Get Adobe Flash player

رسالة اليوم من هدي الرسول

تعظيم شعائر الله:

عن البراء بن عازب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أربع لا تجزئ في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظلعها، والعجفاء التي لا تنقي (أي الهزيلة جداً). رواه أهل السنن وصححه الترمذي، قال ابن قدامة: وظاهر الحديث أن كل مريضة مرضا يؤثر في هزالها أو في فساد لحمها يمنع التضحية بها .

كتاب الرحمة في حياة الرسول

إقرأ مقالا من أكبر كتاب في العالم

فضل المدينة وسكناها

ننصحك بقراءة هذا الإصدار

أضخم عمل عن الحرمين الشريفين

شاهد المدينة المنورة مباشرة

الرئيسية
Rahiyma

منذ سنوات، سكن إلى جواري رجل دين نصراني يدعى (الأب نقولا)، فسارعتُ آنذاك إلى الترحيب به، وتقديم يد العون والمساعدة له... ريثما تطمئنُّ نفسه، وتقرُّ عينه، وتنتظم شؤون حياته في مسكنه الجديد. ولم يكن تصرفي هذا سوى التزامٍ مني بتعاليم الإسلام التي توجب على كل مسلم رعاية حُسن الجوار، تجاه أي جار، من أي عِرق كان، ومن أي لون، ومن أي دين.. انطلاقاً من قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورِّثه»[1].

ومضت شهور وأعوام... وصار بيني وبين جاري (الأب نقولا) مَودَّة عمادُها الآية الكريمة: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى﴾[2]، وصرنا نتبادل الزيارات في المناسبات والأعياد... ولم نكن نُميتُ تلك الزيارات باللغو والغِيبة والمِراء... بل كنا نحييها بالحديث عن الأديان.. فهو يحدثني عن دينه، وأنا أحدثه عن ديني، فيفيد كلٌّ منا الآخر.. ودام الأمر على هذا المنوال حتى تاريخ 12/9/2006 م، حيث ذاع كلام بابا الفاتيكان (بينيدكت السادس عشر) الذي أساء فيه إلى دين الإسلام، وإلى نبي المسلمين! واستشهد فيه بنصوص من العصور الوسطى، أيام كانت الحروب الدينية تشتعل بين النصارى والمسلمين بفعل مثل هذا الكلام الذي جاء فيه ما مُلخصه: «إن الإسلام انتشر بالسيف، ونبي المسلمين لم يأت بغير السيف». وهي نغمة قديمة كان يروِّج لها مدبّرو الحروب الصليبية، كلما عزموا على إشعال نار حرب جديدة([3]).

وضجَّت وسائل الإعلام بنقل كلام بابا الفاتيكان، وردود الفعل عليه...

* * *

وصادف أن التقيتُ جاري (الأب نقولا) أمام الباب الخارجي للبناء الذي نقطنه، بعد ذيوع كلام البابا بأيام، فبادر كلّ منا الآخر بالتحية، وتصافحنا على عادتنا، وسأل كلّ منا الآخر عن صحته وأحواله... كما هو دأبنا كلما التقينا... لكنه زاد هذه المرة أن سألني قائلاً:

- متى سيبدأ صومكم هذا العام؟.

قلت: بعد ثلاثة أو أربعة أيام، بحسب ظهور هلال أول شهر رمضان القمري.

قال: إذاً سأزورك في أول يوم من أيام رمضان، لأهنّئك ببدء الصوم.

قلت: مرحباً بك.

قال: ألديك برنامج محدد مساء يوم الصيام، حتى أتجنب الزيارة في وقت غير مناسب؟

قلت: برنامجي مساء يوم الصيام هو التالي: أستمع إلى المؤذن وهو يؤذن لصلاة المغرب معلناً بدء الإفطار ذلك اليوم، ثم أتناول تمراتٍ أو شربة ماء بِنيَّة إنهاء صومي وبدء فطري ذلك اليوم، ثم أصلي المغرب، ثم أتناول طعام الإفطار... ثم أنتظر حتى يؤذَّن لصلاة العشاء، ثم أصلّي العشاء، ثم أصلي بعدها صلاة التراويح، وصلاتي كلها في المسجد. ثم أجلس في منـزلي للراحة، حيث تكون الساعة قد قاربت التاسعة مساءً بالتوقيت الشتوي.

قال: إذاً موعدنا أول يوم من رمضان، الساعة التاسعة مساءً.

قلت: إن شاء الله.

فاستدرك قائلاً: لكن سيصحبني في زيارتي رجل لا تعرفه، يودُّ التعرف عليك، والحديثَ إليك.

قلت: على الرُّحب والسَّعة، أنت وصاحبك.

ثم ودَّع كلٌّ منا الآخر... وانطلقت أنا إلى وجهتي التي كنت أنتويها، وتابع هو صاعداً درج السلَّم إلى منـزله.

* * *

1- تفنيد فِرية السيف:

وجاء أول يوم من رمضان من العام الهجري /1427/، وعند الساعة التاسعة رن جرس باب منـزلي، ففتحت، واستقبلت الضيفين مرحِّباً بهما... وعرَّفني (الأب نقولا) على صاحبه قائلاً:

- صديقي (الأب ستيفانو) من الشعبة الثقافية في السفارة الإيطالية عندنا.

فكرَّرت الترحيب بالضيف... وطفقنا نتجاذب أطراف الحديث... ثم قمت بواجب الضيافة...التزامً مني بتعاليم الإسلام، وانطلاقاً من قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُكرم ضيفه»([4]). وفي أثناء ذلك ابتدرني الأب ستيفانو قائلاً بالعربية مَشوبةً بلكنة أجنبية:

- لديّ سؤال أرجو أن أجد جوابه عندك.

قلت: أبشِر، إن كان الجواب في مقدوري.

وأردفت مبتسماً: لعل سؤالك يدور حول عبارات بابا الفاتيكان الأخيرة؟.

فتبسم الأب ستيفانو وهو يقول:

- لا عليك؛ فهذه العبارات وأمثالها، تُلقى بين آونة وأخرى، بوحيٍ من بعض كبار الساسة، ليصلوا بها إلى أهداف خططهم المرسومة خِفية عن أعين الناس.. بدليل أن أصحاب هذه العبارات غالباً ما يتراجعون عنها، عندما يدركون خطرها..

واستدرك قائلاً:

- لكنْ على ذِكر كلام بابا الفاتيكان، أترى تهمة انتشار الإسلام بالسيف، حقاً أم باطلاً؟([5]).

قلت: ومن أين لي أن أعرف هذا؟

قال: من النصوص الأصلية التي تأخذون منها دينكم أنتم المسلمين.

قلت: وأين أجد هذه النصوص؟.

قال: من الثابت لدى الجميع، أن نصوصكم الأصلية موجودة في آيات (القرآن) كتابِ دِينِكم، وفي الأحاديث الصحيحة التي تروونها عن نبيكم، ثم ما صح من أخبار السيرة النبوية([6])عندكم.

قلت: أوَ ترضى أنت بالاحتكام إلى هذه النصوص؟.

قال:ولِمَ لا؟ إن جميع الأديان والمذاهب والفلسفات، لا نعرف حقيقتها إلا بالرجوع إلى نصوصها الأصلية التي يصدر عنها أصحابها، هكذا يقول العقل([7]).

قلت: لقد أَنصفتَ، ولأعرضنَّ عليك من النصوص الأصلية التي رضيتَها، ثم لك أن تحكم بما يمليه عليك عقلك وإنصافك.

قال:إني مُصغٍ.

قلت: استمع معي إلى آيات القرآن الكريم التي تعلِّم نبي المسلمين، ثم المسلمين، طريقة نشر الدعوة الإسلامية بين الناس:

- تقول الآية القرآنية مخاطبة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وكلَّ مسلم: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾([8])، أتجد هنا سيفاً أم حواراً؟

قال: لا أجد هنا إلا حواراً، بل هو حوار لطيف حسن.

