Get Adobe Flash player

رسالة اليوم من هدي الرسول

-          حمايته جانب التوحيد:

عن زيد بن خالد قال: خرجنا مع رسول الله  صلى الله عليه وسلم  عام الحديبية، فأصابنا مطر ذات ليلة فصلى لنا الصبح ثم قال: أتدرون ماذا قال ربكم؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فقال: قال الله: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب. متفق عليه.

 

 

كتاب الرحمة في حياة الرسول

إقرأ مقالا من أكبر كتاب في العالم

فضل المدينة وسكناها

أضخم عمل عن الحرمين الشريفين

شاهد المدينة المنورة مباشرة

الرئيسية
مظاهر الرحمة في شخصيته

بدأت الدكتورة سارة محاضرتها السادسة، قائلة للحضور، أحييكم أجمل تحية، وأشكر لكم تجمعكم هذا، ويسرني أن أواصل معكم عرض مشاهد رحمة النبي (صلى الله عليه وسلم) بأتباعه، حيث إن ثمة جوانب مهمة لم نعرض لها، تتصل باستحضار الرحمة في أثناء العبادات، وأثرها في هذه العبادات نفسها، وهو ما تحدثنا عنه في المحاضرة السابقة.

لكني أود في هذه المحاضرة أن أتوسع في الأمثلة، لبيان أن هذه الرحمة لم تغب عن أيٍ من مظاهر العبادة ، ثم نتحدث عن العدل الواجب والرحمة الواجبة حين يتلازمان.

فإنه على الرغم مما مرَّ بنا من مظاهر واضحة لهذه الرحمة، من مثل التدرج في الأحكام، ودخول تعديلات على بعضها بسبب ظرف طارئ، وعلى الرغم من أن النبي (صلى الله عليه وسلم) وهو يبين هذه التشريعات، كان يستحضر طبيعة النفس البشرية، واحتياجاتها، على الرغم من حصول هذا كله، إلاَّ أن رحمة النبي (صلى الله عليه وسلم) لم تقتصر على هذه الجوانب، بل تعدتها إلى غيرها.

نعم لقد تجاوزتها، لتشمل ممارسة الرحمة، ليستقر في وجدان كل إنسان، أن الرحمة ليست مجرد كلمة، أو شعور، ينتاب المرء، وإنما هو سلوك، وواقع له مظاهره.

لقد كان أحب شيء إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) الصلاة، ومناجاة الله، ولكن يا للعجب حين ترى النبي (صلى الله عليه وسلم) يقصر من صلاة كان يصليها بالناس، وإذا به بعد الانتهاء منها، يبين لهم لماذا قصر من صلاته، فقال: ( إني لأدخل في الصلاة أريد أن أطوِّل فيها، فاسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه)(1).

لم تكن هذه حالة واحدة، وإنما كان هذا المسلك منهجاً، وقد أكد هذا خادمه الملازم له أنس، حين قال: إن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يسمع بكاء الصبي، وهو في الصلاة، فيقرأ بالسورة القصيرة، والسورة الخفيفة(2).

صلوات يشهدها مئات من أصحابه، يرغبون كلهم كما يرغب النبي (صلى الله عليه وسلم) بإطالتها، لكن بكاء طفل صغير مع أمه شهدت الصلاة، يجعل النبي (صلى الله عليه وسلم) يوجز فيها، رحمةً منه بالأم، لعلمه بشدة شفقتها، ورحمة بالطفل الذي يبكي، لأنه لا يحتمل سماع بكاء الأطفال.

يدل على هذا ما روي من أن النبي (صلى الله عليه وسلم) مرَّ بيت ابنته فاطمة الزهراء، فسمع الحسين يبكي، فقال لفاطمة: ألم تعلمي أن بكاءه يؤذيني(3) ،إنه درس عملي في الرحمة، يحرص النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يعايشه أصحابه.

عندما بلغه أن أحد أصحابه يصلي في جماعة من الناس، ويطيل في صلاته، عتب عليه كثيراً وقال: (أيها الناس، إنكم منفرون ، فمن صلى بالناس فليخفف، فإن منهم المريض، والضعيف، وذا الحاجة)(1).

إن رحمة النبي (صلى الله عليه وسلم) هي التي حملت على استحضار هذه الأصناف، ودعت النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى أن يطلب ممن يصلى بالناس أن لا يطيل، مراعاة لظروف من سماهم.

لاحظت الدكتور سارة أثناء حديثها، أحد الحاضرين، وقد التفت إلى زميله، وهمس في أذنه بكلمة، ثم تبسما، وهنا توقفت عن الكلام، فنظرا إليها فتبسمت بدورها، وقالت: هل من شيء يمكن أن نسمعه منكما، فقال أحدهما: كنت بصراحة أقول لصاحبي، كان يمكن أن يطلب النبي (صلى الله عليه وسلم) من المرأة وصبيها، ومن أصحاب الأعذار، أن لا يحضروا للصلاة، حتى يصلى هو وأصحابه على الهيئة التي يحبون، ولا يضطر إلى ما اضطر إليه، في فعله وقوله.

