Get Adobe Flash player

رسالة اليوم من هدي الرسول

قال القاضي عياض:وأما فصاحة اللسان وبلاغة القول فقد كان صلى الله عليه وسلم من ذلك بالمحل الأفضل، والموضع الذي لا يجهل، سلاسة طبع، وبراعة منزع، وإيجاز مقطع، وفصاحة لفظ، وجزالة قول، وصحة معانٍ، وقلة تكلف، أوتي جوامع الكلم، وخصَّ ببدائع الحكم.

كتاب الرحمة في حياة الرسول

إقرأ مقالا من أكبر كتاب في العالم

فضل المدينة وسكناها

ننصحك بقراءة هذا الإصدار

أضخم عمل عن الحرمين الشريفين

شاهد المدينة المنورة مباشرة

الرئيسية
نبي الحكمة...( حسن التصرف )

خواطر في الدعوة

السؤال المحير في ساحة الدعاة هو لماذا يخفق بعض الدعاة في كسب القلوب ومن ثم تعذره عن إجراء أي نوع من الإصلاحات، في حين ينجح آخرون في جمع القلوب حولهم وانقياد النواصي إليهم منذ اللقاء الأول ؟

لاشك أن لذلك أسبابًا ؛ ولا يحملنا هذا على التشكيك في إخلاص الفريق الأول أو تزكية نوايا الفريق الثاني، فإن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، كما أن نواميس الكون والسنن البشرية بيد الحكيم الخبير ؛ إذ ربما كان إعراض المدعو امتحانًا لثبات الداعية في حين إقبالهم على الآخر فتنة وابتلاءًا .

وعلى كل حال فإن هذا أو ذاك لا ينبغي أن يمنع الداعية من الأخذ بأسباب نجاح دعوته احتذاء بسائر المهن التي يكمن سر نجاح محترفيها على إتقانهم لها وإتباعهم لقواعدها .

وفي هذا الحديث يوجز رسول الله  للدعاة من بعده القواعد المقررة لضمان سير الدعوة ..

 لما بعث رسول الله  معاذًا إلى اليمن وضح له طبيعة القوم فقال : ( إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب فليكن أول ما ندعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك ذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة فإن هم أطاعوك في ذلك فأعلمهم إن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم ) متفق عليه .

 إن المعرفة السابقة بأحوال الأمم والشعوب أحد أكبر أسباب نجاح المهمات سواء كانت مهمة اقتصادية أو سياسية أم اجتماعية وكذا إصلاحية أو تجسسية أو حتى قل سياحية، وتتمثل تلك المعرفة بالآتي :عقائد الأمم، لغاتهم، مستواهم الاقتصاد والاجتماعي والتعليمي، تقاليدهم وتراثهم .. الخ، لأن تلك المعرفة السابقة تعين إلى حد كبير في رسم سياسة مناسبة في التعامل معهم فلا يفترض  الوقوع في مواقف مرتجلة أو ردات فعل متشنجة قد تعجل بفشل المهمة ..

 إن اتباع خطة التدرج في التبليغ والإلمام بفقه الأولويات ومعرفة بـ طبائع الناس ضرورة حتمية لكل من يتصدر لقيادة الجماهير، ( لا شك أن الحكمة تقتضي النظر في متدرجات الدعوة لأخذ الناس بالأول فالأول فقضايا العقيدة، وأصول الملة والديانة تأتي في المقام الأول، فهي إن لم تصح في العبد فلن يجدي فيه الصنيع الحسن والعمل الطيب )([8]) . ومما جاء في الفوائد لابن القيم قوله:( العارف لا يأمر الناس بترك الدنيا فإنهم لا يقدرون على تركها، ولكنه يأمرهم بترك الذنوب مع إقامتهم على دنياهم وكيف يؤمر بفضيلة من ترك فريضة ؟ فإن صعب عليهم ترك الذنوب فاجتهد أن تحبب الله إليهم بذكر آلائه وصفات كماله، فإن القلوب مفطورة على محبته فإذا تعلقت بحبه هان عليها ترك الذنوب والإقلال منها ) .

فينبغي مراعاة اختلاف أحوال الناس وتنوع أعرافهم وبيئاتهم.. والمتأمل في الساحة الدعوية يرى تفريطًا في العمل بهذا الفقه وهاك مثالين على هذا :

P  إن تغطية المرأة رأسها مع خلو وجهها من المساحيق التجميلية وستر كافة بدنها يُعد حجابًا شرعيًا كاملاً عند بعض المجتمعات الإسلامية، بينما يعد سفورًا لدى مجتمعات أخرى . فلو انتقلت تلك المرأة من الوسط الأول إلى الثاني وإن كان ينبغي عليها مراعاة الدارج والراجح من الحجاب . إلا أن ما يؤخذ على البعض هو التعجل برميها بالفجور والسفور وعظائم الأمور .

P     إن التركيز في الموعظة الموجهة لفئة الشباب الصغار على أسلوب الترهيب وحده قد يأتي بآثار عكسية منها :

1-   نفور هذه الفئة من الدين برمته بسبب المشاعر والأحاسيس السلبية التي رافقت تلك المواعظ .

2-   الشعور بالفزع والخوف قد يقوده إلى الانغماس أكثر بالملذات العاجلة فرارًا من العقوبات الآجلة .. فتأمل !!

3-(الشعور باليأس والإحباط وعدم القدرة على القيام بتبعة التكاليف الشرعية)*

لابد من تميز الداعية بسياسة النفس الطويل وعدم استعجال الثمرة قبل أوانها فالطاعة والانصياع هي شهادة النجاح الوحيدة التي تؤهلهم للانتقال للخطوة التالية ..

