Get Adobe Flash player

رسالة اليوم من هدي الرسول

-    من صور كرمه  صلى الله عليه وسلم
كان النبي صلى الله عليه وسلم يكرر على أضيافة عرض الأكل عليهم مرارا كما يفعله أهل الكرم كما في حديث أبي هريرة عند البخاري في قصة شرب اللبن وقوله مرارا:اشرب فما زال يقول اشرب حتى قال:والذي بعثك بالحق لا أجد له مسلكا" رواه البخاري
-    محمد صلى الله عليه وسلم هو وحده الذي كشف حياته للناس جميعًا فكانت كتابًا مفتوحًا ليس فيه صفحة مطبّقة ولا سطر مطموس بل يقرأ فيه من شاء ما شاء

كتاب الرحمة في حياة الرسول

إقرأ مقالا من أكبر كتاب في العالم

فضل المدينة وسكناها

أضخم عمل عن الحرمين الشريفين

شاهد المدينة المنورة مباشرة

الرئيسية
مظاهر الرحمة في شخصيته

يستعد الجميع للمحاضرة الثامنة، وأسمعهم يتبادلون الأحاديث، ويقولون لقد مرت المحاضرات سريعاً، وفي هذه الأثناء دخلت الدكتورة سارة، إلى القاعة، ورحبت بالحضور وحيتهم .

أعزائي الحضور ..

أعتقد أن الوقت قد حان، في محاضرتنا هذه ، وهي المحاضرة الثامنة، لنقف مع آية من القرآن الكريم تلكم هي: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) (الأنبياء:107)، تعمدت أن يكون الحديث عن دلالاتها، بعد تلك الجولة الإنسانية الشيقة التي قضيناها معاً، بين مظاهر الرحمة التي بدت في تعامل النبي (صلى الله عليه وسلم) مع كل الفئات التي كانت تحيط به، سواءً ما كان منه صديقاً، أو عدواً، صغيراً، أو كبيراً، ذكراً أو أنثى، حيواناً، أو طيراً.

إن هذه المواقف والصور، تذكرنا مباشرة بالآية المتقدمة، وأحب أن أستعرض أمامكم، ما ذكره العلماء في معناها بخاصة إني تعمدت أن أقرأ حولها كثيراً، فخرجت بأن ثمة وجهات نظر في مدلولها.

رأيت بعضهم يقصرها في أتباع النبي (صلى الله عليه وسلم) بخاصة، ويقول هو رحمة بأهل الإيمان فقط، والواقع يشهد بهذا، فإن من كفر به قاتلهم وقاتلوه، وماتوا على الكفر(1).

يرى آخرون أن النبي (صلى الله عليه وسلم) رحمة في نفسه، وهدى، فمن أخذ به من أفراد العالمين أخذ ، فأفاد من هذه الرحمة، ومن أعرض عنه أعرض، ولم ينتفع بهذه الرحمة(1).

كأن نقول مثلاً هذا الطبيب الماهر، رحمة بأهل هذه البلدة، فمن تنبه له ووثق به، ذهب إليه، وأفاد منه، وانتفع بعلمه، فكان الطبيب له رحمة، ومن أعرض عنه وتجاهله، لم تشمله هذه الرحمة.

إن أغلب من قرأت لهم، في معنى هذه الآية ، ذهبوا(2) إلى عمومها، وشمولها لكل ما يدخل تحت لفظ العالمين من المخلوقات، وإن كان بعضهم قصرها على جنس الإنسان، بحجة أن العالم هو الصنف من أصناف ذوي العلم، هو الإنسان، لكن المشهور عنهم أن العالمين تشمل النوع من المخلوقات ذات الحياة، وهذا هو المعنى المعقول، الذي تشهد له المظاهر التي سبق عرضها، وأملي أنكم تتذكرون كثيراً منها .

لكني اعترف أنها غير كافية لإلقاء الضوء على دلالات الرحمة لكل المخلوقات، وهو ما يملي علينا أن نتوسع قليلاً في البيان، وأرجو المعذرة والصبر قليلاً، ولن يكون الحديث طويلاً.

تدل الآية على أن ثمة اتحاداً وتلازماً بين شخص النبي (صلى الله عليه وسلم) وبين خلق الرحمة، فلا انفكاك في كل الأحوال، وعلى أية حال، كان عليها النبي (صلى الله عليه وسلم)، وهذا المعنى يؤيد توجيه الآية إلى رحمة المخلوقات جميعاً، لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) في سيرته اليومية لا يتعامل فقط مع المؤمنين، ولا من الناس فقط.