قلت: وتقول الآية القرآنية مخاطبة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وكل مسلم: ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾([9])، أتجد هنا سيفاً أم حواراً؟.

قال: لا أجد هنا إلا حواراً، بل هو حوار لطيف حسن كسابقه.

قلت: وتقول الآية القرآنية: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾([10])، وأهل الكتاب كما تعلم، هم اليهود والنصارى، أتجد هنا سيفاً أم حواراً؟

قال: لا أجد هنا إلا حواراً، بل هو حوار لطيف حسن كسابقَيه.

واستدرك قائلاً: لكن هل لك أن توضح لي كيف تتم هذه المجادلة بالتي هي أحسن، على أن نبقى ضمن النصوص الأصلية.

قلت: لك هذا، ولن أخرج عن النصوص الأصلية قِيدَ أُنملة، فاستمع إلى تمام الآية السالفة ليتوضح لك ما تريد، قال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنـزلَ إِلَيْنَا وَأُنـزلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾[11] أي أن علينا نحن المسلمين أن نبيِّن لهم – لليهود والنصارى – حقيقة ديننا الذي يعترف بنبوَّة جميع الأنبياء الذين أرسلهم الله تعالى لهداية البشر، ويصدِّق جميع الكتب التي أنـزلها عليهم، ومنها التوراة والإنجيل اللذان أُنـزلا على موسى وعيسى عليهما السلام.

قال الأب ستيفانو: هذا حسن، لكن وردتْ في الآية التي ذكرتَها عبارةٌ أود أن توضحها لي.

قلت: ما هي؟

قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ من هم هؤلاء الذين استثنتهم الآية من الحوار والمجادلة الحسنة؟

قلت: هؤلاء، هم الذين يسبُّون ويشتمون دين الإسلام ونبي الإسلام، ويعتدون على المسلمين ويظلمونهم، أينفع الحوار والمجادلة الحسنة مع هؤلاء؟.

قال: لا، فالمعتدي يجب أن يحاسَب ويعاقَب، هكذا يقول العقل، ولو تركنا المعتدي على هواه، لألحق الأذى والضرر بالأبرياء.

وأردف قائلاً: ولا أكتمك أن هذه اللفتة في الآية، فيها حفظ لكرامة المسلمين[12].

قلت: لقد أَنصفتَ.

قال: أنا أتفق معك من خلال هذه النصوص، أن الإسلام دين يدعو إلى الحوار، لكنْ...

وصَمَتَ الأب ستيفانو قليلاً. فقلت مستحثاً إياه على المتابعة:

- لكن ماذا؟

قال: لكن إذا رفض الذين تحاورونهم الاستجابة إلى دعوتكم، ولم يُجدِ الحوار، فالسيف... أليس كذلك؟

قلت: على رِسْلك، أمَا زلنا متفقَين على الاحتكام إلى النصوص الأصلية؟

قال: بلى، ولن أعفيك من هذا الاتفاق.

قلت: إذاً استمع إلى هذه الآية القرآنية التي تعلم نبي المسلمين وكل مسلم، كيفية الحوار مع النصارى واليهود، وكيفية الرد على الرافضين منهم. تقول الآية: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾[13] وكرَّرتُ: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾.

وأردفت: أي إنْ رفَض النصارى واليهود ما تدعونهم إليه من توحيد الله وعبادته سبحانه وحده، فاتركوهم وشأنهم[14]، واثبتوا أنتم على الإسلام. أفي هذا سيف أو عنف أو إكراه؟

قال الأب ستيفانو: الحقَّ أقول: لا سيف ولا عنف ولا إكراه.

قلت: بل أوضح من هذا وأَبْـيَن، تقول الآية القرآنية مشيرةً إلى جميع البشر، من المِلل كافة: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ﴾[15].

وكرَّرتُ: ﴿مَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ﴾. ثم حساب المؤمن والكافر على الله سبحانه، وليس على البشر.

وأردفت: بل أوضح من هذا وأَبْـيَن، تقول الآية القرآنية معلنة المبدأ العام في الدعوة إلى دين الإسلام: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾[16]. وانطلاقاً من هذا المبدأ العام، أتدري ماذا فعل نبي المسلمين عندما رفض الكافرون بوحدانية الله الاستجابةَ لدعوته، وامتنعوا عن القبول بعبادة الله وحده، وأصروا على عباداتهم الضالَّة؟

قال: ماذا فعل؟

قلت: لم يجرِّد عليهم سيفاً، ولم يعنف بهم، ولم يحاول إكراههم بأي وسيلة، إنما التجأ إلى ربه، يدعوه ويستخيره فيما يفعل أو يقول بشأن هؤلاء الكافرين المعاندين، فنـزلت الآيات القرآنية ترشده وتوجهه وتقول له: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ{1} لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ{2} وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ{3} وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ{4} وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ{5} لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾[17].

وكرَّرتُ: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾.

وتقول له: ﴿وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾[18].

وتقول له: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِي{14} فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ﴾[19].

وأردفت: أهناك حرية دينية فوق هذا؟

قال الأب ستيفانو: أشهد أن هذا عين الإنصاف!

قلت: أعرفتَ الآن، إن كانت تهمة انتشار الإسلام بالسيف، حقاً أم باطلاً؟

قال:أجل عرفت، إنها تهمة باطلة، وأشهد أن الإسلام بريء منها[20].

* * *

2- الغربيون ودراسة شخصية محمد (صلى الله عليه وسلم):

وأردف الأب ستيفانو قائلاً: والآن أودُّ العودة إلى السؤال الذي جئتك لأجله.

قلت:وما سؤالك؟.

قال: إن بلادي أوفدتني إلى بلادكم رَجلَ دين، لا لأكرِّس وقتي لوعظ الناس... فعندكم من الواعظين المسلمين والنصارى ما يكفي وزيادة..

قلت: لقد أَنصفتَ، فما سبب وِفادتك؟.

قال: لقد كُلِّفت من قِبل الجهة التي أعمل فيها، بأن أكتب بحثاً عن (مظاهر الرحمة للبشر في شخصية محمد) نبيكم. وأن أدرس من خلال ذلك شخصية هذا النبي، أكانت قاسية رهيبة تتناسب مع تهمة مجيئه بالسيف ونشر دينه به؟ أم أنها كانت شخصية عطوفة رحيمة تتناقض مع هذه التهمة؟.

قلت: وما الداعي إلى مثل هذا البحث؟.

قال: إن مجتمعاتنا الغربية اليوم – بسبب ما يتردد في وسائل الإعلام – بات الشغلَ الشاغل لها سيرةُ نبيكم محمد.. ولم يجد المعنيون بهذا، وسيلةً أفضل من إعادة دراسة وتقويم سيرة محمد على ضوء الرجوع إلى النصوص الأصلية التي جاء بها، لأجل الوصول إلى الحقيقة غير المشوّهة عن محمد ودينه الذي جاء به. ثم عَرضِ هذه الحقيقة على المجتمعات الغربية، حتى يتسنى لها التخلص من كل ما لا يمتّ إلى الحقيقة بِصِلة.

وأردف قائلاً: ولما عزمتُ البدءَ بالكتابة، وجدتني أولاً بحاجة إلى مطالعة ما سبق أن كتبه الغربيون، من مستشرقين ودارسين، عن شخصية محمد... واستغرق هذا مني قرابة سنة، كانت حصيلتها النتيجة التالية:

لقد وجدتُ دارسي شخصية محمد من الغربيين ينقسمون فئتين:

- فئة كتبت عنه بروح سلبية، وهؤلاء كانوا ينطلقون من وجهة نظر عدائية، كانت تثيرها الكنيسة الغربية منذ القديم.. والغرض منها تشويه صورة محمد في نظر الغربيين، حتى يَنفِروا منه ومن دينه، فلا ينجذبون إليه، ولا يعتنقون دينه!