 ويحضرني موقف الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله حينما شكا إليه رجل مما أسماه بسوء المعاملة التي تلقتها زوجته من رجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . فكتب إلى الرئيس العام للهيئة يطلب منهم الرفق والأسلوب الحسن في إنكارهم المنكر ولا سيما كشف وجه المرأة لأن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف والواجب الرفق في إنكاره .. نقلاً عن مجلة الأسرة العدد 72 .

التنوع في الخطاب الدعوي

أ- ضرب الأمثال وتقريب المعاني :

إن التزاحم على حطام الدنيا والتنافس لغرض السيطرة عليها من أقوى الرزايا التي توصم أصحابها بعار الطغيان والجبروت سواء كان ذلك على مستوى الأفراد أو الشعوب .. وإذا عولج السبب أغلق كثير من المعضلات وانتهت أغلب المشكلات .. ولأن تلك مهمة صعبة لأن السبب مغروس في الفطر ومجبول عليه البشر . وهو ( حب الدنيا )، فكان لابد من استغلال المناسبات وانتهاز الفرص والتنوع في الأساليب الدعوية كضرب الأمثال وتقريب المعاني .. وهذا ما درج عليه سيد البشر صلوات ربي وسلامه عليه .

 عن جابر بن عبد الله أن رسول الله  مر بالسوق فمر بجدي أسك ميت فتناوله فأخذ بأذنه، ثم قال أيكم يجب أن له بدرهم ؟ فقالوا : ما نحب أنه لنا بشيء، ماذا نصنع به ؟ فقال: ( فوالله لا الدينا أهون على الله من هذا عليكم )مسلم/2957.

إن اختيار أكثر الأماكن غفلة وصخبا _ وهو السوق ـ للوعظ والتذكير وإن بدا مستغربا إلا أن فعله صلوات ربي وسلامه عليه ينم عن جدوى ذلك لاسيما إذا وافق قلوبا أواهة منيبة .

إنَّّ إجادة فن مفاتيح القلوب من أجمل العلوم ومن أمتع الفنون، فكل قلب موصد له مفتاح، وما على المربي إلا الاستعانة بمن بيده النواصي والقلوب ليفتح بينه وبينهم، ثم عليه أن يتسلح بالحكمة والذكاء ولا بأس بتوسيع مداركه وتنوير بصائره بالانتفاع بخبرات من سبقه من الدعاة والمربين مع الإلمام ببعض القراءات النافعة في كتب التربية وعلم النفس وخير كتاب جمع بين دفتيه الأنماط النفسية للبشر هو( القرآن الكريم).

إن من أنجح الفرص للنفاذ إلى القلوب الغافلة هي المصائب فحينما يفقد صاحب القلب القاسي عزيزًا أو يمر بضائقة فإن هذا يحدث له نوعًا من الهم والحزن يصاحبه شيء من التذلل والانكسار النفسي يحتاج معها إلى الإيواء إلى ركن شديد يشعر في جنابه بالأمن والراحة، كما أن تلك المشاعر السلبية التي تتناوشه تحدث له يقظة قلبية تجعله يعيد تقييم نظرته للأشياء من حوله، فما لم تستغل تلك السانحة بتوجيه دفة هذه القلوب لله بتعريفها به سبحانه مع شدة فاقتها له وتذكيرها بالنظرة الحقيقية لمتاع الحياة الدنيا وإلا فإن الفرصة قد ضاعت والسانحة قد فاتت والران قد عاد للقلب من جديد بل وأشد إحكامًا ..

- من الأولويات التي ينبغي على المربي مراعاتها في نفسه ولدى اتباعه العناية بالقلب فهو السيد والجوارح تبعٌ له وهو الملك والبقية خدم  عنده .

فقد قال ( ابن رجب ) رحمه الله : ( فأفضل الناس من سلك طريق النبي  وخواص أصحابه في الاقتصاد في العبادة البدنية والاجتهاد في الأحوال القلبية، فإن سفر الآخرة يقطع بسير القلوب لا بسير الأبدان([9]) ) .ولا تتم العناية به إلا كرعاية الفلاح الصادق المحب لأرضه بتنقيتها من آفات النفاق وغوائل الكفر ودسائس الغل والحقد وسقايتها بماء الإيمان، وتعاهدها بضياء العلم والحكمة .

فالتركيز في التربية الإيمانية على الالتزام بالشعائر الظاهرية

وحدها فحسب خطأ فادح، يورث أفرادًا ظاهرهم الاستقامة

والنزاهة وباطنهم نفاق ودهاء يصدق في وصفهم قول الشاعر:

إن الأفاعي وإن لانت ملامسها
 
 عند التقلب في أنيابها العطب
 
قد يرتدي عباءة العلماء ليحظى بقلوب السفهاء
 
قد يحوز الإنسان علمًا وفهمًا

 وهو في الوقت ذو نفاق مرائي

ومن الأساليب الدعوية الحكيمة التي انتهجها رسول الله  في تربية أمته وتوثيق صلتها بربها :

ب- استغلال المواقف لربط القلوب بالله .

عن عمر بن الخطاب  أنه قال : قدم على رسول الله  بسبي، فإذا امرأة من السبي تسعى إذا وجدت صبيًا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته . فقال لنا رسول الله  :
( أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار ؟ قلنا : لا والله ! وهي تقدر على أن لا تطرحه . فقال رسول الله  : الله أرحم بعباده من هذه بولدها ) البخاري ومسلم 9469 – 2702 / 18 – 19 .