توجهت د. سارة إلى جمهور الحاضرين، قائلة لهم: ما رأيكم بما سمعتم، فلم يتكلم أحد، إلا واحداً قال: هي على أية حال، وجهة نظر، ولكننا لا نعلم طبيعة الظروف آنذاك، وملابسات الموقف.

شكرت الدكتورة سارة الذين أبدوا وجهات النظر هذه، وقالت: سرني هذا الطرح، لأنه فتح المجال لأبين مسألة مهمة، وهي أننا أحياناً، نحكم على بعض الأحداث، ونحللها ونحدد موقفنا منها، في ضوء ثقافتنا المعاصرة، متأثرين بالمحيط الذي نعيشه، وما فيه من أحداث متتابعة، ومواقف متلاحقة، وهو ما يمكن أن يسمى بالمنهج الانطباعي، والمنهج الاسقاطي.

لقد انتشرت بيننا عبارات غالباً ما تُغيَّب الرحمة معها من مثل مصلحة الجماعة مقدمة على مصلحة الفرد، والحالة الشاذة لا حكم لها، ولا يلتفت إليها، الفرد وقود المجتمع، وهو عجلة في عربته.

إن هذه الثقافة بمضامينها، تجعلنا نتعجب كثيراً من تصرفات النبي (صلى الله عليه وسلم) هذه، وهي في حقيقة الأمر، مكمن العظمة، ورمز الرحمة، للفرد والجماعة على حد سواء.

لقد وسعت رحمة النبي (صلى الله عليه وسلم)، الأفراد من حيث هم واحداً واحداً، واستوعبت مصلحة الجماعة من حيث هي كذلك. فإن مصلحة الجماعة معتبرة ولاشك، ولكن مصلحة الفرد غير مهملة أيضاً، وينبغي من باب رعاية المصالح، وإعمال الرحمة، بذل غاية الوسع لكي لا يطغى حق على حق.

إن وجهة النظر التي سمعناها آنفاً، وكانت سبباً في هذا الاستطراد، تعد مؤشراً على وجود سلبيات لدى من يلجأ إليها، وأنا قطعاً، لا أعني بهذا الكلام، من نبه إلى هذه الجزئية، وإنما أقصد من جعل منها منهجاً، وتعامل مع الناس بمقتضاها، فهي تدل على قصور في المعالجة، وعجز عن استيعاب جميع الأتباع والأحباب، مما يعني أن هذا الرمز، أو القدوة، أو القديس، صار لفئة دون أخرى.

إن البشرية جمعاء بحاجة ماسة إلى هذا المنهج الرحيم، فإن الواقع المشاهد اليوم لا يخلو من أحداث يظهر فيها تجاهل الفرد لصالح الجماعة، بحجج واهية، وها هو نبي الرحمة (صلى الله عليه وسلم) يقدم للناس جميعاً نماذج متوازنة تتحقق فيها مصالح الأطراف جميعاً، أفراداً وجماعات.

أود أن أذكِّركم أننا عرضنا إلى طرف من هذا الحديث، في محاضرة مضت، واعتبرنا هذا المسلك نقصاً، لأنه يفتقد إلى الشمول والتوازن.

وخلاصة رأيي ، هي أن نبي الرحمة (صلى الله عليه وسلم) ـ في ضوء ما مرَّ بنا من أحداث ـ لا يتصور منه بحال أن يُشعر أحداً من أتباعه، أنه خارج دائرة اهتماماته، ولا يمكن للنبي (صلى الله عليه وسلم) أن يُقدم على فعل يكون فيه قد حجب رحمته عن أحد منهم.

لقد أوتيَ النبي (صلى الله عليه وسلم) من الصفات الحميدة مجتمعة، ما تؤهله إلى إنجاز ما يرغب في إنجازه، دون أن يكون هذا على حساب أحد ممن حوله، وأنا أشهد في هذا المقام، أني لم أرَ في سيرة أحد من العظماء، أنه اتصف بهذه الصفة، التي لا أملُّ التكرار والقول إنها إحدى أبرز مظاهر رحمة النبي (صلى الله عليه وسلم).

بين يدي أعزائي بعض مواقف تدل على رحمة النبي (صلى الله عليه وسلم) حدثت كسابقتها في الصلاة، فهذا الصحابي معاوية السلمي، صلى مع النبي (صلى الله عليه وسلم) صلاة، وتكلم فيها مع صاحب له، قال فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: وأثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إليَّ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني سكت.

فلما صلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلماً قبله، ولا بعده، أحسن تعليماً منه، فوالله ما كهرني(1)، ولا ضربني، ولا شتمني، وقال :( إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن)(1).