وكان من هؤلاء المشوِّهين قدماءُ ومُحْدَثون:

أما القدماء، فقد كشف الفيلسوف الفرنسي (رينان) أمرهم لعامة الناس حتى لا ينخدع أحد بأقوالهم.. وشهد على تحاملهم وحقدهم السافر على محمد، فقال: «لقد كتب المسيحيون تاريخاً غريباً عن محمد.. إنه تاريخ يمتلئ بالحقد والكراهية له. لقد ادّعوا أن محمداً كان يسجد لتمثال من الذهب كانت تخبئه الشياطين له! ولقد وصفه دانتي بالإلحاد في رواية (الجحيم)، وأصبح اسم محمد عنده وعند غيره، مرادفاً لكلمة كافر أو زنديق!

ولقد كان محمد في نظر كتّاب العصور الوسطى، تارة ساحراً، وتارةً أخرى فاجراً شنيعاً، ولصاً يسرق الإبل، وكاردينالاً لم يفلح في أن يصبح (بابا) فاخترع ديناً جديداً أسماه (الإسلام) لينتقم من أعدائه! وصارت سيرته رمزاً لكل الموبقات، وموضوعاً لكل الحكايات الفظيعة»[21].

وتابع: ويزداد كلام رينان وضوحاً، عندما نقرأ ما كتبه المستشرق السويسري (جون وانبورت) في كتابه (محمد والقرآن) إذ قال: «بقدر ما نرى من صفة محمد الحقيقية بعين البصيرة والتروي في المصادر التاريخية الصحيحة، بقدر ما نرى من ضعف البرهان، وسقوط الأدلة لتأييد الهجو الشديد، والطعن القبيح، الذي انهال عليه من أفواه المغرضين، والذين جهلوا حقيقة محمد ومكانته».

وعندما نقرأ ما كتبه (برنارد شو) في كتابه (محمد) الذي أحرقته السلطات البريطانية: «إن رجال الدين في القرون الوسطى، ونتيجة للجهل والتعصب، قد رسموا لدين محمد صورة قاتمة».

* * *

وتابع الأب ستيفانو قائلاً:

- وأما المُحْدَثون من هؤلاء المشوِّهين.. المُحْدَثون الذين يدَّعون أنهم درسوا حياة محمد بحسب المنهج العلمي النقدي، الذي يقول بوجوب طرحِ الدارسِ كلَّ الأهواء والميول الشخصية جانباً، قبل البدء بالدراسة.. هؤلاء يحدثنا المستشرق النمساوي (ليوبولد فايس)[22] في كتابه (الإسلام على مفترق الطرق) عن طريقتهم في دراسة الإسلام والسيرة النبوية قائلاً: «إن طريقة الاستقراء والاستنتاج التي يتبعها أكثر المستشرقين –عند دراستهم للإسلام والسيرة النبوية – تذكِّرنا بوقائع دواوين التفتيش! تلك الدواوين التي أنشأتها الكنيسة الكاثوليكية لخصومها في العصور الوسطى، أي أن تلك الطريقة لم يتفق لها أبداً أن نظرت إلى القرائن التاريخية بتجرد، لكنها كانت في كل دعوى تبدأ باستنتاجٍ متفق عليه من قبل، قد أملاه عليها تعصبها لرأيها»[23].

ثم يقول في كتابه هذا أيضاً عن هذه الفئة: «أما تحامل المستشرقين على الإسلام، فغريزة موروثة، وخاصةٌ طبيعية، تقوم على المؤثرات التي خلَّفتها الحروب الصليبية بكل مالها من ذيول في عقول الأوروبيين»[24].

وتابع الأب ستيفانو قائلاً:

- وفي هؤلاء المُحْدَثين من المشوِّهين يقول المستشرق الفرنسي (آتيين دينيه) في كتابه (محمد رسول الله) مصوِّراً الحالة المتدنية التي وصلت إليها كتابة السيرة النبوية على يد بعض المستشرقين: «إنه من المتعذر، بل من المستحيل، أن يتجرد المستشرقون عن عواطفهم وبيئتهم ونـزعاتهم المختلفة، وإنهم – لذلك – قد بلغ تحريفهم لسيرة النبي والصحابة مبلغاً يخشى على صورتها الحقيقية من شدة التحريف فيها! وبرغم ما يزعمون من اتِّباعهم لأساليب النقد البريئة، ولقوانين البحث العلمي الجاد، فإننا نجد – من خلال كتاباتهم – محمداً يتحدث بلهجة ألمانية إذا كان المؤلف ألمانياً! وبلهجة إيطالية إذا كان الكاتب إيطالياً!.. وهكذا تتغير صورة محمد بتغير صورة الكاتب! وإذا بحثنا في هذه السيرة عن الصورة الصحيحة، فإننا لا نجد لها من أثر.

إن المستشرقين يقدمون لنا صوراً خيالية هي أبعد ما تكون عن الحقيقة! إنها أبعد عن الحقيقة من أشخاص القصص التاريخية التي يؤلفها أمثال (ولتر سكوت –وإسكندر ديماس) وذلك أن هؤلاء يصورون أشخاصاً من أبناء قومهم، فليس عليهم إلا أن يحسبوا حساب اختلاف الأزمنة، أما المستشرقون فلم يمكنهم أن يلبسوا الصورة الحقيقية لأشخاص السيرة، فصوروهم حسب منطقهم الغربي، وخيالهم العصري».

ثم يقول: «ما رأي الأوروبيين في عالِم من أقصى الصين، يتناول المتناقضات التي تكثر عند مؤرخي الفرنسيين، ويمحِّصها بمنطقه الشرقي البعيد، ثم يهدم قصة (الكاردينال ريشيلو) كما نعرفها، ليعيد إلينا (ريشيلو) آخر له عقلية كاهن من كهنة بكين، وسِماته وطبعه؟!.

إن مستشرقي العصر الحاضر قد انتهوا إلى مثل هذه النتيجة فيما يتعلق بسيرة محمد، ويخيل إلينا أننا نسمع محمداً يتحدث في مؤلفاتهم، إما باللهجة الألمانية، أو الإنكليزية، أو الفرنسية، ولا نتمثله قط - بهذه العقلية والطباع التي أُلصقت به - يحدِّث عرباً باللغة العربية»[25].

وتابع الأب ستيفانو قائلاً:

- ويقول المستشرق (مونتغومري وات) في كتابه (محمد في مكة) عن هؤلاء المشوِّهين:

«وإذا حدث أن كانت بعض أراء العلماء الغربيين، غير معقولة عند المسلمين، فذلك لأن العلماء الغربيين لم يكونوا دائماً مخلصين لمبادئهم العلمية، وأن آراءهم يجب إعادة النظر فيها من وجهة النظر التاريخية الدقيقة»[26].

ويقول عنهم المستشرق (مكسيم رودنسون) في معرض تقويمه ما كتبه العلماء الغربيون المُحدَثون عن الإسلام ونبي المسلمين: «يمكن القول بصورة عامة، إن العلماء في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كان يزيد ضررهم على نفعهم، وذلك لتأثرهم بالأحكام الشائعة لا بالعلم»[27].

* * *

وأردف الأب ستيفانو قائلاً: أما أنا، فبعدما تعرفتُ على ما كتبه القدماء والمُحدَثون من هذه الفئة المشوِّهة، أدركت أن هؤلاء الكتَّاب كانوا على قدر كبير من الجهل بحياة وسيرة محمد الحقيقية، وأدركتُ أنهم لم يُجَشِّموا أنفسهم عناء الرجوع إلى النصوص والمصادر الأصلية لسيرة محمد[28].

وأستطيع أن أقول، وأنا مطمئن الاطمئنانَ كلَّه لما أقول: لقد ساد دراسات هؤلاء الغربيين من مستشرقين ودارسين لحياة محمد، كثير من التعسف في تفسير النصوص والأحداث، بسبب الأهواء الدينية والعنصرية، أو بسبب سوء الفهم للإسلام وأحكامه ونظمه ومقاصده[29].

وأردف: ولأجل هذا كله، لم أستطع أن أُفيد من كتابات هذه الفئة المشوِّهة، في بحثي الذي أنا بسبيله.