إن كان الغلو في حب الدنيا سبب رئيسي للتكالب عليها والدوران حولها والتصارع لأجلها فإن عدم معرفة الله  حق المعرفة يفضي إلى عدم تقديره والتهاون بشأن تعظيمه ومن ثم عدم عبادته حق العبادة .. إن اكتفاء العوام بالمعرفة الفطرية بالخالق وببعض من الصفات الحسنى المطرزة بالخيوط الذهبية في اللوحات الفنية لم تترك أثرًا واضحًا في واقعنا أو تصورًا موزونًا في نظرتنا للتجارب والأحداث، أضف إلى ذلك ظهور العقائد الزائفة والملل المنحرفة .

فما أحرى كثير من المربين إلى إعادة ربط القلوب بالخالق من خلال التذكير بالعلاقة المتلازمة بين مجريات الأحداث ونتائجها وخلال الأشخاص وصفاتهم وبين أسماء الله وصفاته كما جاء في الحديث السابق . وخذ على ذلك مثالاً .. حينما يصدر عفوٌ في إحدى مناسبات الأعياد على السجناء فإن ذلك يذكرنا بالعفو الرباني والمغفرة الواسعة والعتق من النيران في بعض الليالي الرمضانية المباركة، وحينما تصدر مكرمة بزيادة في رواتب الموظفين في جميع القطاعات فإن ذلك يذكرنا بالله البر الواسع الجواد الغني الكريم الذي وسع فضله أهل السموات والأرض، وحينما نقرأ عن حاكم ظالم تخطى بظلمه حدود بلده وتلوث ببطشه هواء وماء أرضه ثم تكتب نهايته ذليلاً ضعيفًا وحيدًا ويتحول المحكومين في عهده إلى حكام والمظلومين تحت حكمه إلى قضاة حينها تتعرف على الله القوي العزيز، القهار، وحينما نتأمل حال الكفار في غيهم والعصاة في ضلالهم مع تنزل النعم الربانية عليهم ودفع المكروهات والنقم عنهم وتأخير العقوبة النازلة بهم فهم يكفرون ويعصون وهم معافون، في نعم الله يتقلبون نعرف أن من أسماء الله الحليم . اللطيف، الحكيم .. وحينما نسمع عن مرض عظيم وعجزه ومن ثم موته نتذكر أن الله هو العظيم الحي، القيوم، ملك الأملاك وكل شيء هالك إلا وجهه سبحانه وعز شأنه .

( فعلى المربي الاعتناء بتدارس هذا العلم الشريف مع طلابه وألا يكون مجرد حديث جاف، بل يربط بعظمة الله  والثناء عليه بما هو أهله ويربط ذلك بآثارها السلوكية في حياة الإنسان([10]) ) .

المجاملة مابين القبول والرد

لقد لقننا خير مربٍ صلوات ربي وسلامه عليه درسًا رائعًا في تأليف القلوب الغليظة واستمالة النفوس الشاردة ألا وهو بشاشة اللقيا وإلانة القول ..

روى عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها أخبرته إنه استأذن على النبي  : ( ائذنوا له، فبئس أخو العشيرة فلما دخل ألان له الكلام، فقلت : يا رسول الله، قلت : ما قلت، ثم ألنت له في القول فقال : أي عائشة، إن شر الناس منزلة عند الله من تركه أو ودعه الناس اتقاء فحشه ) البخاري في الفتح ج10 / 6131 .

وقد ذكر ابن حجر في شرح الحديث ( المدارة هي الرفق بالجاهل في التعليم، وبالفاسق في النهي عن فعله، وترك الإغلاظ عليه حيث لا يظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل، لا سيما إذا احتاج لتألفه ) .

فمن السذاجة إبداء كل ما في قلبك بحجة أنك شخص تتسم بالصراحة والوضوح، إذ قد تبين من تجارب كثير ممن التزم بالهدي النبوي في اتباع خلق ( المداراة ) أن ذلك كفيل بالمحافظة على العلاقات والإبقاء على الود وكسب الاحترام والذكر الحسن والثناء الجميل والحضو بالدعاء المبارك والشعبية الواسعة وغير ذلك من المنافع العاجلة والثمار الآجلة .. وإذًا :

جامل الناس تحز رق الجميع
عامل الكل بإحسان تُحب

 رب قيد من جميل وضيع
فقديمًا جمّل المرء الأدب

 [ فالقدر اليسير المعقول من المسايرة للآخرين يولد قدرًا من التقارب والتآلف بين الطرفين وليس في هذا إشكال ( إذا كان هذا في الحدود المقبولة شرعًا ) وإنما الإشكال في المبالغة وجعل العلاقة بين المسايرة والاستحسان علاقة طردية مستمرة ( كلما زادت مسايرتك للناس زاد استحسانهم لك ورضاهم عنك ).. والواقع يشهد أن كسب تقدير الناس يختلف باختلاف الأشخاص فمنهم من لا يناسبه سوى الحزم معه فهو الذي يدعوه إلى تقديرك .. ومن أمثلة الخطأ في المبالغة في المسايرة قصة ( هند ) فهي طالبة جامعية متدينة صاحبت مجموعة من الطالبات أقل منها في التدين والخلق رغم علمها بما يصدر منهن من سلوكيات ذميمة ( مكالمات غرامية مع شباب ) استمرت ( هند ) مع صاحباتها بالمجاملة والمسايرة .. إلى أن قالت لها إحداهن : ( شوفي يا هند إما تصيرين مثلنا، وإلا تفارقينا ) ]([11]) .

 إذا كان اتباع شعرة معاوية التي لا تنقطع من أنجح طرق سياسة الرعية فإن العمل بحكمة أبي الدرداء  من أفضل أساليب ديمومة المودة بين الزوجين وبقاء العشرة بينهما، كما وصى بذلك أم الدرداء : ( إذا غضبت فرضيني وإذا غضبت رضيتك، فإن لم تكن هكذا ما أسرع ما نفترق ) .