لن نجد صعوبة، في بيان رحمة النبي (صلى الله عليه وسلم) بالمؤمنين، فمظاهرها متنوعة، وأسبابها متعددة، وصورها أكثر من أن تحصى، سواءً ما كان منها في مجال التشريعات، وما صاحبها من تخفيف، وتلطف، وتقدير للظروف، أو ما كان منها في مجال العلاقات الاجتماعية، والشخصية، وهي لكثرتها، تكاد تجد لدى كل من صاحب النبي (صلى الله عليه وسلم) وإن كان عددهم بالآلاف، موقفاً خاصاً، أو ذكرى عطرة، أو محاورة لطيفة معه، وكتب الأحاديث تكاد تسعفنا في هذا المقام.

نأتي أعزائي إلى رحمة النبي (صلى الله عليه وسلم) بالكافرين، واسمحوا لي أن أذكرها إليكم على هيئة نقاط مختصرة حتى لا أفقد الاتصال بكم.

المظهر الأول : أن وجود النبي (صلى الله عليه وسلم) بينهم، حال دون نزول عذاب الاستئصال بهم، كما حصل مع بعض الأمم السابقة لهم، مثل قوم عاد، وثمود، ولوط. وهذا المظهر نص عليه القرآن صراحة:(وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (الأنفال : 33 )، وتلك رحمة ما بعدها رحمة، نعم بها الكافرون جميعاً.

المظهر الثاني : أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يرفض بشدة، أن يدعو عليهم، ولو دعا عليهم، لاستجاب الله له، كما استجاب لدعوة غيره من الأنبياء، كمثل دعوة النبي نوح u: (وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً) (نوح: 26 )، فأغرق الله جميع سكانها، ولم ينج إلاَّ قلة كانت مع نوح في السفينة.

لقد طلب الصحابة من النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يدعو على كفار مكة في معركة أحد، فقالوا له: يا رسول الله، ادع على المشركين، قال: (إني لم أبعث لعاناً، وإنما بعثت رحمة)(1).

كان هذا في معركة أحد، التي أصيب فيها النبي (صلى الله عليه وسلم) بجراحات كثيرة، وقتل بعض أعز أصحابه، ومع هذا كله، رفض الدعاء عليهم، وتكرر المشهد في معركة حنين، حين تعرض المسلمون لأذى ثقيف، قالوا: يا رسول الله، أدع على ثقيف، ففاجأهم بقوله: ( اللهم أهدِ ثقيف فدعا لهم ولم يدع عليهم)(2).

المظهر الثالث : أن النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يعاملهم بالمثل، وقد مرَّ بنا تفصيل هذا المظهر، فقد عذبوه، وعذبوا أصحابه، ولم يعذبهم، ومارسوا عليه، وعلى أصحابه، سياسة التجويع، ولم يمارسها، وأخرجوه، ولم يخرجهم، قتلوا أسراه، وعفا عن أسراهم.

المظهر الرابع : تجنب النبي (صلى الله عليه وسلم) بكل الوسائل الصدام معهم، فقد منع مقاتلتهم مدة ثلاثة عشر عاماً، وحين قاتلهم، كان حريصاً على إنهاء الصراع سريعاً، ويشهد لهذه قلة عدد المعارك بينهم، وقلة عدد القتلى كذلك .

تبين أثر مظهر الرحمة هذا بإسلام الآلاف من الكفار تباعاً، حتى أسلم أهل مكة كلهم يوم الفتح.

المظهر الخامس : شعور عامة الكفار برحمة النبي (صلى الله عليه وسلم) بهم ، وشفقته عليهم، وقد دلت على هذا الشعور معاملته لهم، ومعاملتهم له، وأنتم تذكرون حين كانوا يأتون إليه، طالبين منه العون، في شؤون حياتهم، فيستجيب لهم ، وهم على كفرهم به، وعلى عداوتهم له .

الصنف الثالث المنافقون.

المنافقون فئة من الناس، كانوا يسكنون المدينة مع النبي (صلى الله عليه وسلم) آمنوا به في الظاهر، واستمروا على كفرهم به في الباطن، وقد سلكوا هذا المسلك، لما رأوا أنه من رحمته بالناس أنه يعاملهم على ما يبدو منهم في الظاهر، ويكل السرائر إلى الله، فسلكوا هذا الطريق المظلم.