* * *

قلت: والفئة الأخرى؟

قال: الفئة الأخرى، كتبتْ عن شخصية محمد بروح إيجابية، وهؤلاء كانوا ينطلقون في كتاباتهم إما من وجهة نظر وُدِّية متعاطفة، وإما من وجهة نظر منصفة تَنشدُ الحقيقة[30].

وقد حاولت الإفادة مما كتبوه.. إلا أنني بعدما اطلعت على كتبهم، وجدتُني لا أستطيع الاكتفاء بما طالعت منها وقرأت، برغم تلك الصورة الزاهية لمحمد في هذه الكتب.

قلت: ولِمَ تعتقد هذا؟

قال: لقد وجدتُ هذه الفئة من الدارسين، منهم من درس محمداً العبقري، من خلال مظاهر العبقرية البشرية، وقَرَنه بمن ظهر من العباقرة في التاريخ البشري.

ومنهم من درس محمداً الفيلسوف، من خلال مبادئ الفلسفة البشرية، وقَرَنه بمن ظهر من الفلاسفة في التاريخ البشري.

ومنهم من درس محمداً المصلح الديني، من خلال سُبُل الإصلاح الديني البشرية، وقَرَنه بمن ظهر من المصلحين الدينيين في التاريخ البشري.

ومنهم من درس محمداً القائد العسكري، من خلال النظم العسكرية البشرية، وقَرَنه بمن ظهر من القواد العسكريين في التاريخ البشري.

ومنهم من درس محمداً المُشَرِّع، من خلال التشريعات والقوانين البشرية، وقَرَنه بمن ظهر من المشرعين وواضعي القوانين في التاريخ البشري.

إلى غير هذا من صفات العظمة البشرية التي كانوا يستخلصونها من سيرة محمد، وكانوا في كل صفة منها يضعون محمداً في القمة على رأس الجميع!.

قلت: وماذا في ذلك؟

قال: فيه أنهم بهذا يدرسون محمداً على أنه عظيم من عظماء البشر، يتمتع بصفات متميزة كغيره من عباقرة الرجال[31]... لكنهم يَغفلون عن مناقشة النتيجة التي كانوا يصلون إليها دائماً، وهي أن محمداً دائماً في القمة بين العظماء جميعاً! مهما كانت صفة العظمة التي يدرسونها فيه. بل هو دائماً يجمع كل صفات العظمة... بينما غيره من العظماء يتوزعون فيما بينهم هذه الصفات.. التي تجمعت فيه وحده! فلماذا؟

قلت: وهل في هذا ما يثير التساؤل؟

قال: أجل، كان الأجدر بأولئك الدارسين، عندما وصلوا جميعاً إلى نتيجة واحدة، أن يتساءلوا: لماذا محمد دون غيره، هو دائماً في القمة؟ ولماذا محمد دون غيره، تجتمع له صفات العظمة، بينما هي لا تجتمع لغيره من العظماء الذين نعرف سِيَر حياتهم؟

وأردف: كان عليهم أن يناقشوا هذا، ويصلوا إلى سرِّ هذه النتيجة.

قلت: وهل تنبهتَ أنت لِما غفلوا عنه؟

قال: أجل.

قلت: هل لك أن تحدثني بما تنبهتَ له؟

قال: لا بد لي من أن أحدثك به، حتى أصل إلى الفائدة التي أتوقعها منك في كتابة بحثي، فأصغ إلي.

* * *

 

3- أثر البيئة والوراثة في عَظَمة النبي (صلى الله عليه وسلم):

وتابع قائلاً: من الشائع لدى الباحثين والدارسين، أن أهم ما يتحكم في طبيعة الإنسان - وبخاصة العبقري المتميز - عاملان رئيسان هما: عامل البيئة - و عامل الوراثة.

أما عامل البيئة: فمن المتفق عليه أن البيئة التي ينشأ ويتربّى فيها الإنسان، ذات أثر خطير في سجل حياته، وفي إكسابه الكثير من الصفات التي يُطل بها على مجتمعه.

فالفيلسوف العبقري، يجب أن يعيش في بيئة فلسفية.. ولم يتهيأ هذا لمحمد في بيئته البدوية الأمّية التجارية.

والمصلح الديني العبقري، يجب أن يطالع المذاهب والأديان وحياة المجتمعات.. ضمن بيئة ثقافية تهتم بمثل هذا.. ولم يتهيأ هذا لمحمد في بيئته البدوية الأمّية التجارية.

والقائد العسكري العبقري، يجب أن يعيش في بيئة عسكرية محاربة.. ولم يتهيأ هذا لمحمد، ولم نعلَمه يشارك في المعارك والحروب إلا بعد الخمسين من عمره.. بل هو وجد نفسه لأول مرة يقود معركة حربية - هي معركة بدر - وهو يقارب الخامسة والخمسين من عمره، بل هو أخذ بمشورة بعض أصحابه قبل بدء المعركة[32].

والمشرِّع العبقري، يجب أن يكون دارساً للقوانين، مطَّلعاً على نظم الحكم في أيامه وقبل أيامه.. ولم يتهيأ هذا لمحمد في بيئته البدوية الأمّية التجارية.

إلى آخر ما هنالك من صنوف العبقرية والعظمة..

فهل كان للبيئة التي عاشها محمد دور في كونه أعظم العظماء؟ والجواب حتماً: لا، لأن جميع من كانوا حول محمد عاشوا في بيئته، لكن لم يكن فيهم واحد مثله! مع أن منهم - بحسب ما عرفتُه عنهم - من لا يقل كفاءة بشرية عنه.. لكنّ الجميع كانوا يشعرون بأن محمداً الذي كان يعيش بينهم، يتميز عنهم بأمر لا يستطيعونه.. أمرٍ خصه الله سبحانه به دون سائرهم.. ولولا هذا الأمر لأمكن للكثيرين منهم أن ينافسوا محمداً في بعض مظاهر العظمة، منافسة أبناء البيئة الواحدة.

* * *

 

وأردف قائلاً: وأما عامل الوراثة: فمن المتفق عليه أن للصفات الوراثية أثر خطير في سجل حياة الإنسان، وفي إكسابه الكثير من الصفات التي يُطل بها على مجتمعه.

ولو درسنا شخصيات أجداد محمد وآبائه، من خلال ما حفظته الروايات من أخبارهم، لوجدنا صفاتِ عظمةٍ متناثرةً بينهم.. فقد كانوا من خيرة الناس في مجتمعهم[33]، لكن لن نجد فيهم واحداً مثل محمد[34]، وكذلك لن نجد مثله في ذريته..

* * *

 

وأردف الأب ستيفانو متسائلاً:

- لماذا لم يَرقَ واحد من بني البشر إلى رتبة محمد؟!

- لماذا يقول عنه الشاعر الفرنسي الشهير (لامارتين): «إن محمداً هو أعظم رجل»[35].

- ولماذا يقول (لامارتين) أيضاً في كتابه (تاريخ الأتراك): «بالنظر لكل مقاييس العظمة البشرية، أود أن أتساءل: هل هناك من هو أعظم من النبي محمد؟»[36].

- ولماذا يقول المستشرق (جون دريبر) في كتابه (تاريخ التطور الفكري الأوربي): «الرجل الذي كان له من دون الرجال جميعاً ، أعظمُ تأثيرٍ على الجنس البشري.. هو محمد»[37].

- ولماذا يقول عنه المستشرق الآسوجي (سينرستن): «هو فوق عظماء التاريخ»[38].

- ولماذا يجعله المستشرق (توماس كارليل): «بطل الأبطال»[39].

- ولماذا يؤلف الباحث الأمريكي (مايكل هارت) كتاباً عنوانه «الخالدون المئة» ويجعل أعظمهم محمداً[40].

- ولماذا تؤلف مجموعة من الباحثين الغربيين كتاباً بعنوان: (الخمسون الذين كانوا أعظم شأناً في التاريخ) فيكون محمد هو الأول من بين هؤلاء الخمسين[41]!.

وأردف متسائلاً بتصميم: ما سرُّ محمد؟!.