فإذا رأى أحد الزوجين من الآخر خُلُقًا مذمومًا كسرعة ثوران وحدة الطبع، فعليه أن يطفئ نار الغضب بماء الحلم والحكمة..

وأختم حديثي بتحذير ابن القيم رحمه الله في الفرق بين المداراة والمداهنة وخطورة الخلط بينهما .

( وكذلك المداراة صفة مدح والمداهنة صفة ذم والفرق بينهما أن المداري يتلطف بصاحبه حتى يستخرج منه الحق أو يرده عن الباطل، والمداهن يتلطف به ليقره على الباطل ويتركه على هواه )([12]) .

ومن القواعد التربوية في التعامل مع أهل الأخطاء وأصحاب المعاصي ( ما حملك على هذا ؟ )

 روى النسائي رحمه الله عن عبّاد بن شرحبيل قال : قدمت مع عمومتي المدينة فدخلت حائطًا من حيطانها، ففركت من سنبله فجاء صاحب الحائط فأخذ كسائي وضربني فأتيت رسول الله  استعدي عليه، فأرسل إلى الرجل فجاءوا به فقال : ( ما حملك على هذا ؟ فقال : يا رسول الله إنه دخل حائطي فأخذ من سنبله ففركه فقال رسول الله  :
( ما علمته إن كان جاهلاً ولا أطعمته إذ كان جائعًا أردد عليه كساءه ) وأمر لي رسول الله  بوسق أو نصف وسق .

 وفي قصة حاطب بن أبي بلتعة  لما هم بإفشاء رغبة رسول الله  بغزو مكة وجيء به إلى رسول الله  ابتدره بالسؤال : ما حملك على هذا ؟

فلو اتخذنا ذلك منهجًا تربويًا متبعًا مع الناس كافة بدءًا بصغار السن، لأحدث ذلك رُقيًا إنسانيًا واضحًا في علاقاتنا وفي مواقفنا من تلك العلاقات البشرية، فالطفل الذي يتسم سلوكه بالعدوانية وكثرة افتعال الحوادث وإثارة المشكلات، لاشك أن موقفنا منه ونظرتنا إليه تختلف حينما نضع أيدينا على السبب، فبدلاً من القسوة والشدة معه ننهج أسلوبًا تربويًا أكثر حكمة معه قائمًا على الرفق والرحمة به لاسيما إذا عرفنا أن تلك التصرفات هي لغته الوحيدة للتعبير عن مشاعر الغضب والحرمان في داخله ..

وهاك مثالاً آخر لفئة عمرية مختلفة، فالتقليعات الغريبة التي يفضلها بعض صغار السن من الشباب سواء كان ذلك في اللباس أو المشية أو أنواع الهوايات .. لا يمكن أن تعالج بالهجوم الشرس وبالقذائف الكلامية و النظرات النارية فربما ذلك يزيد الظاهرة انتشارًا وتعقيدًا وإنما لا يتم الحد من هذه الظاهرة الشبابية الدخيلة إلا بلغة الحوار الجاد البناء والتي ولا شك لا تنفك عن السؤال السابق ( ما حملك على هذا ؟ ) كأحد أهم محاور الحوار، إذ أن الحوار يعطي للطرف المحاور انطباعًا إنسانيًا قيمًا بأهميته كفرد له دور وقيمة .. وأن الأصل فيه البراءة وما عليه سوى إثبات ذلك ..

نداء حار

قبل أن تتولى منصبًا قياديًا
اقرأ الآتي ...

سواء أكنت من محبي قراءة كتب السير والتاريخ أم لا، فمن واجبك قبل أن تتولى منصبًا قياديًا أن تلم ببعض القراءات المتفرقة للإجابة على الأسئلة الآتية ..

س1: هل ينبغي أن أتسم بالشفافية والوضوح في تعاملي مع من هم تحت يدي من الموظفين أم أوثر التعامل الرسمي المكتنف بالغموض ؟

س2: هل يجب علي عند إصدار تكليف معين أن أسبقه ببيان الحكمة منه وتوضيح حيثياته وبيان أسبابه أم أكتفي بإصدار الأوامر مجردة ؟

س3: إذا حدثت مشكلة ما بين الموظفين، من شأنها أن تؤثر على سير العمل، هل أتشاغل عنها فلا أقحم نفسي فيها مؤثرًا السلامة الشخصية والبعد عن الضغوط النفسية، أم أبادر بحلها بحسب ما تمليه علي الحكمة والبصيرة ؟

س4: ( حينما كنت موظفًا مررت بأزمة ضعف معها إنتاجي وقلت كفاءتي، الأمر الذي حدا برئيسي إلى استخدام أسلوب الغلظة والشدة في التعامل معي متناسيًا سنوات عمري العديدة التي قضيتها في البذل والعطاء ) واليوم أصبحت رئيسًا هل سأكرر ما فعله معي رئيسي مع من هم تحت يدي ؟

س5: ( وإذا كانت بعض الحلول لبعض المشكلات قد تسوقني إلى مشكلات أخرى وقد تقودني إلى صراعات ومصادمات لا قبل لي بها ) فما الذي أحتاج تعلمه وإتقانه وممارسته قبل أن أتولى القيادة ؟

ج: أحتاج، كما يحتاج كل قائد إلى إتقان مجموع من المهارات والتحلي بالعديد من الصفات التي تؤهلني لإدارة الأزمات ..

[ وفي قصة النبي  مع الأنصار في حادثة توزيع الغنائم أكبر دليل على إدارته للأزمات .. وفي بضع دقائق، ووصلت القضية في النهاية إلى البكاء . هذه القدرة جعلت ( برنادشو ) الإنجليزي المشهور يقول : ( ما أحوج العالم إلى رجل كمحمد يحل مشاكل العالم وهو يشرب فنجانًا من القهوة ) ( مع العلم أن رسول الله  لم يشربها )([13]) ] .

