Get Adobe Flash player

رسالة اليوم من هدي الرسول

قال الحسن بن علي رضي الله عنهما: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم  كلمات أقولهن في قنوت الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت. أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه، وصححه ابن خزيمة، وزاد البيهقي: ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت

البحث

شاهد مكة المكرمة مباشرة

إقرأ مقالا من أكبر كتاب في العالم

كتاب الرحمة في حياة الرسول

ننصحك بقراءة هذا الإصدار

شاهد المدينة المنورة مباشرة

المسجد النبوي _ تصوير ثلاثي الأبعاد

Madina Mosque 3D view

الرئيسية
hiwar2_thumbnail.jpg

فالمحاور محتاج لتلك الصفات الحميدة، والأخلاق العالية التي تضفي على حواره السكينة، والهدوء، وتجعله يؤتي أكله أضعافاً مضاعفة.

ولقد كان نبينا _عليه الصلاة والسلام_ آخذاً بتلك الآداب في حواراته مع كافة الطبقات، وفيما يلي إيضاح لما أجمل من معاني الرفق والإحسان.

أولاً: أخذه" بالحلم والصبر وسعة الصدر: فالمحاور محتاج لذلك أشد الحاجة؛ إذ هو معرض لما يثيره، ويحرك دواعي الغضب فيه.

ومن مواعظ لقمان _عليه السلام_ لابنه: [وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ](لقمان:17).

فلا يحسن بالمحاور أن يكون ضيِّق الصدر، قليل الصبر؛ ذلك أن الجماعات التي استشرى فيها الفساد كالمريض، والمحاور _خصوصاً إذا كان رأساً في الخير_ كالطبيب.

وكما أن المريض قد يدفعه جهله، أو سوء تصرفه إلى أن ينال الطبيب ببعض السوء _فكذلك الجماعات التي أنهكها الشر، واستحوذ عليها الشيطان؛ فقد يدفعها ذلك أن تنال طبيب الأرواح ببعض الأذى.

فإذا ضاق صدره، وقل احتماله تنغَّصت حياته، ولم يصدر عنه خير كثير، أو عمل كبير؛ فخير للمحاور _إذاً_ أن يتلقى الأذى بصدر رحب، وأفق واسع، ونفس مطمئنة.

وليعلم أن مهمته شاقة؛ فليستعد لها بالاستعانة بالله، وليداوِ كُلُومَ النفوس بالهدوء، وسعة الصدر، ولين الجانب، ومقابلة الإساءة بالإحسان؛ فإن تلك الصفاتِ رُقْيَةُ النفوس الشرسة، وبلسمُ الجراح الغائرة.

وليستحضر أنه ما وقف أمام الناس ليخاصمهم؛ فَيَخْصِمَهم، ولكنْ ليداويَ فسادهم، ويردَّ شاردهم؛ فليحرص على أن يؤلف القلوب والنفوس بتلك الصفات.

قال الله _تعالى_ في وصف نبينا محمد ": [وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ](آل عمران:159).

وقال الله _عز وجل_ له: [خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ] (الأعراف:199).

وهكذا كان _عليه الصلاة والسلام_ في حواراته؛ فكان يعرض دعوته في لين من القول، وكان يأخذ بالحلم، والصبر، ويقابل الجاهل بالإعراض، والمسيء بالعفو أو الإحسان.

وإن أذىً كثيراً كان يلحقه من مشركي قريش وسفهائهم؛ فيلقاه بالصبر، ولا ينال من عزمه واسترساله في الدعوة ولو شيئاً قليلاً.

وكم من كلمة يرميه بها بعض المنافقين، أو بعض الجفاة من الأعراب، فيكون جزاؤها الصفحَ، أو التبسمَ، أو الإنعامَ. ([1])

فإذا كان المحاور على هذا النحو من هذه المكارم أثمر حواره، وحاز من العلياء كل مكان.

وإليك هذا المثال العالي من حوارات النبي" التي سارت على ذلك الطراز.

جاء في الصحيحين عن سعيد بن أبي سعيد أنه سمع أبا هريرة يقول: =بعث رسول الله خيلاً قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه رسول الله" فقال: =ماذا عندك يا ثمامة؟+.

فقال: عندي يا محمد خير، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال، فسل تُعطَ منه ما شئت.

فتركه رسول الله" حتى كان بعد الغد، فقال: =ما عندك يا ثمامة؟+.

قال: ما قلت، إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فَسَلْ تعط منه ما شئت.

فتركه رسول الله" حتى كان من الغد، ثم قال: =ماذا عندك يا ثمامة؟+.

فقال: عندي ما قلت لك، إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال، فسل تعط منه ما شئت.