لا يتسع المقام لسرد الأخطار التي واجهها النبي (صلى الله عليه وسلم) بسبب المنافقين، ولا الأضرار التي لحقت بالمسلمين من جهة المنافقين.

أذكر في عجالة محاولة عبد الله بن سلول ، زعيم هؤلاء المنافقين ، النيل من شرف بيت النبوة ، حتى أتهم زوج النبي عائشة، وكانت أحب نسائه إليه، حين اتهمها بالزنا، فأنزل الله تعالى قرآناً يكذب هذه الفرية، ويبرئ عائشة، فكان مما جاء في هذا قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النور : 11 ).

من الأضرار التي لحقت بالمسلمين، انسحاب عبد الله بن سلول بثلث الجيش في غزوة أحد، فترك هذا التصرف أثراً سيئاً في نفوس المسلمين، ومنها أيضاً تعاون المنافقين مع أعداء النبي (صلى الله عليه وسلم) في كل موطن(1).

لقد بدت من النبي (صلى الله عليه وسلم) مظاهر رحمة بهؤلاء ، رغم شدة عداوتهم وخطورتهم، وعلى رأسهم خصم النبي (صلى الله عليه وسلم) العنيد عبد الله بن سلول(1)، منها:

المظهر الأول : أن النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يفضح أمرهم بين الناس، فقد كان يعرف أسماءهم، حين أخبره الله بهم، ولكنه ستر عليهم، وهذه رحمة بارزة بهم، وهي رحمة بأقاربهم المسلمين الصادقين، دفعاً للحرج عنهم.

المظهر الثاني : لم يقتل أحداً منهم، مع أنهم يستحقون القتل، لأنهم أشد خطراً عليه، من الكفار البعيدين، فقد تركهم وشأنهم، وكان يعاملهم كما يعامل المسلمين.

المظهر الثالث : أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يوبخ المنافقين، دون توجيه الكلام إلى أحد منهم صراحة، ولكنه كان يحذر من النفاق، ويقرأ عليهم آيات الوعيد، وينذرهم بالعذاب الشديد الذي ينتظرهم، ولقد أثمر هذا الأسلوب، وترك عدد منهم النفاق، وحسن إسلامهم، فكان الستر عليهم، وعدم قتلهم رحمة بمن راجع نفسه، وتاب إلى الله وحسن إسلامه.

تدعو الأمانة العلمية، واحترام الحاضرين الكرام، أن أشير إلى أن بعض العلماء اعترف بهذه المواقف ولكنه اعترض على اعتبارها من مظاهر الرحمة لأن المنافقين لا يستحقون الرحمة (2)، وهي على أية حال، تبقى وجهات نظر.

الصنف الرابع:

الذي نَعِم برحمة النبي (صلى الله عليه وسلم) هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى ويمكن أن نعرض هذه الرحمة ضمن المظاهر التالية:

المظهر الأول : أن النبي (صلى الله عليه وسلم) خصهم بما لم يخص به العرب ـ أهله وعشيرته ـ ، حين قبل منهم البقاء على دينهم، ولم يقبل هذا من العرب، حين خيرهم بين الإسلام أو القتال.

في حين خير اليهود والنصارى بين الإسلام، أو الجزية، وهي مبلغ يدفعونه، مقابل حماية المسلمين لهم.

واسمحوا لي أن انتقل من عصر النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) إلى القرن السابع الهجري، حين دخل هولاكو بغداد، وأسر عدداً من المسلمين،والنصارى، واليهود، فذهب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية يطالب بطلاق سراح الأسرى، قال له هولاكو نطلق سراح المسلمين، ونبقي اليهود والنصارى، فلا شأن لك بهم، فرفض ابن تيمية هذا العرض، وقال يطلق هؤلاء قبل المسلمين، لأنهم في حماية المسلمين، وتحت رعايتهم، فأعجب به هولاكو، وأطلق سراحهم جميعاً(1).

المظهر الثاني : أن النبي (صلى الله عليه وسلم) أقام العدل بين من كان يعيش منهم بكنفه، وقد أوصاه الله بهذا، فقال له: (فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)(المائدة:42 ).