عن أبي سعيد الخدري  قال لما أصاب رسول الله  الغنائم يوم حنين، وقسّم للمتآلفين من قريش وسائر العرب ما قسم، ولم يكن للأنصار منه شيء قليل ولا كثير، وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم، حتى قال قائلهم لقي والله رسول الله قومه، فمشى سعد بن عبادة إلى رسول الله  فقال : يا رسول الله  : ( فأين أنت من ذلك يا سعد ؟ قال : ما أنا إلا امرؤ من قومي، قال : فقال رسول الله  : فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة فإذا  اجتمعوا فاعلمني ) فخرج سعد فصرخ فيهم، فجمعهم في تلك الحظيرة، فجاء رجل من المهاجرين فأذن له فدخلوا فجاء آخرون فردهم حتى إذا لم يبق من الأنصار إلا اجتمع له أتاه، فقال : يا رسول الله قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار حيث أمرتني أن أجمعهم، فخرج رسول الله  فقال فيهم خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه مما هو أهله، ثم قال : ( يا معشر الأنصار ! ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف بين قلوبكم ؟ ) قالوا : بلى ! ثم قال رسول الله  ( ألا تجيبون يا معشر الأنصار ؟ ) قالوا : وماذا نقول يا رسول الله وبماذا نجيبك ؟ المنّ لله ولرسوله . قال: ( والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدقتم، جئتنا طريدًا فأويناك وعائلاً فكسيناك، وخائفً فأمناك، ومخذولاً فنصرناك) فقالوا : المنّ لله ولرسوله فقال رسول الله  : ( أوجدتم في نفوسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألفت بها قومًا أسلموا، ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام، أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رجالهم بالشاء والبعير، وتذهبون برسول الله  إلى رحالكم فوالذي نفسي بيده لو  أن الناس سلكوا شعبًا، وسلكت الأنصار لسلكت شعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار، قال : فبكى القوم حتى اخضبوا لحاهم، وقالوا : رضينا بالله ربًا وبرسوله قسمًا، ثم انصرف وتفرقوا).

وقد روى البخاري عن عمرو بن تغلب قال : أعطى رسول الله  قومًا ومنع آخرين، فكأنهم عتبوا عليه، فقال : { إني أعطي قومًا أخاف هلعهم وجزعهم وأوكل قومًا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغنى، منهم عمرو بن تغلب } قال عمرو : فما أحب أن لي بكلمة رسول الله حمر النعم فكانت هذه التزكية تطييبًا لخاطر الرجل، أرجح إليه من أثمن الأموال).

الفوائد :

1-   من الأهمية بمكان للداعية أن يوضح ميزان العطاء والمنع

2-  الذي يستند إليه، في اختلاف توزيع عطاياه بين المتربين، لا فرق بين العطاء المادي كالمال مثلاً أو عطاءٍ معنويٍ كزيادة العناية والاهتمام بفئة دون غيرها، فإن ذلك أدعى إلى دحر وساوس الشيطان ونزغاته في إضعاف الثقة في نزاهة القائد وحكمته ..

3-  إن الحفاظ على خصوصية المشكلة وتضييق دائرتها بحصرها في  أصحاب المشكلة أعون على تحقيق النتائج التربوية التالية :

‌أ-       الحفاظ على كرامة مثير المشكلة وهذا أدعى إلى مراجعة نفسه والإنابة إلى الحق .

‌ب- عدم إثارة المشاكل وإشاعة قالة السوء وإخراسًا لمحبي القيل والقال من أهل الفراغ .

4-  المبادرة إلى حل المشكلات قبل استفحالها لأن في تأخير حلها أو ترك البحث عن حل أصلاً يفضي إلى الأخطار التالية:

‌أ-       زيادة التشقق والتصدع في جدار الأخوة الإسلامية بين

‌ب- الأتباع والتلاميذ لأن ذلك الموقف قد تؤكده مواقف أخرى وإن كانت متباعدة فالشيطان واقف بالمرصاد يستغل الأحداث وينتهز الفرص لإشعال فتيل الفتنة .

‌ج- تقاذف التهم بين المربي والمتربي فالثاني يرمي الأول في حكمته وجدارة قيادته والأول يتهم الثاني بتسرعه وجحوده وعدم احترام الكبير وهكذا .

5-  لقد اتبع الرسول الرفيق صلوات الله وسلامه عليه أسلوب الموعظة واللين في تعامله في هذا الموقف مع الأنصار، إذ أنه علم بحنكته الشديدة وببصيرته النافذة من هم الأنصار ؟ وما مواقفهم منه في السراء والضراء ؟ وما دورهم لنصرة الدين وخدمة الدعوة وإيواء إخوانهم المهاجرين ؟ فهل يعقل أن يتناسى رسول الله  هذه المواقف المشرقة منهم ويلجأ في التعامل معهم إلى أسلوب الحزم والشدة في مقام الرفق واللين .

6-  لم يكن رسول الله  ممتدحًا لنفسه معجبًا بأعماله ممتنًا بما قدم للدين وإنما من الحكمة في بعض المواضع أن يذكر الوالدين ابنهما والمربي المتربي والمعلم التلميذ والحاكم المحكوم بفضائلهم وخدماتهم وتضحياتهم إذ ما أسرع طريق النسيان إلى الأذهان وما سمي الإنسان إلا لنسيه وما القلب إلا أنه يتقلب .