فقال رسول الله": =أطلقوا ثمامة+ فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، يا محمد! والله ما كان على الأرض وجهٌ أبغضَ إليّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلِّها إليّ، والله ما كان من دين أبغض إليّ من دينك فأصبح دينك أحب الدين كله إليّ، والله ما كان من بلد أبغض إليّ من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إليّ، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟

فبشره رسول الله" وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: أصبوت؟ فقال: لا، ولكني أسلمت مع رسول الله"، ولا والله لا تأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله "+.([2])

فانظر إلى هذا الحلم، والصبر، وطول النفس؛ حيث أمهله النبي" ثلاثة أيام وهو يقول له: =ماذا عندك يا ثمامة+.

ولما أحس منه العَزَّة، وأدرك _بذوقه المرهف_ أنه سيد لا يقبل الضيم صفح عنه، وأطلق سراحه بعد حوار دام ثلاثة أيام.

فما كان من ذلك السيد إلا أن دخل في الإسلام عن طواعية، وصار في قبيل أهله بفضل ذلك الحوار الراقي، وذلك الحلم والصبر، وطول النفس.

يقول النووي×: =قوله: وما عندك يا ثمامة؟+ وكرر ذلك ثلاثة أيام _ هذا من تأليف القلوب، وملاطفة لمن يرجى إسلامه من الأشراف الذين يتبعهم على إسلامهم خلق كثير+([3]).

ثانياً: بسط الوجه، ولين القول: فالناس يحبون بسطَ الوجهِ، ولينَ القولِ، والقلوبُ تُقْبِلُ على مَنْ يُقْبِلُ عليها، وتنفر مما يزدريها، ولا يكلمها إلا من علُ.

ومن الوسائل التي لها أثر في تَأَلُّف الجاهلين أو المفسدين، وتهيئتهم إلى قبول الإصلاح _ بسط المعروف في وجوههم، والإحسان إليهم بأي نوع من أنواع الإحسان، وإرضاؤهم بشيء من متاع هذه الحياة الدنيا؛ فإن مواجهتهم بالجميل، ومصافحتهم براحة كريمة _ قد يعطِّف قلوبهم نحو المحاور، ويمهد السبيل لقبول ما يَعْرِضُه.

والنفوس مطبوعةٌ على مصافاة من يُلبسها نِعْمةً، ويُفيضُ عليها خيراً.

ولهذا يحسن بالمحاور أن يكون ليِّن العريكة، وممن يَأْلَفُ ويُؤْلَفُ، وألا يكون جافي الطبع، قاسي القلب، متعالياً على السامعين.

ويجدر به أن يترفع عن العبارات المشعرة بتعظيم النفس، كحال من يكثر من إدارج ضمير المتكلم (أنا) أو ما يقوم مقامه كأن يقول (في رأيي) أو (حسب خبرتي) أو (هذا ما توصلت إليه) ونحو ذلك.

وأَجْدَر بالبعد عن ذلك ما كان فيه تفخيم للنفس كالإتيان بضمير الجمع، كأن يقول: (هذا رأينا) و (هذا ترجيحنا) أو (هذا ما توصلنا إليه).

ومن ذلك أن يكرر كلمة: (نَقُول) و(قلنا) ونحو ذلك من العبارات الفجة التي تنم عن نقص وغرور، خصوصاً إذا صدرت ممن ليس له مكانة.

فهذا كله مجلبة لتباعد الأنفس، وتناكر الأرواح، وقلة التأثير.

وبدلاً من ذلك يحسن به أن يستعمل الصيغ التي توحي بالتواضع، وعزو العلم لأصحابه، كأن يقول: (ويبدو للمتأمل كذا وكذا) أو يقول: (ولعل الصواب أن يقال: كذا وكذا) ونحو ذلك من العبارات المشعرة بالتواضع، واهتضام النفس.

ثم إن الرفق في القول، واجتناب الكلمة الجافية من أعظم مقومات الحوار؛ فإن الخطاب اللين قد يتأَلَّف النفوسَ الناشزةَ، ويدنيها من الرشد، ويرغبها في الإصغاء للحجة أو الموعظة.

 قال _تعالى_ في خطاب هارون وموسى _عليهما السلام_: [اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)] طه.

ولقَّن موسى _ عليه السلام _ من القول اللين أحسنَ ما يخاطب به جبار يقول لقومه: أنا ربكم الأعلى، فقال _تعالى_: [فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19)]النازعات.

قال ابن القيم ×: =وتأمل امتثال موسى لما أُمِر به كيف قال لفرعون: [هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19)]النازعات.

فأخرج الكلام معه مخرج السؤال والعرض، لا مَخْرجَ الأمر، وقال: [إِلَى أَنْ تَزَكَّى]ولم يقل: =إلى أن أزكيك+.

فنسب الفعل إليه هو، وذكر لفظ التزكِّي دون غيره؛ لما فيه من البركة، والخير، والنماء.

ثم قال:[وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ] أكون كالدليل بين يديك الذي يسير أمامك.

وقال: [إِلَى رَبِّكَ] استدعاءً لإيمانه بربه الذي خلقه، ورزقه، ورباه بنعمه صغيراً وكبيراً+.([4])

ولهذا فإن المحاورة التي تُلقى في أدب، وسعة صدر، تسيغها القلوب، وتهش لها النفوس، وترتاح لها الأسماع.