لقد رحم النبي (صلى الله عليه وسلم) صاحبه هذا، وتلطف معه، على الرغم من أنه كاد يفسد عليهم الصلاة، ووقف الصحابي بنفسه على رحمة النبي (صلى الله عليه وسلم) له، وكم تركت هذه الرحمة، وهذا التلطف، أثراً طيباً في نفسه، وهذا ظاهر من مقولته التي قالها، وهو يصف معاملة النبي (صلى الله عليه وسلم) له.

يا له من درس عملي للمربين، في كل زمان ومكان، حتى يرحموا الجاهل، ويتلطفوا معه، وإذا كانت النظريات التربوية الحديثة تحث على هذا المسلك في التعليم والتقويم، فإن نبي الرحمة (صلى الله عليه وسلم) أرشد إليها قبل مئات السنين.

كان النبي (صلى الله عليه وسلم) وهو يقوم بعبادة ربه، المحببة إليه، يرقب أصحابه، حتى لا يسبب لهم حرجاً، أو يلحق بهم مشقة، رحمةً بهم.

فهذه السيدة عائشة زوج النبي (صلى الله عليه وسلم) تروي لنا ما حصل في صلاة قيام الليل، في رمضان، وهي صلاة التراويح، فقد صلى بهم أياماً، ثم لم يعد يخرج لهم، فلما سئل عن هذا، قال: خشيت أن تفرض عليكم، وهذه رحمة ظاهرة منه (صلى الله عليه وسلم) (2).

والأشد منه وضوحاً، قول عائشة ( إن كان النبي ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به، خشية أن يعمل به الناس ، فيفرض عليه)(2)

إن النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يستغل حب أصحابه له، وشدة رغبتهم في متابعته، فيقوم بالعمل الشاق، على مسمع منهم، ومرأى من أجل أن يعملوا به، لم يكن هذا من منهج النبي (صلى الله عليه وسلم)، لكنه كان من منهج بعض من سبقه، من القديسين، فمنهم من كان يصوم أياماً، ولا ينام ليالي عدة، وهذا يتعب أتباعه، إن كان له ثمة أتباع.

وشتان بين من يلتفت خلفه، وهو يسير ليطمئن على أتباعه واحداً واحداً، وهم يتبعونه، حتى لا يبتعد عنهم، أو ينفرهم منه، رحمة منه بهم، وهو يتمثل دور الوالد من أولاده.

لقد قالها لهم صراحة، لتطرق أسماعهم، ( إنما أنا لكم بمنزلة الوالد) (2)، والوالد يرحم أولاده، ويحنو عليهم، ولا يسلمهم إلى المشاق، وبين من لا يلقي لهم بالاً ولا يرقب لهم حالاً، ويمضي في طريقه وحيداً، ليحقق لنفسه العظمة، والخلود، بهذا التميز، كما يتوهم، ولسان حاله يقول، من كان به قوة فليلحق، ومن كانت لديه همة فليصبر.

شكراً لكم لحسن الاستماع، وإلى الاستراحة القصيرة وسنواصل بعدها كالعادة.

دخلت الدكتورة سارة القاعة، لمواصلة المحاضرة السادسة وهي تحمل بين يديها أوراقاً شبه مبعثرة، كأنها كانت تطالعها قبل دخولها القاعة، وما أن استقرت في مكانها، حتى رحبت بالحضور، قائلة :

أهلاً بكم في النصف الثاني من محاضرتنا هذه، والذي خصصته لبيان قضية أحسب أنها مهمة جداً، تلكم هي مكانة الرحمة بين غيرها من الأخلاق، وبيان مدى صلتها بالأحكام الأخرى، والحقوق المشروعة.

يمكن أن أختصر هذه العبارات بكلمة واحدة، أذكرها على هيئة سؤال: وهو : هل يمكن القول إن النبي محمداً (صلى الله عليه وسلم) كان يرفع شعار (الرحمة أولاً) في تصرفاته كلها؟، ولقد تعمدت تأخير هذه المسألة إلى المحاضرة السادسة، ليسهل على الحاضرين الكرام استحضار ما مرَّ من مواقف وأحداث، تسهم في تقديم الإجابة عن هذا السؤال حتى لا يطرح في فراغ.

أعزائي الحضور ..

تستدعي الإجابة عن هذا السؤال، مقدمة، آمل أن لا تكون مملة، بعث النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) لتكميل الفطرة الإنسانية، والتعايش معها، والمحافظة على سلامتها، ولم يبعث لتنفيرها، وتغييرها، وهذا يعني أنه كان يستحضر طبيعة النفس البشرية، واحتياجاتها، وانفعالاتها، ولقد مرَّ بنا من المواقف، ما يؤكد هذا المعنى بكل وضوح.

واسمحوا لي باستطراد يسير في هذا المقام، لأذكر لكم فيه أن البشرية اليوم تعاني أشد المعاناة بسبب مصادماتها للفطرة، والعمل على اغتيالها وتغييرها عبر تصرفات كثيرة نسمع بها ونراها في مجالات كثيرة تغيب عنها الرحمة، بكل مظاهرها لأن الرحمة لا يمكن أن توجد بحال إلاَّ عند وجود الفطرة السليمة.