7-  من حكمة القائد أو الأب أو المعلم ونحوه الثناء على المتميز من أتباعه بذكر فضائله وتعداد مناقبه لأن ذلك أدعى لثباته وأسرع في استبقاء موالاته ودوام مودته للقائد وأقوى في علو هممهم وزيادة تضحياتهم، فعبارات الدعاء والثناء من الأب أو القائد هي الباقية أما زينة الحياة الدنيا فما هي إلا كما وصفها الصادق المصدق ( لعاعه )([14]) .

عند القيادة المخلصة الحل للأزمة العالمية ( الفقر ) ..

إذا عرفنا أن مجتمع المدينة كان يتكون من يهود والأوس والخزرج وأن يهود كانوا أرقى طبقات المدنية من حيث المستوى الاقتصادي باستئثارهم بمزروعات المدينة، وتجارتها أو العمراني لتشييدهم الحصون والقلاع والمدن أو الديني لادعائهم أنهم أهل كتاب دون مشركي المدينة، وأن الأوس والخزرج قد رضوا بذلك وأذعنوا، ولكن لما هاجر الرسول  وصحابته إلى المدينة كان لابد من إحداث نقلة حضارية كبرى تسير جنبًا إلى جنب مع التحول العقائدي لدى أهل المدينة، ولم يكن التزاحم السكاني المفاجئ في المدينة عقب هجرة أهل مكة إليها سببًا في ضيق أهل المدينة بالمهاجرين الجدد وهم الذين آثروهم على أنفسهم وشاطروهم أموالهم وقاسموهم دورهم، ولكن كان لابد من حلاً اقتصاديًا عاجلاً تتخذه القيادة الحكيمة في مواجهة هذه الضائقة الاقتصادية المفاجئة ؟

1-  معالجة مشكلة الفقر بتشجيع العمل وتوسيع موارد الرزق: فلقد أقر الرسول  كثير من الصناعات والحرف اليدوية التي كانت موجودة في المدينة لا سيما إذا عرفنا أن العرب كانت تحتقر بعض الحرف اليدوية ويرون أنها لا تليق إلا بالعبيد والضعفاء منهم ( فقد روى الشيخان عن أبي ذر  قال : قلت : يا رسول الله أي الأعمال أفضل ؟ قال : ( الإيمان بالله والجهاد في سبيله )، قلت : أي الرقاب أفضل ؟ قال ( أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنًا ) قلت : فإن لم أفعل ؟ قال : ( تعين صانعًا أو تضع لأحرق ) قلت: يا رسول الله أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل . قال : ( تكف شرك عن الناس بأنه صدقة منك على نفسك ) .

ولا شك بأن فرص العمل قد كثرت اليوم مع تعقيد الحياة الاجتماعية والاقتصادية، فلو وجد الشباب اليوم التشجيع الكافي لممارسة بعض الأعمال المهنية من خلال درس عمل أو من خلال إلحاقهم ببعض الأنشطة والتدريبات المهنية كل بما يناسبهم، فإن ذلك يحول هذه الأجيال إلى منتجة فعّالة بدلاً من أن تكون أرقامًا عاطلة عالة على من يعولونهم([15]) .

2-  رغب في استصلاح الأراضي وإحياء الأرض الموتى واستغلال فرص النصر للتوسعة على المسلمين كما حدث حينما استسلم يهود خيبر بعد محاصرتهم كاد يجليهم من أراضيهم الزراعية لكنه عدل عن ذلك وأبقاهم في أراضيهم مقابل نصف الأجر، كعمال أجراء لما لهم من خبرة عريقة في مجال الزراعة، وقد روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت : ( لما فتحت خيبر، قلنا الآن نشبع من التمر ) .

3-   إذا كان الإسلام رغب في الإنفاق ودعا له وحث عليه ورتب على البذل والعطاء ما لم تحض به سائر الطاعات إلا أنه لم يدع الفقراء والمساكين يكتفون بعيشة الكفاف ويقنعون بفضول المال ما تقضي به حوائجهم ويسد به رمقهم، بل دعا إلى نفض غبار الكسل عن أبدانهم وطرح العجز عن عزائمهم بالسعي في مناكب الأرض طمعًا في الكسب الحلال والرزق الطيب .

( عن الزبير بن العوام  عن النبي  قال : ( لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه ) البخاري ( 47 ) .

4-  لقد صاغ الإسلام الشخصية الإسلامية شخصية جادة عاملة نشيطة، لا تعرف لغة الإسراف وتلازم شكر المنعم بحسن استغلال نعمه عليها ما عظم وما صغر، إنها عقلية اقتصادية تعرف كما أن الفقر والجدب لا يدوم فكذلك الغنى والسعة لا تدوم وأن بعد سبع بقرات سمان سبع عجاف، ولذا فهي شخصية تجيد التخطيط وتحسن الإنفاق بقدر، وتتقن فن الإدخار، فمدبرة المنزل تحسن استغلال بقايا الأطعمة والانتفاع منها، ويعجبني الشعب التركي الذي يُعرف عنه باستغلال بقايا الخضروات والفاكهة في إعداد أصناف من الأطعمة اللذيذة، كما يعرف سكان بلاد الشام بحسن استغلالهم لكل مساحة في بيوتهم حتى الشرفات تتحول عندهم إلى جلسات مريحة تحيط بها الحدائق المنسقة .

5-   ( جعل الإنفاق من أخص خصائص المجتمع الإسلامي، ومن الدعائم الإسلامية لبقائه، وليس لها من عوض )([16]) .

لقد ربط الإسلام بين التكافل الاجتماعي ودرجة الإيمان، فمن أراد أن يرفع معدل إيمانه فيلتمس أوجاع الضعفاء ويقضي حوائج المساكين ( ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به ) السلسلة الصحيحة 149 .