المظهر الثالث : حرص النبي (صلى الله عليه وسلم) على أن يعامل أهل الكتاب، معاملة حسنة، وسعى إلى إغلاق الأبواب التي تؤدي إلى إلحاق الأذى بهم، ولقد وقفت على رواية مفادها، أنه كان في المدينة زمن النبي (صلى الله عليه وسلم) جالية نصرانية صغيرة، تسكن في حي يسمى سوق النبط (1).

ولا أذكر حتى هذه اللحظة أنه قتل نصراني واحد عند النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) ولكن للأسف الشديد قتل الكاثوليك زمن كارلوس الخامس عام 1521م أكثر من نصف مليون من النصارى البروتستانت، كما بلغ عدد من أحرقوا بالنار 230 ألف من البروتستانت أيضاً (2).

وتدلنا أعزائي الحضور ، مقابلة النبي (صلى الله عليه وسلم) لوفد نصارى نجران، على حسن معاملته للنصارى في عصره، وهي منطقة قريبة من مكة، كان أهلها نصارى، جاءوا إلى المدينة، فاستقبلهم النبي (صلى الله عليه وسلم)، وتلطف معهم، وأوضح لهم معالم الحق، ثم تركهم بعد ذلك على ما يرغبون، فاختاروا البقاء على دينهم ، فتركهم وشأنهم، ثم طلبوا منه أن يرسل معهم أحد أصحابه يستعينون به في إدارة أمورهم، وحل مشاكلهم، فقال , سوف أرسل معهم رجلاً أميناً، فأرسل معهم أبو عبيدة بن الجراح، وقال هذا أمين هذه الأمة(3)

لقد عفا عن المرأة اليهودية، التي قدمت له طعاماً مسموماً(4)، وعفا عن لبيد اليهودي، الذي حاول إيذاء النبي (صلى الله عليه وسلم) وقد ذكر لزوجه عائشة أنه عفا عنه لأنه لا يريد أن يثير الناس رحمة بالجميع.

المظهر الرابع : كان من أهداف القرآن التي عمل النبي (صلى الله عليه وسلم) على إنفاذها، دمج أهل الكتاب في المجتمع، عن طريق الإذن بالزواج من نسائهم، والسماح بمخالطتهم، اجتماعياً، حين أباح الأكل من طعامهم.

كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يلبي دعوتهم إلى الطعام، ويزور مرضاهم، ويواسيهم في مصابهم ، ولقد تعاطف القرآن الكريم مع نصارى نجران الذين أحرقهم ملكها بسبب إيمانهم وتوعده الله بالعذاب.

المظهر الخامس : أن النبي (صلى الله عليه وسلم) بين لأهل الكتاب ما أصاب دينهم من تحريف وتبديل، وهذه المصارحة، وإن كانت صعبة عليهم، ولكنها من الحق المر، ومن مظاهر الرحمة، والمثل يقول ، صديقك من صدَقك، لا من صدَّقك، وتركهم بعد ذلك لاتخاذ القرار، بكل حرية واختيار.

المظهر السادس : لقد أمَّنَ النبي (صلى الله عليه وسلم) اليهود والنصارى على أموالهم وأنفسهم، وأماكن عبادتهم، وحتى على طعامهم وشرابهم، فأبقى لهم الحرية كاملة، في ما يأكلون ويشربون، بما لا يجرح شعور المسلمين، في ضوء القاعدة المشهورة بين المسلمين لا ضرر ولا ضرار.

لم أورد هذه المظاهر على سبيل الحصر، فإنها أكثر مما ذكرت بكثير، لكنها مجرد إشارات تدل بوضوح على مدى رحمة النبي (صلى الله عليه وسلم) بإتباع الديانات الأخرى.

ومن محاسن الصدف، أعزائي الحضور، أن الخلاف في طبيعة السيد المسيح، قد ظهر جلياً، زمن الإمبراطور هرقل البيزنطي، الذي عاصر النبي محمداً (صلى الله عليه وسلم) ( 575-642) ، فقد كان أهل بيزنطة يقولون، إن للمسيح طبيعتين، واحده إلهية، والأخرى بشرية، في حين كانت رعيته في مصر وبلاد الشام يقولون إن الكلمة انقلبت لحماً ودماً فصار الإله هو المسيح، وهم اليعقوبية(1) .

وما كان يدري هؤلاء أنه في الوقت الذي يختلفون فيه هذا الاختلاف الكبير كان هناك النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) لديه الحقيقة كاملة.

