

وغير هذا من الأمراض الصحية التي لا يتسع المقام لسردها ، إضافة إلى الأضرار الاجتماعية والاقتصادية التي لا تخفى عليكم، فكان هكذا التحريم رحمة بالناس.

إن البشرية المعاصرة بحاجة ماسة إلى سيف الرحمة ـ المصاحب للتدرج ـ ، الذي شهره النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) في وجه الخمر حتى قضى عليها بكل لطف ومحبة.

 

أعزائي الحضور ..

اختم بالقول بأن التدرج بالتشريعات والأحكام ، كان سمةً بارزةً من سمات هذا الدين، الذي بعث به النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، فهو لم يقتصر على الخمر فقط، فقد كان التدرج في أحكام أخرى مثل الصيام، والزكاة، وبعض المعاملات ومنها الربا، كما يرى بعض من قرأت لهم من العلماء.

فالصيام في أول الأمر كان اختيارياً، ثم لما تعود الناس عليه، صار ملزماً لهم، وأصبح الصيام فرضاً. في قول الله تعالى: (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (البقرة :185).

والزكاة كذلك كانت في العهد المكي، مطلقة من القيود، وكانت موكولة إلى إيمان الناس وشعورهم، بواجب الأخوة نحو إخوانهم المؤمنين، فكان يكفي في ذلك إخراج القليل من المال، وقد تدعو الحاجة إلى بذل الكثير(1)، ثم في السنة الثانية من الهجرة، صارت الزكاة فرضاً وركناً من أركان الإسلام، بحدودها وشروطها، وأنصبتها، ومستحقيها.

وهكذا تبدو الرحمة مصاحبة لهذه الأحكام، والتشريعات، وكانت حاضرة في كل خطوة خطاها النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) وهو يأخذ بيد البشرية للبلوغ بها إلى السمو الأخلاقي.

ليس يخفى عليكم ذلك التلازم والتكامل بين رحمة الله تعالى، حين شرع هذه الأحكام الرحيمة، وبين رحمة النبي (صلى الله عليه وسلم) الذي تلقاها، ليعمل على تنفيذها بكل لطف ورحمة.

أعزائي الحضور ..

قبل أن أختم محاضرتي، اعتذر إليكم، لأني أطلت عليكم قليلاً، لكني رغبت أن أستكمل هذا الموضوع المترابط، أكرر شكري، وإلى لقاء آخر.

 

--------------------------------------------------------------------------------

(1) انظر الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، ج1، ص 471، أبو البقاء الكفوي، تحقيق عدنان درويش ومحمد المصري، مؤسسة الرسالة ، بيروت

(2) انظر التحرير والتنوير، ج1، ص 441، ابن عاشور

(3) أخرجه الحاكم في المستدرك، ج1، ص 91، وأخرجه الدارمي في السنن، ج1، ص 21، وصححه الألباني في صحيح الجامع، ج1، ص 411

(1) رواه مسلم، باب النهي عن لعن الدواب وغيرها، ح 6613

(1) رواه البخاري، باب الصلاة كفارة، الحديث رقم 526

(2) انظر دستور الأخلاق في القرآن، ص 80 فما بعده، د. دراز

(1) رواه مسلم، باب صلاة المسافرين وقصرها، ح 686

(2) رواه البخاري، باب الصوم في السفر والإفطار، ح 1944

(1) رواه ابن ماجة، باب من نذر أن يحج ماشياً، ح 2135، وهو حديث صحيح، انظر سلسلة الاحاديث الصحيحة، ج2، ص 205

(1) رواه مسلم، باب فضائل أبي ذر، ح 2473

(2) رواه مسلم، باب كراهية الإمارة بغير ضرورة، ح 1825

(1) رواه مسلم، باب صلاة المسافرين وقصرها، ح 686

(2) انظر المعجم الوسيط، ج1، ص 277، د. إبراهيم انيس وآخرون بتصرف

(1) التدرج في دعوة النبي (صلى الله عليه وسلم)، ص 17، إبراهيم المطلق، ط1 1417، مركز البحوث والدراسات الإسلامية.

(2) دستور الأخلاق في القرآن، ص 83، د. دراز

(1) دستور الأخلاق في القرآن، ص 83، د. دراز

(1) انظر البداية والنهاية، ج4، ص 250، ابن كثير، تحقيق د. عبد الله التركي، ط1، 1997م، دار هجر ، الرياض

(1) رواه البخاري، باب تأليف القرآن، ح 4993

(1) محاسن التأويل، ج8، ص89 بتصرف، جمال الدين القاسمي، 2003م، دار الحديث ، القاهرة ، تحقيق أحمد بن علي وحمدي صُبح

(2) دستور الأخلاق، ص 83، مرجع سابق

(1) الترمذي ـ كتاب التفسير ـ حديث رقم 3026، التحرير والتنوير، ج5، ص 60، ابن عاشور

(1) دستور الأخلاق، ص 84، 85، د. دراز

(2) انظر التحرير والتنوير، ج7، ص 21، مرجع سابق

(3) رواه البخاري، باب الخمر من العنب وغيره، ح 5579

(1) رواه مالك في الموطأ، باب تحريم الخمر، ح 1599، ص 517

(2) انظر البخاري، كتاب المظالم، باب صب الخمر في الطريق، ج 2464

(1) دستور الأخلاق في القرآن، ص 85، د. دراز

(1) انظر الخمر في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة، ص 172، د. فكري عكار، ط1، 1977م

(2) المرجع السابق، ص 175

(1) فقه الزكاة، ج1، ص 77 بتصرف، د. يوسف القرضاوي