ولا غرابة في ذلك فإن من يرفع اللقمة إلى فيه ثم يجد طعمها ويتبعها بأمثالها من أطايب الطعام مع علمه بأن له أخوة جمع بينهم حق الإسلام والجوار يتضورون جوعًا ويتقلبون بؤسًا، إن من كان هذا حاله حرِّي أن يوصف بقسوة القلب وغلظة الحس وجفاف المشاعر وعبادة الذات، فقلبه غير صالح لأن تتفجر فيه أنهار الإيمان وينابيع الحكمة وتشرق منه نور الحياة!!

أما مَنْ عاش مع الناس يتفاعل مع أحداثهم ويسابق في مواساتهم ويشركهم في قوته ويؤثرهم على نفسه، ويبذل ما في وسعه فهو حرِّي أن يوصف بوصف ( الأشعريين ) ويلحقه ثناء الرسول  ( أن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية فهم مني وأنا منهم ) البخاري 52 الشركة، مسلم فضائل الصحابة .

فهل سمعت أو قرأت نموذجًا كهذا تنصهر فيه الذوات في ذات واحدة، إن هذا الجيل الفريد ما كان سيظهر لولا أن الله قيض للبشرية نبيًا حكيمًا رحيمًا فاعلاً وفعّالاً فصلوات ربي وسلامه عليه ..

 نعم للإنقياد القلبي والعقلي .

 لا للانقياد القسري القهري .

جبل المرء على السعي إلى ما يحب ويأمن والفرار مما يكره ويخاف، وسعيه في الدنيا بين الأمرين تحصيل المحاب ودفع المكاره وقد لا يكون إشكال في ذلك ولكن تحدث المشكلة في الأمور الملتبسة على الإنسان فلا يدري إلا أي الجهتين يصنف ما احتار في أمره إما للتنازع بين لغتي العقل والعاطفة أو الواقع المتاح و الواقع المأمول، وقد يحدث التنازع في داخل النفس البشرية والتي تنعكس سلبًا على الطاعة والانقياد للتشريعات والقوانين خارجًا بسبب قلة التجربة وضعف الرؤية أو الحماسة الزائدة وهلم جرا، ولذا فإن أحد أسباب تحصيل الطاعة للشرع هو مطالبة المكلف بالانقياد تعبدًا واستسلامًا لا تعنتًا واستفسارًا فالمشرع هو خالق النفس البشرية والذي يعلم وحده ما يصلح لها وما لا يصلح وما يسعدها وما يشقيها .

أما إذا لم تكن تشريعات ربانية وكانت قوانين وأنظمة بشرية فإنه من الجميل أن يكون الانقياد بدافع من الاقتناع العقلي والرضا القلبي، وأحد أسباب تحصيل ذلك هو إعطاء المرء مهلة لخوض التجربة المخالفة، ليخرج بعدها من تلك التجربة أكثر قناعة وثباتًا بسلامة تلك القواعد المفروضة وهذا ما نعاينه لدى التائبين من المعاصي والمخالفات .

( مما جاء في أخبار حصار الطائف..لما طال الحصار واستعصى الحصن، وأصيب المسلمون بما أصيبوا من رشق النبال وبسكك الحديد المحماة وكان أهل الحصن قد أعدوا فيه ما يكفيهم لسنة، عزم رسول الله  على رفع الحصار والرحيل، فأمر عمر بن الخطاب فأذن في الناس : إنا قافلون غدًا إن شاء الله، فثقل عليهم وقالوا : نذهب ولا نفتحه ؟ فقال رسول الله  : ( أغدوا على القتال)، فغدوا فأصابهم جراح، فقال : ( إنا قافلون غدًا إن شاء الله )، فسروا بذلك .. وأذعنوا، وجعلوا يرحلون ورسول الله  يضحك ) .صحيح البخاري كتاب الأدب باب/التبسم

لما أتاح الرسول الحكيم صلوات ربي وسلامه عليه لجنده العمل

بمقتضى اختيارهم ونزل عند رأيهم كان يريد بذلك الخروج بثمار تربوية قد لا يجنيها صحابته فيم لو لم تتح لهم الفرصة للعمل بمقتضى قناعتهم ومن تلك  الثمار :

1-  ليست العبرة بالحماسة الجماهيرية والعواطف الغوغائية واجتماع الأكثرية*لضمان صحة القرار ونجاح الاختيار وحصول النصر إذ لابد من استراتيجية واقعية مبنية على بعد الرؤية وسلامة التخطيط ودراسة الواقع .

2-   إن إعطاء المربين من هم تحت يدهم الفرصة لاتخاذ ما يراه مناسبًا من قرارات له فوائد عدة منها :

-     ;    إلغاء نزعة الاستبداد الفردي لتحل محلها روح الجماعة الواحدة لاسيما في المؤسسات الجماعية .

-    توزيع تبعة تحمل مسئوليات القرار على الجماعة وهذا يخفف الوطأة في حال الهزيمة ويعين على النهوض من جديد أما عند الظفر بالنصر والنجاح فإن ثمرته تكون موزعة بالتساوي ويزاد عليها نشوة التعاون المظفر .

-    إن في منح الرسول  لصحابته الفرصة في مخالفته والعمل وفقًا لما يرونه مناسبًا في شئون دنياهم يحول دون الاعتقاد بعصمة القيادة ممن هم دونه وتوهم تنزههم عن الأخطاء ومن ثم الانسياق تحت ألويتهم المتهورة وشعاراتهم المضللة ..

-    تأكيد ضرورة وجود مرجعية يفض على يدها الخلاف ويرجع إليها عند التنازع ( اترك للأفراد حل المشاكل ولكنها تصبح مسئوليتك إذا تأزمت )*1([17]).