* * *

4- سرّ عَظَمة النبي (صلى الله عليه وسلم):

قلت: ما سرّه؟.

قال: إن سرّ عظمة محمد المتفرِّدة، لست أنا أول من اكتشفه، لقد سبقني إليه باحثون غربيون آخرون.. لكنهم قِلَّة.. منهم من اعتنق الإسلام، ومنهم من لم يعتنقه. وكان من أوائل هؤلاء، الشاعر الفرنسي (لامارتين) الذي يقول في كتابه (السفر إلى الشرق): «إن محمداً فوق البشر، ودون الإله، فهو رسول بحكم العقل». ثم يقول: «إن اللغز الذي حله محمد في دعوته، فكشف فيه عن القيم الروحية.. هو أعلى ما رسمه الخالق لبني البشر»[42].

وأردف الأب ستيفانو قائلاً بابتهاج:

- هذا هو السر.. إن محمداً نبي مرسل من الله سبحانه، إن محمداً رسول الله إلى بني البشر، حمل إليهم رسالة فيها أعلى ما رسمه الخالق لبني البشر. ولهذا وجده دارسوه من هذه الفئة ذات الروح الإيجابية من الغربيين، لهذا وجدوه دائماً في قمة العظمة، بجميع مظاهر وصفات العظمة التي يعرفونها.

إنه نبي، وصفات النبي تقصِّر دونها مقاييس البشر، لأن عظمة الأنبياء مستمدة من وحي الله تعالى. وتحت عنوان (رسول الله) تحت هذا العنوان فقط يجب أن تدرس شخصية محمد، لأن النبوة والرسالة هي التي وصلت به إلى ما وصل إليه، وإغفالها من دراسة شخصيته هو إغفال للركن الأساس الذي بنيت عليه هذه الشخصية0هكذا يقول العقل.

قلت: لقد أَنصفتَ أيها الأب ستيفانو، وأصبتَ كبد الحقيقة، وإنَّ ما توصلت إليه أنت وبعض الباحثين الغربيين عن طريق العقل، هو عين ما جاءت به النصوص الأصلية التي اتفقنا على الاحتكام إليها.

قال: ماذا تقول النصوص الأصلية؟

قلت: تقول الآية القرآنية مخاطبة رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾[43]. وتقول الآية القرآنية: ﴿ما كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾[44].

أي أن ما يتميز به محمد عنكم أيها الناس، لا يكمن في صفاته البشرية، إنما يكمن في كونه رسول الله، الذي يوحي إليه الله سبحانه.

* * *

5- هل محمد (صلى الله عليه وسلم) عدو للمسيح u:

وأردفت: وإني لأعجب أيها الأب ستيفانو، كيف توصلتَ إلى هذا واقتنعتَ به، وأنت رجل دين نصراني؟!

قال: صحيح أنني رجل دين نصراني، لكنني أحترم وأُجلُّ الأنبياء جميعاً ، لأنهم لم يحملوا إلينا سوى الخير والمحبة، ولأن المسيح ذاته لم يأمرنا بالغضِّ من أيٍّ منهم أو إنكار رسالته، فإنْ فَعلْنا فقد خالفْنا تعاليم المسيح.. ثم من قال لك إن محمداً عدوٌّ للمسيح؟

قلت: إن بعض الغربيين يظنون هذا.

قال: إن من يقول هذا يجهل محمداً والمسيح معاً، ولو درس حياة محمد وعرف حقيقته، لما أمكنه أن يقول إلا كما قال برناردشو عنه.

قلت: وماذا قال برناردشو؟

قال: بعد أن عرف شو محمداً ودرس حياته وسيرته قال: «لقد درستُ محمداً وأُعجبتُ به، وفي رأيي أنه أبعد ما يكون عن وصفه بأنه ضد المسيح. يجب أن يُدعى (منقذ الإنسانية)»[45].

وأردف الأب ستيفانو قائلاً:

- وأعود إلى مجرى حديثي فأؤكد لك، إن الذين اتبعوا الأنبياء، لم يتبعوهم لأنهم كانوا رجالاً عظماء، ولا لأنهم كانوا رجالاً عباقرة، بل اتبعوهم لأنهم كانوا رجالاً أنبياء.

قلت: إذاً هل تكون نتيجة هذا أن صفات العظمة التي تحلَّى بها رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، إنما مرجعها إلى نبوته ورسالته التي أرسله الله بها إلى الناس جميعاً؟

قال: أجل، وإن دارس شخصية محمد، لن تكون دراسته ذات جدوى إن هو فصل بين هذه الشخصية وبين النبوة، كما أن دارس نبوة محمد لن تكون دراسته ذات جدوى إن هو فصل بين القرآن والأحاديث النبوية الصحيحة وما صحَّ من أخبار السيرة النبوية، لأنها عناصر متكاملة في موضوع واحد.

وأضاف: وبما أنني أرتضي هذه النتيجة، فإن عليَّ أن أدرس (مظاهر الرحمة[46] للبشر في شخصية محمد) على أنه نبي ورسول. ولهذا فقد عزمت على أن لا أقتنع بصحة مظهرٍ من مظاهر هذه الرحمة إلا إذا كان مؤيداً بنص من النصوص الأصلية الثلاثة التي اتفقنا على الاحتكام إليها.

وأردف قائلاً: وهذه هي الفائدة التي أتوقعها منك، حتى يكون بحثي مدعَّماً بالحجج الموثوقة.

قلت: على بركة الله، من أين تريد أن تبدأ؟

قال: قبل أن أبدأ، أودُّ أن أعرض عليك أمراً.

قلت: ما هو؟

قال: لقد عنَّ لي وأنا أُرتِّب أفكاري قبل البدء بالكتابة، أن أقدِّم لبحثي بمقدمة تتحدث عن مظاهر الرحمة للبشر في شخصية محمد قبل البعثة.

قلت: هذا حسن.

قال: لكن اعترضتني هنا مشكلة.

قلت: ما هي؟

* * *

 

 

6- هل يكون النبي نبياً قبل أن يبعث؟:

قال: إن النتيجة التي توصلتُ إليها فيما سلف من كلامي، تفيد أن دراسة شخصية محمد - من أي جانب كان - يجب أن تكون مبنية على أنه نبي رسول، وهو لم يُبعث نبياً رسولاً إلا بعد الأربعين من عمره، فكيف يسوغ لي أن أتحدث عنه قبل البعثة؟ ألا أكون متناقضاً مع نفسي في هذا؟

قلت: أَأُجيبك بمذهب المسلمين في هذا، أم بمذهب غير المسلمين؟

قال: بل أريد مذهب المسلمين، فأنا أعرف مذاهب غيرهم.

قلت: مذهب المسلمين في هذا، أن النبي لا يكون نبياً منذ ساعة بعثته فقط، إنما هو يولد نبياً.

قال: كيف هذا؟! وهل يكون الطفل الوليد نبياً؟

قلت: إن آيات القرآن الكريم تبيًن أن الله سبحانه يصطفي ويختار من البشر أنبياء ورسلاً يحوطهم بعنايته ورعايته منذ ولادتهم... بل قبل أن يكونوا أجنة في أرحام أمهاتهم... ثم إذاما وُلدوا وكبروا... وأصبحوا في سن تؤهلهم لحمل رسالته، أرسلهم إلى من يشاء من عباده... وبمثل هذا تحدثت الآيات القرآنية عن موسى عليه السلام منذ ولادته فقالت: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ..﴾[47] حيث قصت علينا هذه الآيات وما بعدها، حياة موسى عليه السلام، وعناية الله سبحانه به منذ ولادته حتى وفاته.

وبمثل هذا تحدثت الآيات القرآنية عن يحيى عليه السلام، منذ بشارة الملائكة أباه زكريا به قبل أن يُخلق في رحم أمه، فقالت: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء{38} فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾[48].

وبمثل هذا تحدثت الآيات القرآنية عن المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام فقالت على لسان أمه مريم عندما بشرها الملَك بالحمل به بلا أب: ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً{20} قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً{21} فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً{22} فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً﴾[49]. وقد قصَّت الآيات السابقة واللاحقة بها، ملخص الحمل به، وولادته، وما رافق ذلك من معجزات...