تنبغي الإشارة أعزائي الحضور، إلى أن مظاهر الرحمة التي صدرت من النبي(صلى الله عليه وسلم) بحق هؤلاء الخصوم، صارت منهجاً اتبعه كل من جاء بعده، من حكام المسلمين، وعلمائهم، لأنني سبق أن أشرت إلى أن المسلمين ملزمون باتباع النبي (صلى الله عليه وسلم) فيما يصدر عنه من قول أو فعل.

لقد قلَّبت صفحات التاريخ، فوجدت معاملة المسلمين للنصارى، لم تتغير عمَّا رسمه النبي (صلى الله عليه وسلم) لهم، ويمكنني القول بكل أسف إن تاريخ النبي (صلى الله عليه وسلم) مع كفار قريش أعاد نفسه، فتاريخ المسلمين مع النصارى مشابه له.

لقد عامل المسلمون النصارى بالعفو والرحمة والتسامح، في حين عامل النصارى المسلمين بكل قسوة، في مواطن كثيرة جداً في الأندلس، ومحاكم التفتيش، والحروب الصليبية.

آسف لهذا الاستطراد ، لكنها معلومات وقفت عليها، أحببت أن أذكرها لكم، وأتمنى أن تتابعوها في مصادرها.

لعلنا نتذكر ما ورد في المحاضرة الأولى، حول شقاء البشرية قبل النبي محمد(صلى الله عليه وسلم) في كل نواحي الحياة، وهي أحوال اعترف بسوئها كل من كتب عنها، فكان ظهور النبي (صلى الله عليه وسلم) محمد رحمة للبشرية.

فإنه ما من أحد درس الأوضاع المشار إليها، إلاَّ أقر بوجود مظاهر قسوة وظلم فيها، وما من أحد منصف درس سيرة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) إلاَّ أقر بوجود مظاهر رحمة في كل جوانبها.

وهذا التصور يعين كثيراً على فهم قول الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) (الأنبياء : 107 ).

كان لابد من اكتمال منظومة الرحمة هذه، لتشمل كل المخلوقات، إذ لا يتصور أن يتراحم الناس فيما بينهم، في حين أنهم يمارسون صور القسوة، والتعذيب، على المخلوقات الأخرى، من الحيوانات، والطيور، فقد سبقت الإشارة إلى أن الخلق لا يتجزأ.

وقد لا أبتعد عن الصواب، إذا قلت، إن ممارسة الرحمة مع غير البشر، مظهر من مظاهر التدرج في التربية على هذا الخلق، إذ ليس من اليسير أن يتحرر المرء بكل بساطة من بعض الصفات التي تحول دون ممارسته الرحمة، مع أخيه الإنسان، مثل حب الذات، وحب الانتقام، وكراهية من يسيء إليه، فكأن الرحمة بالحيوانات والطيور وسيلة وغاية في آن واحد.

حين قال النبي (صلى الله عليه وسلم) على مسمع من أصحابه: ( من لا يرحم لا يُرحم)(1) وعندما سمعوه يقول:( ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء)(2) فهم الصحابة منها وهم العرب، أصحاب البيان، أن الرحمة العامة الشاملة، هي المطلوبة، لنيل رحمة الله، وليست رحمة مخصوصة بفئة معينة، أو بجنس معين من المخلوقات.

ذلك أن أهل الأرض المشار إليهم في قول النبي هم القريب والبعيد، الصديق والعدو، الصغير والكبير، الذكر والأنثى، الحيوانات والطيور، لن ينال أحد رحمة الله مالم يمارس الرحمة، عن محبة وقناعة مع هؤلاء جميعاً.

لقد نهى النبي بكل وضوح، عن كثير من صور الرياضة التي يكون فيها الحيوان طرفاً، ويلحق به الأذى، فمصارعة الثيران حرام، ومبارزة الديوك بعضها مع بعض حرام، وجعل الحيوانات والطيور أهدافاً يصوَّب عليها حرام أيضاً.

لقد استقرت هذه الثقافة في أذهان أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) فهذا عبد الله بن عمر(رضي الله عنه) يمر على قوم، وقد وضعوا طيراً وجعلوه هدفاً، يصوِّبون عليه بالسهام، فقال ابن عمر، من فعل هذا ؟ لعن الله من فعل هذا، إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لعن من اتخذ شيئاً فيه روح غرضاً(1).