في ضوء ما يسمى عند علماء الاجتماع، بالضبط الاجتماعي، والذي يعني الوعي بشعور الآخرين، ومراعاة حقوقهم، وانتهاج سلوك يتأثر بهذا الوعي، تصبح الحاجة ماسة لوجود ضوابط، وأنظمة، تضبط سلوك الأفراد، فتأخذ له من المجتمع، وتأخذ منه لهذا المجتمع(1).

تبرز في هذه الأوضاع لا محالة، الحقوق والواجبات، وتفرض نفسها، فالعدل واجب، ورد الحقوق إلى أصحابها لازم، والمحافظة على مصالح الفرد حق.

إنها معالم واضحة، أكدتها نصوص شرعية، وترجمتها مواقف نبوية، فاستقر في الأذهان، أن العدل واجب، ولكن ما ينبغي أن يُعرف، ويستحضر حالاً، هو أن الرحمة أيضاً واجبة، وليست تفضلاً في المنظور الإسلامي,

أضرب لكم مثالاً توضيحياً، إذا اقترض شخص مالاً، فإنه يجب عليه أن يرد المال إلى صاحبه، وهذا عدل، ولكن إذا تعذر على المقترض أن يرد المال في أجله لإعساره، فالعدل أيضاً يقتضي أن يمهله صاحب المال، رحمة به.

لكن القرآن يعرض هنا توجيهاً آخر، وهو أن يتنازل صاحب الدين عن دينه، إذا كان هذا ممكناً بالنسبة إليه، وهنا تتحقق الرحمة بكل مظاهرها. وفي هذا يقول القرآن الكريم: (وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة : 280 ).

ويتضمن هذا العرض الرباني مبادلة رحمة برحمة، إن صح هذا التعبير، فالتصدق بالمال رحمة من صاحب المال، يكافئ عليها برحمة من الله تعالى، وقد رغَّب النبي (صلى الله عليه وسلم) بهذا العرض حين قال: ( ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء).

ذكر النبي (صلى الله عليه وسلم) لمزيد من الترغيب بهذه الرحمة، المصاحبة لهذا الواجب، ذكر قصـة رجل كان يمارس هـذا النـوع من الرحـمة، فأدخلته الجنة، يقول النبي (صلى الله عليه وسلم) ( كان تاجر يداين الناس، فإذا رأى معسراً، قال لفتيانه: تجاوزوا عنه، لعل الله أن يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه)(1).

وفي موضع آخر ، يؤكد القرآن أن القصاص حق واجب: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (البقرة : 178 ).

فقد اثبت الحق لأهله، ثم بعد ذلك ذكر الرحمة، التي تدعو إلى العفو، وفي مقام آخر، جعل العقاب بالمثل حقاً لصاحبه، لكنه في الوقت نفسه، جعل الرحمة بالمعتدي، والعفو عنه، صدقة وكفارة للمعتدى عليه: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (المائدة : 45 ).

والخلاصة أعزائي الحضور ..

إن النبي (صلى الله عليه وسلم) وهو يقرر الحق لأهله، يذكر بجانبه دائماً الرحمة، استناداً إلى النصوص القرآنية، ليبين أن الرحمة واجبة، كما أن العدل واجب، ولا نبالغ إذا قلنا إن المتأمل في دلالات النصوص، يشعر أن ثمة خطة تهدف إلى تضييق المجال على العدل، حتى يفسح المجال أمام الرحمة، لتمر هي ويعمل بها.

يلحظ هذا جلياً في المكافآت المغرية التي وعد بها الله، من يقدم الرحمة على الحق، فيعفو أو يتجاوز ، ويلحظه من تلك الشروط والضوابط التي وضع معالمها النبي (صلى الله عليه وسلم) الرحيم، من أجل تطبيق الحدود، وإقامة العقوبات، وهو ما ستأتي الإشارة إلى طرف يسير منه قريباً.

إن الحضارة المعاصرة، برعت في سن القوانين، وفي صناعتها، وأتقنت فن تطبيقها، لكنها فشلت في صناعة الرحمة التي ينبغي أن تصاحب هذه القوانين، بطريقة لا تضيع فيها الحقوق، ونحن نمارس هذه الرحمة، وهو ما يقدمه نبي الرحمة (صلى الله عليه وسلم) للبشرية اليوم، كما قدمه بالأمس.

نعود إلى سؤالنا السابق، ونقول إنه بالإمكان القول إن شعار الرحمة أولاً، كان ظاهرة بارزة ، وحقيقة واقعة، في سلوك النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) وفي أحكامه، لأن النبي كان يستحضر دائماً، الحديث القدسي ( إن رحمتي سبقت غضبي)(1) وسوف أسوق لكم بعض الوقائع التي تزيدها وضوحاً.