-    إن إتاحة الفرصة للفرد لخوض التجربة بمحض إرادته وتبعًا لاختياره تعينه على الخروج من تلك التجربة وهو أكثر قناعة ويقينًا بسلامة قرارات المرجعية وواقعيتها*2..وهاك أمثلة تربوية بسيطة على ذلك .

- ( يصر ( أحمد ) على الاكتفاء بدراسة مذكرة الواجبات المنزلية رافضًا الانصياع لمطلب والديه بالدراسة من الكتاب المدرسي أيضًا ولم يملك والداه القدرة على إقناعه فتركاه ليتحمل وحده نتيجة قراره فكانت النتيجة مخيبة لأمله إذ فوجئ بأن أغلب أسئلة الاختبار كانت مما هو مقرر في الكتاب) .

-     ;    ( لم تستجب (هند) لتحذيرات والدتها من لبس إكسسوارات الزينة في المدرسة فكانت النتيجة مصادرة زينتها وتوبيخها!).

للقوة وجوه

*وبموجب صلح الحديبة(خرج رسول الله ومعه أصحابه رضوان الله عليهم وكان عدد المسلمين ألفين ما عدا النساء والصبيان،وذلك في شهر ذو القعدة من سنة سبع بناءً على بنود اتفاقية صلح الحديبية القاضية بأن يرجع صلى الله عليه وسلم وأصحابه،فلا يدخلون مكة،ولا يعتمرون على أن يعودوا في السنة القابلة فتخلى لهم مكة ثلاثة أيام يعتمرون ثم يعودون،ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم راكب على ناقته،وتحدث المشركون فيما بينهم وقالوا:أن محمداً وأصحابه في عسرة،وجهد وشدة،وزين لهم الشيطان ذلك حتى هموا بالانقضاض،وعلم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم،فلما دخل اضطبع،واضطبع أصحابه ثم استلموا الركن وهرولوا في الطواف ثلاثة أشواط،فبقي الاضطباع والهرولة سنة..)

*(وفي فتح مكة أمر رسول الله العباس رضي الله عنه أن يذهب بأبي سفيان فيحبسه في طريق مرور الجيش الإسلامي ليرى بأم عينيه قوة الإسلام والمسلمين،فمرت عليه القبائل وهو يسأل:من هؤلاء؟..حتى مر رسول الله في كتيبة الخضراء مع المهاجرين والأنصار وقال:لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً فقلت:ويحك إنها النبوة).

-إن الحرب العسكرية الناجحة هي تلك التي تسبقها حروب نفسية معد لها سلفاً.وهذا معلوم في الخطط الحربية..

-إن إظهار القوة البدنية المتمثلة في الاستعراضات العسكرية في منظر مهيب لصفوف متراصة وسواعد فتية وعزائم عتية يعاينه العدو ببصره لأدعى لقطع خيوط الأمل في نفوس الأعداء من الظفر بنا.

-إن لغة القوة بمعناها العام الذي جاء في الأمر الإلهي (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة)هي اللغة التي تجعل العالم يستمع إلينا أحياناً وقد ينحني لنا تعظيماً أحياناً أخرى-إن صح التعبير-

-إن التماوت وذرف الدموع وطلب الرحمة بإظهار الضعف والحاجة لا يفيد إلا أن يزيد العدو طمعاً بنا وشماتةً بمصابنا.

إن القيادة الحكيمة هي تلك القيادة التي تعرف أن للقوة وجوه فبلاضافة إلى القوة العسكرية فهنالك القوة النفسية،السياسية،الاقتصادية،العلمية والفكرية والإعلامية،وكلٌ يصلح ليكون سلاحاً يلوح به في وجه العدو إذا أحسن استخدامه وفي الوقت المناسب.

--------------------------------------------------------------------------------

([1]) بتصرف من ( إذا كان الرجل من المريخ فالمرأة من الزهرة ) النسخة المصورة لـ د. جون جراي .

([2]) بتصرف من كتاب ( تأملات في سيرة الرسول e ) د. محمد السيد الوكيل .

([3])الخصائص من كتاب ( ما تحت الأقنعة ) د. محمد عبد الله الصعير أما الأمثلة فمن المؤلف.

([4]) ( القيادة، الأسباب الذاتية للتنمية القيادية ) جاسم محمد مهلهل .

([5]) ( القيادة التربوية في الإسلام ) مفيدة محمد إبراهيم، ص 176 / 177 .

([6]) من كتاب ( من معين الشمائل ) .

([7]) بتصرف يسير من كتاب ( إدارة الذات دليل الشباب إلى النجاح ) د. أكرم رضا .

([8]) ( معالم لي منهج الدعوة ) صالح بن عبد الله بن حميد .

([9]) نقلاً من كتاب ( تربية الشباب الأهداف والوسائل ) للشيخ محمد الدويش .

([10]) تربية الشباب، الأهداف والوسائل، محمد عبد الله الدويش .

([11]) بتصرف من كتاب ( ما تحت الأقنعة ) د . محمد عبد الله الصغير .

([12]) ( منارات في الطريق ) عبد العزيز ناصر الجليل .

([13]) من كتاب ( صناعة القائد ) د. طارق السويدان . أ- فيصل باشراحيل .

([14]) بتصرف من دراسة تربوية بعنوان ( وقفات تربوية مع حديث تقسيم الغنائم في حنين) لطه بن حسين با فضل / مجلة البيان عدد (1) عام 1426هـ .

([15]) ولذلك ثمار ومنافع جليلة يرجع إليها في كتاب ( تربية الشباب، الأهداف والوسائل) للشيخ محمد الدويش .

([16]) يراجع بحث ( فقه الفقراء والمساكين في الكتاب والسنة ) لعبد السلام الخرشي فإنه نافع .