* * *

وأردفتُ: وهذا هو دأب الأنبياء والمرسلين... ومنهم محمد (صلى الله عليه وسلم). لقد كانت عناية الله تحوطه وترعاه منذ ولادته... وتؤدبه بأدب النبيين.

قال: وهل في آيات القرآن ما يشهد لهذه الرعاية والعناية الإلهية به قبل البعثة؟.

قلت: أجل، ولا بد أنك تعلم أنه كان في صغره يتيماً، وفي شبابه فقيراً، وكان قبل بعثته لا يعرف الدين الذي عليه أن يتبعه... فنـزلت الآيات القرآنية فيما بعد، تبين له أنه لم يكن متروكاً لشأنه في مختلف مراحل حياته، بل كانت رعاية الله له هي التي تحفظه في كل ما ينوبه، تقول هذه الآيات: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى{6} وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى{7} وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾[50] أي أن الله سبحانه هو الذي آواه ويسَّر له من يكفله في صغره، وهو الذي هداه إلى الدين الصحيح الذي عليه أن يتبعه، وهو الذي أغناه في فقره بالتجارة بأموال زوجته الأولى خديجة. وهكذا كان محمد قبل البعثة مثل غيره من الأنبياء، يصنعهم الله سبحانه على عينه...

* * *

وهنا نظر جاري (الأب نقولا) إلى ساعته وقال:

- أرجو أن تأذنا لي بأن أقترح أمراً.

قلت: اقترح ماشئت.

قال: أقترح أن نكتفي هذه الليلة بما دار من حديث.. على أن نتابع مساء غدٍ عند الساعة التاسعة إن شاء الله.

قلت: ولِمَ؟

قال: كي لا نطيل السهر، فليالي رمضان عند المسلمين ليالي عبادة.

قلت: ومجلسنا هذا، بما دار فيه، هو مجلس عبادة إن شاء الله. بل إن مجلساً تذكر فيه آيات القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة، هو روضة من رياض الجنة عندنا نحن المسلمين. أما إن رغبتما بمساء الغد فلا بأس.

وأبدى الأب ستيفانو موافقته على مساء الغد، ونهض الضيفان متهيئَين للخروج، فشيعتهما إلى باب المنزل.. وخرجا مودِّعَيْن..
* * *

--------------------------------------------------------------------------------

[1] صحيح البخاري: الحديث رقم /5668-5669 – سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني الحديث رقم /356.

[2] المائدة /82.

([3]) يقول المستشرق الإنكليزي الصهيوني (برنارد لويس) في كتابه (العرب في التاريخ): «وهناك سمة لافتة بصفة خاصة لأنظار المراقب الأوربي، هي تسامح المجتمع الإسلامي بالمقارنة بالمجتمعات الأخرى. فعلى النقيض من معاصريه الغربيين نادراً ما شعر المسلم في العصور الوسطى بالحاجة لفرض عقيدته بالقوة على كل الخاضعين لحكمه».

ويقول المستشرق (دولاسي أوليري) في كتاب (الإسلام في مفترق الطرق): «لقد أوضح التاريخ أن الأسطورة القائلة باجتياح المسلمين المتعصبين العالم، وفرضهم الإسلام على الأجناس المقهورة تحت تهديد السلاح، هي إحدى أكبر الأساطير أو الخرافات الخيالية، التي رددها المؤرخون في أي وقت، سخافةً ومنافاةً للعقل» ص8 ط. لندن /1923م/.

وتقول المستشرقة البولونية (بوجينا غيانا) في كتابها (تاريخ التشريع الإسلامي): «القول أن الإسلام انتشر بالسيف، كلام يكذِّبه التاريخ، ويكذِّبه الواقع» ص17 منشورات دار الآفاق الجديدة – بيروت – ط/1980م.

هذا في الوقت الذي يقول فيه المستشرق توماس كارليل في كتابه (الأبطال وعبادة البطل) مشيراً إلى استخدام المسيحيين السيفَ في نشر المسيحية: «عندما حوَّل (شارلمان) السكسونيين إلى المسيحية فإن ذلك لم يكن بالوعظ» ص80.

[4] صحيح مسلم: الحديث رقم 47.

[5] انظر في تفنيد فِرية (انتشار الإسلام بالسيف) كتاب (رمزية الصليب) للمستشرق رينيه جينو.

[6] هناك محاولتان جديرتان بالاهتمام، في تمييز صحيح أخبار السيرة النبوية، إحداهما للمحدث الشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله، بعنوان (صحيح السيرة النبوية) – والأخرى للدكتور أكرم العمري بعنوان (السيرة النبوية الصحيحة). ويضاف إليهما محاولات أخرى مثل (السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة) لمحمد الصوياني وغيرها..

[7] يقول المستشرق السويسري (جان سبيرو): «إنه كلما ازداد الإنسان اطلاعاً على سيرة محمد النبي، لا بِكُتب أعدائه وشانئيه، بل بتآليف معاصريه، وبالكتاب والسنَّة، أدرك أسباب إعجاب الملايين من البشر في الماضي وحتى الآن بهذا الرجل، وفهم علة تفانيهم في محبته وتعظيمه».

[8] سورة النحل /125.

[9] سورة النحل /125.

[10] العنكبوت /46.

[11] العنكبوت /46.

[12] تقول البريطانية الباحثة في الأديان (كارين أرمسترونغ) في كتابها (محمد): «وفي الغرب، غالباً ما نتخيل محمداً قائد حرب، ماضياً يلوح بسيف ليفرض الإسلام على مجتمع كاره له، بقوة السلاح. أما الحقيقة فكانت جد مختلفة، فقد كان محمد والمسلمون الأوائل يكافحون في سبيل الإبقاء على حياتهم» ص 252. وتقول «وبعد الهجرة بدأ القرآن يطور تشريعات للحرب العادلة، إذ أن الحرب تكون أحياناً ضرورية للحفاظ على القيم= =الفاضلة، ولولا استعداد بعض المتدينين من الناس لدفع الهجوم، لحطمت جميع أماكن عبادتهم» ص 254. وتقول «ويتفق مسيحيون كثيرون على مفهوم الحرب العادلة، لأنهم يعلمون أن المعركة المسلحة ضد أمثال هتلر وسيسيكو هي الطريقة الوحيدة المؤثرة، ولهذا فبدلاً من أن يكون الإسلام ديناً سلبياً يدير الخدّ للآخر، فهو دين يقاتل الطغيان والظلم» ص 259.

 

[13] آل عمران /64.

[14] تقول البريطانية الباحثة في الأديان (كاترين أرمسترونغ) في كتابها (محمد): «ففي ظل الإمبراطورية الإسلامية تمتع اليهود، مثلهم مثل المسيحيين، بحرية دينية كاملة، وعاش اليهود في المنطقة بسلام حتى إقامة دولة إسرائيل= =في قرننا الحالي – العشرين المسيحي – ولم يعانِ اليهود في ظل الإسلام ما عانوه في ظل المسيحية، أما الأساطير الأوروبية المعادية للسامية، فقد قدمت إلى الشرق الأوسط في نهاية القرن الماضي – التاسع عشر المسيحي – على يد البعثات التبشيرية المسيحية، وكانت الجماهير عادة ما تقابلها بالازدراء» ص 309-310 – ط. كتاب سطور.

[15] الكهف /29.

[16] البقرة /256.

[17] سورة الكافرون.

[18] يونس /41.

[19] الزمر /14-15/.