أحد الصحابة ، ويسمى ماعزاً، جاء إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) واعترف بأنه زنى، وطلب من النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يعاقبه على فعله، ليطهره من ذنبه، وإذا بالنبي (صلى الله عليه وسلم) يمارس مع هذا الرجل دور القاضي والمحامي في آن واحد، فصار يصرفه عن الاعتراف، ويلقنه الحجج التي ينجو بها من العقاب، فيقول له: يبدو أنك لم تزن، وإنما فعلت كذا وكذا، حتى بلغت الرحمة بالنبي (صلى الله عليه وسلم) أن يقول لأصحابه، انظروا فقد يكون في عقله شيء، والنبي (صلى الله عليه وسلم) متلهف إلى كلمة من هنا أو هناك، يدفع بها العقاب عن ماعز(2).

أحسب أن قصة ماعز، كانت درساً عملياً، للمارسة الرحمة في المجتمع النبوي. وحتى لا يتوهم أحد أن مثل هذه التصرفات خاصة بالنبي (صلى الله عليه وسلم) فإنه كان يُتبع القولَ الفعلَ، ويذكِّر في مناسبات عدة، بأهمية الرحمة، بكل فرد من المسلمين، أو من غيرهم.

عندما يقول النبي (صلى الله عليه وسلم) ( لا تنزع الرحمة إلاَّ من شقي)(3) ، يسعى كل من يسمع هذا القول، من أتباعه، إلى تجنب هذا الوصف الرهيب، وهم يحفظون قول الله تعالى عن النار: (لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى) (الليل: 15). فيستقر في قلوبهم أن النجاة من الشقاء، تمر عبر ممارسة الرحمة.

إن هذه المسلك الرحيم، لم يكن من النبي (صلى الله عليه وسلم) لهذا الرجل خاصة، وإنما أراد أن يرسم معالم منهج لمن بعده من الحكام، والقضاة، بل للناس جميعاً، يقوم على مساعدة من زلت به قدمه من الناس، حتى ينجو بنفسه، ويدفع عنها العقوبة.

وجه النبي (صلى الله عليه وسلم) بمسلكه هذا من بعده من المسؤولين، إلى دفع الحدود بالشبهات، حتى صار هذا المنهج ، قاعدة شرعية مشهورة عند الفقهاء، وهو ما توصل إليه علماء القانون، بعد أكثر من ألف سنة، حين قرروا أن المتهم برئ ما لم تثبت إدانته، ويعود الفضل في وضع هذه القاعدة الرحيمة إلى نبي الرحمة محمد (صلى الله عليه وسلم)،حتى صار هذا التوجيه الرحيم من أجلَّ القواعد الشرعية التي وُفق القضاة والحكام في تطبيقها بأسلوب يحقق العدالة والرحمة في آن واحد.

فهمنا من الأمثلة التي عرضنا لها، وأعرضنا عن كثير من أمثالها، اختصاراً أن الرحمة كانت مقدمة عند النبي (صلى الله عليه وسلم)، وينظر إليها على أنها واجب، من حقها أن تزاحم غيرها من الواجبات، وهذا وجه مشرق ولا ريب، هنا رفع أحد الحضور يده قائلاً : إن بعض الأفراد قد يرون فيه وجهاً آخر سلبياً، من حيث إن هذا المنهج قد يشجِّع على التجاوزات، ويُرغِّب في المخالفات، فما رأي المحاضرة الكريمة بهذا الكلام ؟

شكرت الدكتورة سارة صاحب المداخلة وأجابته بقولها: هذا طرح جميل، وتدعو الحاجة إلى التعرض إليه بالتحليل، ويحسن بنا أن نذكر بدايةً، أن النبي (صلى الله عليه وسلم) ذم الغلو، من حيث هو، أينما وجد، وعلى أية هيئة كان، وقد قالها صراحة إياكم والغلو(1)، وهو تجاوز الحد، المفضي إلى الفساد، لأن الفضيلة وسط بين رذيلتين.

فالغلو في الرحمة، من حيث الإفراط في استحضارها والحث على الأخذ بها، دونما اعتبار لما يلحق بها من ملابسات، لا تقل مفسدته عن التفريط فيها، حين تدعو الحاجة إلى تقديمها لتؤدي الغرض المنوط بها.

أنجز النبي الرحيم (صلى الله عليه وسلم) ـ بهذا المنهج الذي يتضح من أقواله وأفعاله ـ ما عجز عنه من سبقه من العظماء، فهم بين قائد اشتهر بحروبه، وتميز بقوته، كالاسكندر، وهولاكو، ولم تكن للفضائل في سيرتهم مكانة تذكر وبين داعية على الفضائل والرحمة والتسامح وحسب.

لا يفلح أي من المسلكين في البقاء، ولا يحمل في مضامينه عوامل الإغراء به دوماً. فجاء النبي (صلى الله عليه وسلم) بالمنهج المتوازن، الذي جمع بين القوة والرحمة، ومزج بينهما بطريقة غاية في الروعة، ولهذا تم له ما أراد، ورأينا القوة وهي تحمي الرحمة، كما رأينا الرحمة وهي تهذب القوة، وتحاصر فيها مظاهر الشر.