أعزائي الحضور .. ازداد إعجابي بهذا التوجيه النبوي، حين قرأت لعلماء النفس، أن الإنسان الذي يشاهد صور تعذيب الحيوانات، أو المناظر التي فيها قسوة وبطش، يورثه هذا قسوة في قلبه، وجرأة في طبعه يألف معها هذه المناظر، ولا يعود يميل إلى الرحمة والتسامح مع الآخر.

الخلاصة هي أن النبي (صلى الله عليه وسلم) لا يريد أن يرى على الأرض، صورة من صور القسوة، والتعذيب، ولا يرغب أن يبقى بين الناس أحد يقوم بتصرف يخلو من الرحمة، أياً كان هذا التصرف، ومع أي مخلوق كان.

يمكن أن نقول بتعبير معاصر إن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يسعى لإصدار تشريع ينص على وجوب خلو الأرض من كل تصرف يتناقض مع الرحمة، بكل صورها ومظاهرها، وفي كل ميادين الحياة.

وأنا أتفق في هذا المقام مع القول القائل، إن رحمة النبي (صلى الله عليه وسلم) كانت غريبة في أول الأمر على ضمير البشرية، لبعد ما كان بينها وبين واقع الحياة الروحية، والواقعية من مسافة، ولكن البشرية أخذت من يومها تقرب شيئاً فشيئاً من آفاق هذه المبادئ، فتزول غرابتها في حسها، وتتبناها وتنفذها ولو تحت عنوانات أخرى.

إن البشرية كلها، قد تأثرت بمنهج الرحمة، الذي جاء به النبي (صلى الله عليه وسلم) طائعة أو كارهة، شاعرة أو غير شاعرة، وما تزال ظلال الرحمة وارفة لمن يريد أن يستظل بها(1).

أعزائي الحضور .. أرى شيئاً من الملل وبعض مظاهر عدم متابعة، واعترف إني مسؤول عنها بسبب هذا الطرح الأكاديمي، وحيث إني رأيت بعضكم قد توقف عن التدوين، فإني أجدد لكم الوعد ، بأني سأضع بين أيديكم هذه المحاضرات.

وأعدكم بأمر آخر، في المحاضرة القادمة، وهو الانتقال إلى موضوع شيق محبب إلى النفس، فإلى اللقاء.

 

--------------------------------------------------------------------------------

(1) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الطبري، ج 17، ص 106

(1) انظر المحرر الوجيز، ص 1296، 1297، ابن عطية

(2) انظر تفسير الطبري، ج 17، ص 106، وانظر التحرير والتنوير، ج17، ص 167 بتصرف

(1) صحيح مسلم، باب النهي عن لعب الدواب وغيرها، ح 6613

(2) رواه الترمذي، باب في ثقيف وبني حنيفة، ح 3942

(1) يراجع للتوسع في هذا كله كتاب النفاق وأثره في حياة الأمة، دراسة قرآنية، ص 360 وما بعدها، د. عادل الشدي

(1) انظر الكشاف، ج1، ص 491، الزمخشري، روح المعاني، ج10، ص 127، الألوسي

(2) تفسير المنار، ج10، ص 519 فما بعدها، محمد رشيد رضا

(1) انظر مجموع الفتاوى، ج 28، ص 617 فما بعدها، ابن تيمية

(1) دراسة في السيرة، ص 283، عماد الدين خليل، ط6، 1982م، مؤسسة الرسالة ، دار النفائس ، بيروت

(2) الحوار مع أهل الكتاب، ص 90، د. خالد القاسم، ط1، 1414، دار المسلم، الرياض

(3) انظر تفاصيل القصة في زاد المعاد، ج3، ص 643، ابن القيم.

(4) رواه أبو داود في السنن، باب فيمن سقى رجلاً سماً، ح 4510، وهو صحيح وأصله في البخاري، كتاب المغازي، ح 4249

(1) انظر فلسفة محمد، ص 47 بتصرف، جميل بيهم

(1) رواه البخاري، باب رحمة الناس والبهائم، ح 6013

(2) رواه أبو داود، باب في الرحمة، ح 4941

(1) رواه مسلم، باب النهية عن صبر البهائم، ح 1958

(1) في ظلال القرآن، ج 4، ص 2401 وما بعدها بتصرف، سيد قطب