[20] يقول المهاتما غاندي متحدثاً عن هذه التهمة: «أردت أن أعرف صفات الرجل الذي يملك بدون نزاع قلوب ملايين البشر.. لقد أصبحتُ مقتنعاً كل الاقتناع أن السيف لم يكن الوسيلة التي من خلالها اكتسب الإسلام مكانته، بل كان ذلك من خلال بساطة الرسول مع دقته وصدقه في الوعود، وتفانيه وإخلاصه لأصدقائه وأتباعه وشجاعته مع ثقته المطلقة بربه ورسالته، هذه الصفات هي التي مهدت الطريق، وتخطت المصاعب، وليس السيف، بل بعد انتهائي من قراءة الجزء الثاني من حياة الرسول وجدت نفسي آسفاً لعدم وجود المزيد للتعرف أكثر على حياته العظيمة».

ويقول المستشرق (توماس كارليل) في كتابه (محمد المثل الأعلى): «من الشبهات التي يثيرها بعض المسيحيين: أن النبي قام بنشر الدين الإسلامي بقوة السيف، وهذا القول بعيد كل البعد عن الصواب، لأن الذين يدَّعون ذلك عليهم أن يتدبروا قليلاً، فلا بد أن يكون هناك سر في هذا السيف الذي خرج من جزيرة العرب ووصل بأيدي القادة المسلمين إلى جبال (إسبانيا) غرباً وإلى (سمرقند) شرقاً. فما هو هذا السر؟ بلا شك إن السر في ذلك يعود إلى الشريعة الإلهية التي جاء بها النبي محمد، تلك القوة العظمى التي دفعت بعبدة الأصنام والأوثان في جزيرة العرب إلى القبول والإذعان لهذا الدين الذي جاء بالقوانين الإلهية التي وضعها الحكيم العليم، والتي تضمن سعادة الإنسان ورقيه، والمسألة الأخرى التي نلفت الأنظار إليها، هي أن الإسلام عندما انتشر شرقاً وغرباً كان قد قضى على جميع العقائد والمذاهب الباطلة، لأنه كان حقيقة ثابتة نابعة من صميم الإنسان، وغيره من الطرق والمذاهب مزيف لا ينسجم مع الطبيعة الإنسانية، وهو زائل، أو في طريقه إلى الزوال».

ملاحظة: برغم دفاع كارليل عن الإسلام ونبي الإسلام، إلا أن له أقوالاً في القرآن الكريم لا تتفق والعقيدة الإسلامية.

[21] (دراسات في التاريخ الديني) لأرنست رينان – عن كتاب (دفاع عن محمد) د. عبد الرحمن بدوي
ص 5-6.

[22] بعدما درس هذا المستشرق الإسلام وعرف حقيقته، دخل فيه وتسمى (محمد أسد).

[23] ص 15 – ط. الأولى – يقول المستشرق الفرنسي (إميل درمنغم) في كتابه (حياة محمد) متحدثاً عن الدور السلبي لبعض المستشرقين في كتابة السيرة النبوية: «من المؤسف حقاً أن غالى بعض المتخصصين – من المستشرقين – من أمثال: موير ومرجليوث ونولدكه وشبرنجر ودوزي وكيتاني ومارسين وغريم وجولدزيهر وغودفروا وغيرهم، في النقد أحياناً، فلم تزل كتبهم عامل هدم على الخصوص، ولا تزال النتائج التي انتهى إليها المستشرقون سلبية ناقصة، ولن تقوم سيرة على النفي، وليس من مقاصد كتابي أن يقوم على سلسلة من المتجادلات المتناقضة.. ومن دواعي الأسف أن كان الأب لامنس الذي هو من أفضل المستشرقين المعاصرين، من أشدهم تعصباً! ولقد شوّه كتبه الرائعة الدقيقة وأفسدها بكرهه للإسلام ولنبي الإسلام» ص8-11.

[24] ص58.

[25] ص 27-28-43-44 - بعدما درس هذا المستشرق الإسلام وعرف حقيقته، دخل فيه وتسمَّى (ناصر الدين الجزائري).

[26] ص6 وقد أنهى المؤلف كتابه هذا عام /1952م/.

[27] كتاب (تراث الإسلام) ص63.

[28] يقول د. عبد الرحمن بدوي في مقدمة كتابه (دفاع عن محمد): «خلال تتبعي للمفاهيم التي تبناها الأوربيون حول نبي الإسلام محمد، انتابني الذهول من جهلهم المطبق! وعدوانيتهم الواضحة، وأحكامهم المسبقة المتأصلة، وتحزبهم الطاغي ضد خصومهم، وهذا لا ينطبق فحسب على الشعب الجاهل الساذج ولكنه ينطبق أيضاً على أكبر علمائهم وفلاسفتهم ورجال الدين والمفكرين والمؤرخين».

[29] انظر (السيرة النبوية الصحيحة) د. أكرم العمري ص 18.

[30] كان لبعض كتَّاب هذه الفئة دور مشكور في تعريف الغرب بالصورة الصحيحة للنبي (صلى الله عليه وسلم)، يقول المستشرق (مونتغومري وات) في كتابه (محمد في مكة): «منذ أن قام كارليل بدراسته عن محمد في كتابه (الأبطال وعبادة البطل) أدرك الغرب أن هناك أسباباً وجيهة للاقتناع بصدق محمد» ص 94.

[31] يقول المستشرق البريطاني (بودلي) في كتابه (الرسول - حياة محمد) متحدثاً عن موضوعات القرآن الكريم: «إنها لتعطي فكرة عن نوع العقل الذي كان يتمتع به محمد! وإنها لتجعل المرء يعجب كيف عرف كل هذا؟! ومتى فكَّر في كل هذا؟! وأين تعلم نظم الشعر المرسل الرنان؟!» ص 218.

ويقول المستشرق الأمريكي مايكل هارت في كتابه (الخالدون المئة): «إن محمداً أعظم زعيم سياسي عرفه التاريخ» ص18.

ويقول كارليل في كتابه (الأبطال وعبادة البطل) في ختام دفاعه عن النبي (صلى الله عليه وسلم): «هكذا تكون العظمة، هكذا تكون البطولة، هكذا تكون العبقرية».

ويقول المستشرق (إدوارد مونتيه) في كتابه (حاضر الإسلام ومستقبله): «إن طبيعة محمد الدينية تدهش كل باحث مدقق نزيه القصد، بما يتجلى فيها من شدة الإخلاص، فقد كان محمد مصلحاً دينياً ذا عقيدة راسخة».

ويقول المستشرق (إميل درمنغم) في كتابه (حياة محمد): «إن قوة عبقرية محمد الإنشائية واتساعها، وذكاءه العظيم، ونظره الصائب إلى الحقائق، وسيادته لنفسه، وقوة إرادته، وحكمته، واستعداده للعمل، وحياته الواقعية، كل ذلك يجعل الزيف في مبدأ رسالته يستحيل القبول. فكيف يُتصور أن ينقلب كاذباً فجأة، ذلك الذي كان نجاحه يظهر له! كبرهان ساطع على تأييد الإله لدعواه، وكيف يمكن أن يُجرَّأ على تشويه رسالته في الوقت الذي كان يرى فيه أنها مقدسة مؤيدة من الإله». ثم يقول: «إن الناس حال سماعهم خطب محمد المهمة، وكتاباته! الملتئمة مع عصره، قد أحسوا بجاذبية تصلهم بالسر الخفي الذي يقودهم إليه».

ويقول الشاعر الفرنسي الشهير (لامارتين) في كتابه (تاريخ الأتراك): «إذا كانت الضوابط التي نقيس بها عبقرية الإنسان هي سمو الغاية والنتائج المذهلة لذلك، رغم قلة الوسيلة، فمن ذا الذي يجرؤ أن يقارن أيّاً من عظماء التاريخ الحديث بالنبي محمد في عبقريته؟ فهؤلاء المشاهير قد صنعوا الأسلحة، وسنّوا القوانين، وأقاموا الإمبراطوريات، فلم يجنوا إلا أمجاداً بالية لم تلبث أن تحطمت بين ظهرانيهم. لكن هذا الرجل محمداً لم يَقُد الجيوش ويسن التشريعات ويُقم الإمبراطوريات ويحكم الشعوب ويروِّض الحكام فقط، وإنما قاد الملايين من الناس فيما كان يُعد ثلث العالم حينئذ. ليس هذا فقط، بل إنه قضى على الأنصاب والأزلام والأديان والأفكار والمعتقدات الباطلة» إلى أن يقول: «هذا هو محمد الفيلسوف، الخطيب، النبي، المشرع، المحارب، قاهرالأهواء،= =مؤسس المذاهب الفكرية التي تدعو إلى عبادة حقَّة بلا أنصاب ولا أزلام، هو المؤسس لعشرين إمبراطورية في الأرض وإمبراطورية روحانية واحدة. هذا هو محمد» الجزء/11/ص276-277 ط. باريس/1854.