لقد وضع النبي (صلى الله عليه وسلم) الرحمة في نصابها الحق، وأعملها في المواطن التي تدعو إلى استحضارها، لهذا أدت أحسن النتائج، دونما إهمال، أو إغفال، للحزم والمحاسبة والقوة، ولا أحسب أنه مرَّ بنا حادثة قدَّم فيها النبي (صلى الله عليه وسلم) الرحمة، وأعملنا فيها النظر إلا خرجنا بهذا الانطباع.

بين أيدينا حوادث تشهد لما تقدم لم تقوَ الرحمة على أن تكون صاحبة الكلمة الفصل فيها، لاعتبارات سوف تبدو لنا، فهذا أحد اللصوص يسرق في عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) فلما رفع أمره إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) أمر بقطع يده، ثم رأى الصحابة أثر الألم، والتأثر على وجهه (صلى الله عليه وسلم) فقال بعضهم، هلاَّ عفوت عنه يا رسول الله، فقال: كان هذا قبل أن يرفع الأمر إليَّ، أما وقد رفع فلا (1).

وحدث أن سرقت امرأة من أشراف الناس، فرفع أمرها إلى النبي (صلى الله عليه وسلم)، فتكلم الناس في شأنها، عسى أن يعفو عنها النبي (صلى الله عليه وسلم)، فقالوا من يجترئ عليه إلاَّ أسامة بن زيد حبيبه ؟

فكلمه أسامة، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وسلم): أتشفع في حد من حدود الله، ثم قام فخطب، وجاء في خطبته، قوله: إنما أهلك الذين قبلكم ، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها(2).

حادثتان تؤكدان بجلاء، أنه إذا استهدفت القيم والثوابت، تعذر إعمال الرحمة في هذه المواطن، فالحادثة الأولى تمنى فيها النبي (صلى الله عليه وسلم) أن لا يرفع إليه أمر السارق، أما وقد رفع فلا يجوز للحاكم أن يعطل تنفيذ الأحكام حتى لا تكون حجة لمن بعده من الحكام.

أما الثانية، فإن المرأة التي سرقت من أشراف القوم، وعليتهم، فكانت الرحمة بها تحمل في طياتها إضاعة العدل بين الناس، واستحضار الطبقية والتمايز، وهو ما لا يرضى به النبي (صلى الله عليه وسلم) بحال، ولهذه الاعتبارات نفذ الأحكام، وتناسى بكل أسى الرحمة في هذين الموطنين.

ولا يفوتني أن أذكر لكم، أن هذه المرأة صار لها حظوة في بيوت النبي (صلى الله عليه وسلم) فقد كانت تتردد على بيت عائشة زوج النبي (صلى الله عليه وسلم) وتعرض عائشة حاجاتها على النبي (صلى الله عليه وسلم) الذي كان يسارع إلى الاستجابة لها، تقديراً لظروفها ورعاية لحالها، من أجل رد الاعتبار لها رحمةً بها، فليس في الإسلام ما يسمى بأصحاب السوابق، بخلاف القانون الوضعي، الذي يلاحق الجاني، حتى بعد معاقبته، وصلاح حاله.

حرص النبي (صلى الله عليه وسلم) على هيبة الإسلام، أمام خصومه، حتى لا يطمع منهم طامع، أو يتجرأ أحد على النبي (صلى الله عليه وسلم) وأتباعه حين يأمن هذا الخصم العقوبة، ويعتمد على العفو، وقد قيل قديماً من أمن العقوبة أساء الأدب.

يستدعي هذا غض الطرف عن الرحمة في موطن كهذا، وقد كان فقد أسر المسلمون رجلاً يدعى أبا عزة الجمحي، وكان شاعراً يحارب النبي (صلى الله عليه وسلم) بلسانه وسيفه في معركة بدر، فتوسل إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يطلق سراحه، ووعده أن لا يعود لقتاله أبداً، فرحم النبي (صلى الله عليه وسلم) حاله، وأطلق سراحه، دون أن يأخذ منه فداءً، على عكس ما فعل مع غيره.

حدث بعد سنتين، أن وقع الرجل نفسه أسيراً في غزوة حمراء الأسد ، التي أعقبت غزوة أحد، فعاد يتوسل إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) ويرجوه أن يطلق سراحه مرة ثانية، فأبى النبي (صلى الله عليه وسلم) وقال له: ( والله لا تمسح عارضيك بمكة بعدها، وتقول خدعت محمداً مرتين، وقال له إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، ثم أمر بقتله((1).

هذا التصرف من النبي (صلى الله عليه وسلم) يصب في مصلحة الرحمة، ويعزز من مكانتها في النفوس، لأنه يعطي درساً واضحاً للناس، لكي لا يغتر أحد فيتمادي في الشر معتمداً على أن الرحمة ستحول بينه وبين أي عقاب محتمل، فإذا كان هذا الرجل قد دفع حياته بسبب سوء تقديره، وقبح تدبيره، فإنه فيما وقع منه وفيما حدث له رحمة لغيره، وفي الحادثة رحمة بالرحمة نفسها، حتى لا تفرغ من مضمونها ويبطل مفعولها.

ولا أخفي عليكم، أن هذا الحدث لم يكن الوحيد، فقد تبعته بعض أحداث مماثلة، تكررت فيها الدوافع والملابسات، حتى تعذر على بعض الناس التوفيق بينها وبين صور الرحمة، ومظاهرها في حياة النبي (صلى الله عليه وسلم).

أعجبني في هذا المقام، تحليل للأستاذ العقاد، جاء فيه ( من خصائص العظمة النبوية في محمد (صلى الله عليه وسلم) أنه وصف بالنقيضين على ألسنة المتعصبين من أعداء دينه، فهو عند أناس منهم، صاحب رقة تحرمه القدرة على القتال، وهو عند أناس آخرين، صاحب قسوة، تغريه بالقتل وإهدار الدماء البشرية من غير جريرة، وتنزه محمد (صلى الله عليه وسلم) عن هذا وذاك.

فإذا كانت شجاعته عليه السلام تنفي الشبهة في رقة الضعف، والخوف المعيب، فحياته كلها من طفولته الباكرة تنفي الشبهة في القسوة والجفاء، إذ كان في كل صلة من صلاته بأهله، أو بمرضعاته، أو بصحبه، أو بزوجاته، مثلاً للرحمة التي عز نظيرها في الأنبياء(1).

يدفعنا هذا الكلام، للحديث عن مسألة منهجية، تتصل بدراسة بعض المفكرين غير المسلمين، لسيرة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، فإن من يقرأ كتاباتهم، بهذا الشأن، يشعر أن عدداً منهم يسلط الضوء على جانب واحد من سيرة النبي (صلى الله عليه وسلم)، ربما عن قصد أو غير قصد، ليقدمه للناس بهذا الوجه فقط.

يعد هذا المسلك أياً كان الدافع إليه جناية على الحقيقة، وعدم احترام لعقل القارئ. إنه يذكرني بكتاب أ. شيللر المتلاعبون بالعقول.

إن من يقلِّب صفحات سيرة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، باحثاً عن أدلة تؤكد رحمته، وعفوه، وتسامحه، سوف يجد هذه الصفحات طافحة بها، ومن يبحث عن أدلة تتضمن أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان قوياً وحازماً وقتل أشخاصاً، ولم يستجيب لتوسلاتهم، سوف يجدها أيضاً.

لكن لن يجد أي من الفريقين، وسيلة يمكن من خلالها إخفاء وجه، في هذه السيرة لحساب وجه آخر، وربما لن يجد بعضهم الأهلية العلمية، أو المنهجية، الحيادية، لدفع تعارض متوهم بين هذه المواقف، وهذا الذي دفع الأستاذ العقاد إلى القول بأن العظمة تبدو في عيون الأعداء تناقضاً.

اسمحوا لي أعزائي الحضور .. أن استطرد قليلاً للحديث عن مسألة ذات صلة بما نحن بصدده، تلكم هي النظرة إلى نبي الرحمة (صلى الله عليه وسلم) من قبل بعض المجتمعات غير الإسلامية، حين يصور على أنه قاس، ويقيد الحريات، ويعاقب على الأخطاء، بخلاف المسيح.

لقد قرأت في هذا الموضوع، تحليلاً جديراً بالذكر هنا أقتطف منه الأسطر التالية ( عندما سيطر الفكر النفعي على الشخصية الغربية، أصبح التعلق بشخص المسيح، يمثل قمة النفعية، لمن اختاروا التدين، فهو قد قام بدفع فاتورة خطاياهم، حتى قبل أن يقعوا فيها، وأبقى لهم الحياة لكي يمارسوا فيها ما شاءوا من أفعال، طالما أن محبة المسيح ـ كفرد وكإله عندهم ـ تسيطر على مشاعرهم.

أما من تركوا الدين المسيحي بأكمله، وأصبحوا لا دينيين، أو ملحدين ـ فقد كان المسيح بعد تحريف الدين أيضاً مركزياً في مواقفهم الفكرية، فهو فرد ، وبالتالي لا يمكن أن يختلف عن غيره من البشر.

ثم إن المسيح بصورته التي قامت الكنيسة الغربية بتصويرها، رحيم منعزل عن حياة الناس، يقبل بكل معايير الحياة الإنسانية ـ كما يريدها الناس أنفسهم ـ ولا يدعو إلاَّ إلى الحرية والمساواة، وهي أهم قيم العلمانية، ولا تصادم من تركوا الدين، وبالتالي فلا حاجة إلى مصادمة المسيح)(1).