ويقول المستشرق (بوزورث سميث) في كتابه (محمد والمحمدية): «لقد كان محمد قائداً سياسياً وزعيماً دينياً في آنٍ واحد. لكن لم تكن لديه عجرفة رجال الدين، كما لم تكن لديه فيالق مثل القياصرة، ولم يكن لديه جيوش مجيشة أو حرس خاص أو قصر مشيد أو عائد ثابت. إذا كان لأحد أن يقول إنه حكم بالقدرة الإلهية فإنه محمد، لأنه استطاع الإمساك بزمام السلطة دون أن يملك أدواتها، ودون أن يسانده أهلها» ص92 ط. لندن/1874.

ويقول المستشرق الكندي زويمر في كتابه (الشرق وعاداته): «إن محمداً كان ولا شك من أعظم القواد المسلمين الدينيين، ويصدق عليه القول أيضاً بأنه كان مصلحاً قديراً وبليغاً فصيحاً وجريئاً مغواراً، ومفكراً عظيماً، ولا يجوز أن ننسب إليه ما ينافي هذه الصفات، وهذا قرآنه الذي جاء به، وتاريخه يشهدان بصحة هذا الادعاء».

وهذه كلها أوصاف تريد أن تنأى بمحمد (صلى الله عليه وسلم) عن ظاهرة الوحي الإلهي، وتريد أن تُظهر أن ما جاء به ما هو إلا مكتسبات شخصية بشرية، أما إن وردت عند بعضهم كلمة (نبي) فعلى أنها صفة مثل بقية الصفات الشخصية. أو أنها لا تتعدى مفهوم كلمة (نبي) في كتاب (العهد القديم) التي تطلق على الكثيرين من أنبياء بني إسرائيل ممن كانت نبوءاتهم رؤىً يرونها في منامهم، وتنسب إليهم كتب وأسفار من تأليفهم هم، وبالتالي فمحمد (صلى الله عليه وسلم) عندهم هو مَن ألَّف قرآنه. وهذا هو عين ما يقوله المستشرق إدوارد مونتيه في كتابه (حاضر الإسلام ومستقبله) ممتدحاً النبي (صلى الله عليه وسلم): «كان محمد في بلاد العرب أشبه بنبي من أنبياء بني إسرائيل الذين كانوا كباراً جداً في تاريخ قومهم، ولقد جهل كثير من الناس محمداً وبخسوه حقه، وذلك لأنه من المصلحين الذين عرف الناس أطوار حياتهم بدقائقها».

ويجب الحذر من هذه الأقوال التي لا تلتفت إلى ظاهرة الوحي الإلهي.. ولعل هذا ما كانت تعنيه المستشرقة (بيانكا سكارسيا) في كتابها (العالم الإسلامي وقضاياه التاريخية) بقولها: «عَمِل الاستشراق لصالح الاستعمار بدلاً من إجراء التقارب بين الثقافتين. إن إنشاء هذا العلم لم يكن إلا من أجل تقديم أدوات للاختراق أكثر براعة، فهناك فعلاً عملية ثقافية مستترة ماكرة ومرائية، وهذا ما يفسر ريبة المسلمين حيال كل ما يقال عنهم في الغرب» ص214.

[32] مشورة الحباب بن منذر في اختيار مكان المعركة، في (السيرة النبوية) لابن هشام ص 523 ط. دار ابن كثير.

[33] انظر في صحيح مسلم الحديث رقم/4221. وفي الصحيحة للألباني الحديث /302: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم».

[34] انظر في سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني الحديث رقم /3607/ الذي يسأل فيه هرقل أبا سفيان عن النبي (صلى الله عليه وسلم): «هل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟ قلت: لا.. قال: لو كان أحد قال هذا القول قبله، لقلت: رجل يأتسي بقول قيل قبله».

[35] عن كتاب (مقارنة الأديان - قسم الإسلام) ص 292 د. أحمد شلبي. – ولهذا الشاعر الفرنسي (لامارتين) /1790-1869م/ قصيدة يمتدح بها النبي صلى الله عليه وسلم عنوانها: «مَن أعظم منك يا محمد؟» نشرتها جريدة (الشرق الأوسط) في عددها/9991 بتاريخ 6/4/2006م. ترجمها عن الفرنسية د. محمد المختار ولد أباه.

[36] الجزء /11/ص277.

[37] 1/229-230 ط. لندن/1875

[38] في كتابه (تاريخ حياة محمد) ص 18. – ويقول (فارس الخوري) أحد أعلام النصارى والسياسيين السوريين: «إن محمداً أعظم عظماء العالم لم يَجُد الدهر بمثله». انظر (هذا ديننا) لمحمد الغزالي ص250-251.

[39] في كتابه (الأبطال وعبادة البطل).

[40] يقول هارت عن سبب اختياره النبي (صلى الله عليه وسلم) أعظم العظماء في التاريخ: «الامتزاج بين الدين والدنيا - في شخصية محمد - الذي ليس له نظير، هو الذي جعلني أؤمن بأن محمداً هو أعظم الشخصيات أثراً في التاريخ الإنساني كله». عن كتاب (ماذا يقول الغرب عن محمد) لأحمد ديدات ص 9- وانظر ترجمة الكتاب ذاته إلى العربية بعنوان (المئة الأوائل) ترجمة خالد عيسى - أحمد غسان سبانو - ط. دار قتيبة ص25 -30.

[41] صدر هذا الكتاب /عام 1989م/باسم المؤلف (أولف نيلسون) وقد أوضح أنه تمَّ اختيار هؤلاء الخمسين من بين عدد قدره /11/مليار إنسان – وكان الاختيار على أساس من هو أكثر الناس تأثيراً على التاريخ البشري؟ فكان محمد (صلى الله عليه وسلم) هو الأول بين البشر.

هذا وقد أوردت مجلة التايم الأمريكية في عددها الصادر بتاريخ 15/7/1974 مقالاً بعنوان (من هم أعظم قادة التاريخ؟) أجرت فيه استفتاءً بين نخبة من أساتذة الجامعات، كان منهم المحلل النفسي (جولز ماسيرمان) الأستاذ في جامعة شيكاغو، الذي وضع شروطاً ثلاثة يجب توفرها في القائد العظيم هي:

يجب أن يتوفر في القائد التكوين السليم للقيادة.

يجب على القائد أن يوفر لشعبه مجموعة واحدة من المعتقدات.

يجب أن يوفر القائد نظاماً اجتماعياً يشعر فيه الناس بالأمن والطمأنينية.

وبعد أن قام بالتحليل والتمحيص لبعض الشخصيات مثل: بوذا – كونفوشيوس – المسيح – الإسكندر الأكبر – قيصر – لويس باستور – غاندي – هتلر... وصل أخيراً إلى النتيجة التالية فقال:

«لعل أعظم قائد كان على مر العصور هو محمد الذي جمع الشروط الثلاثة».

[42] ص47.

[43] الكهف /110 - فصلت/6.

[44] الأحزاب /40.

[45] عن كتاب (ماذا يقول الغرب عن محمد) لأحمد ديدات ص10. – وانظر كتاب شو (الإسلام الصادق).

[46] الرحمة: هي والعطف والحنان والرفق والشفقة واللين كلمات متحدة المعاني، أو متقاربة جد التقارب، ونقيضها: القسوة والشدة والفظاظة والغلظة والحدَّة.

[47] القصص/7- وما بعدها.

[48] آل عمران /38-39.

[49] مريم /20-23.

[50] الضحى /6-7-8.