إذا كان المسيح بهذه المواصفات، فإن النبي محمداً (صلى الله عليه وسلم) على نقيضه، هكذا يصوره خصومه، ليصرفوا الناس عن محبته، ومتابعته، ومما يؤسف له، أن هذه الأوهام، قد تسللت إلى عقول الكثيرين في المجتمعات الغربية بخاصة، بعد ضعف الرغبة في التدين لديهم.

من كانت هذه حالهم، يحبون من يتركهم يعملون ما يحبون، دون رقيب، أو حسيب، وهو المسيح برأيهم، وينفرون ممن يطلب منهم التزامات، وتكاليف، ويحاسبهم عليها، وهو النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) برأيهم.

يؤسفني أن نسمع هذا الطرح الساذج، والذي لا يليق أن يلقى على أسماع أناس يحترمون عقولهم، إنه كلام يسيء أول ما يسيء إلى السيد المسيح، حين يقدم للناس على هذه الهيئة، التي تفقده صفة النبوة، وصفة المصلح، وصفة المربي الغيور ، وتجعل منه مجرد جسر للشهوات، وحامل للخطايا.

اسمحوا لي أن أُذكِّر بمثال، هو أقل من مستواكم، فأرجو المعذرة مسبقاً.

لو كان عندنا طبيبان في الحي، أحدهما يحاسب مرضاه، ويراقب أوضاعهم، ويصارحهم بمرضهم، ويصف لهم العلاج المر أحياناً، ويمنع عنهم أشياء محببة إليهم، ويتدخل في بعض خصوصياتهم.

وطبيب آخر ـ إن وجد فعلاً ـ يجاري مرضاه، فيما يرغبون، لا يمنع عنهم شيئاً، ولا يعتب عليهم حين يرى منهم خطأً يلحق الضرر بهم، ولا يكشف لهم عن وضعهم الصحي، ولا يحذرهم إن دعت الحالة تحذيراً.

أيهم أشد حرصاً على مرضاه ؟، وأيهم الذي أدى الأمانة؟، وأيهم يحوز على احترام الناس، ولو بعد حين؟، وأيهم يكون رحيماً بمن حوله ؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة التي لا أعتقد أنه يختلف بشأنها اثنان، كفيلة أن تكشف سذاجة تلك التصورات، التي يسعى بعض المتلاعبين بالعقول، إلى الترويج لها.

أما أنا ـ تقول الدكتورة سارة ـ فأرى أن المنصفين، ولا أقول الأصدقاء فقط، ينظرون إلى ما سمي تناقضاً، على أنه توازن، ووسطية، وتكامل.

إن هذه المواقف التي سجلها لنا التاريخ من سيرة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) صارت نظرية أخلاقية، تجاوزت الزمان والمكان والبيئة، وحفظ التاريخ لها مكانتها.

لكم مني أعزائي الحضور كل الشكر والتقدير على حسن الاستماع، وإلى اللقاء في محاضرة قادمة.

 

--------------------------------------------------------------------------------

(1) البخاري، كتاب الأذان، باب من أخفَّ الصلاة عند بكاء الصبي، ح 1707

(2) البخاري، باب الإمام يخفف الصلاة إذا حدث أمر، ح 989

(3) من أخلاق النبي (صلى الله عليه وسلم)، ص 210، مرجع سابق

(1) رواه مسلم، باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة، ح 468

(1) كهرني يعني نهرني أو قهرني

(1) صحيح مسلم ، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته، ح 537

(2) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح، ح 761

(1) رواه البخاري، باب تحريض النبي على صلاة الليل، ح 1128

(2) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة، ح 8، وهو صحيح، انظر سلسلة الاحاديث الصحيحة، ج3، ص 289

(1) انظر قاموس علم الاجتماع، ص 210، د. مجدي عاطف، بتصرف كبير

(1) صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب من أنظر معسراً، ح 2078

(1) رواه البخاري، باب وكان عرشه على الماء، ح 7422

(2) صحيح البخاري، كتاب المحاربين، باب هل يقول الإمام للمقرَّ : لعلك لمست أو غمزت ؟، ح 6824

(3) رواه الترمذي، باب رحمة المسلمين، ح 1923، وقال عنه حسن صحيح

(1) رواه ابن ماجة، كتاب المناسك، ح 3029، وهو حديث صحيح، انظر صحيح ابن ماجة، ج3/ ص 49، الألباني

(1) رواه بهذا المعنى الإمام مالك في الموطأ، باب ترك الشفاعة للسارق إذا بلغ السلطان، ح 1579

(2) صحيح البخاري ، كتاب فضائل أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم)، باب : ذكر أسامة بن زيد، ح 3733

(1) انظر سيرة ابن هشام، ج3، ص 152، والسيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، ص 408، د. مهدي رزق الله

(1) عبقرية محمد، ص 77، محمود عباس العقاد

(1) أوروبا والإسلام، ص 62 – 63 بتصرف، هشام جعيط