ولقد امتن ربنا _جل وعلا_ على نبينا محمد " بأن جبله على الرفق، ومحبة الرفق، وأن جنبه الغلظة، والفظاظة، فقال _عز وجل_: [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ] آل عمران:159.

ولقد كانت سيرته _عليه الصلاة والسلام_ في الحوار وغيره حافلةً بهذا الخلق الكريم الذي مَنْ مَلَكَه بسط سلطانه على القلوب.

وكما كان _عليه الصلاة والسلام_ متمثلاً هذا الخلق فقد كان يأمر به ويبين فضله.

قال": =إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على غيره+. ([5])

وقال _عليه الصلاة والسلام_: =إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه+. ([6])

ولما بعث أبا موسى الأشعري ومعاذاً إلى اليمن قال لهما: =يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا+. ([7])

هذا وإن الأمثلة على ذلك الخلق من سيرة النبي" كثيرة جداً، ومنها ما جاء في الصحيحين أن رجلاً أتى النبي" يتقاضاه، فأغلظ له في القول، فهَّم به أصحابه، فقال: =دعوه، فإن لصاحب الحق مقالاً+.([8])

وجاء في الصحيحين أن رهطاً من اليهود دخلوا عليه وقالوا: =السام عليكم+ محرفين كلمة (السلام) إلى (السام) والسام الموت، فلم يزد رسول الله على أن قال: =وعليكم+.

ولما ردَّت عليهم أم المؤمنين عائشة _رضي الله عنها_ بقولها: =وعليكم السام واللعنة+ قال لها: =مهلاً يا عائشة إن الله يحب الرفق بالأمر كله+.([9])

وجاء في صحيح البخاري أن عائشة _رضي الله عنها_ تصفُ رسول الله فتقول: =والله ما انتقم لنفسه في شيء يؤتى إليه قط؛ حتى تنتهك حرمات الله؛ فينتقم لله+.([10])

وإذا تقصَّيتَ سيرته بحثاً وتنقيباً، وجدت مُصَدَّقه لما وصفته به أم المؤمنين من الرفق والحلم، فما عاقب _عليه الصلاة والسلام_ أحداً مسه بأذى، ولا اضطغن على أحد أغلظ له في القول، بل كان يلاقي الإساءة بالحسنى، والغلظة بالرفق إلا أن يتعدى الشر، فيلقي في سبيل الدعوة حجراً، أو يحدث في نظام الأمة خللاً.([11])

فالرفق واللين _إذاً_ هو المتعين، وهو الأليق بحال المحاور، وهو الأصل في حوارات النبي".

ومع ذلك فقد يُحْتَاج إلى الحزم، وذلك في حالات خاصة، ومن أناس مخصوصين، وفي حق من يستحق ذلك؛ فإذا كان المحاور ذا مكانة، وكان المقام يقتضي الحزم، ولم يترتب على ذلك مفسدة أكبر _أُخِذ بهذا الأسلوب.

ولهذا كان موسى _عليه السلام_ متلطفاً مع فرعون غاية التلطف في بداية الأمر _كما مر قريباً_ وعندما رأى من فرعون العناد والاستكبار ومحاولة الصد عن الهدى من بعد ما تبين له _ أغلظ له في الخطاب كما في قوله _تعالى_: [وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً] الإسراء:102.

فأين هذا الخطاب من الخطاب الأول؟

وكما في قوله _ تعالى _: [وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ]العنكبت:46.

وكما قال إبراهيم _عليه السلام_ لقومه: [أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ]الأنبيا:67.

وكان النبي " يأخذ بهذا الأسلوب عند الحاجة إليه.

ومن ذلك ما جاء في الصحيحين في قصة المرأة المخزومية التي سرقت، فعن عائشة _رضي الله عنها_ أن قريشاً أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت؛ فقالوا: ومن يكلم رسول الله "، ومن يتجرأ عليه إلا أسامة حب رسول الله ".

فكلم رسول الله " فقال: =أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟+.

ثم قام فخطب، قال: =يا أيها الناس! إنما أضل من قبلكم أنهم إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها+. ([12])

وفي الصحيحين _أيضاً_ عن أبي هريرة ÷ قال: =ليس صلاة أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً، لقد هممت أن آمر المؤذن فيقيم، ثم آمر رجلاً يؤم الناس، ثم آخذ شعلاً من نار فأحرق على من لا يخرج إلى الصلاة بعد+. ([13])

ولقد بوب البخاري في كتاب الأدب من صحيحه باباً سماه: =باب: ما يجوز من الغضب والشدة لأمر الله+.

ثم ساق تحته خمسة أحاديث. ([14])

وخلاصة القول أنَّ الرفق هو الأصل، وهو الأليق بحال المحاور ما لم تدع الحاجة إلى الحزم، وأنَّ الحزم قد لا يلائم كل أحد، خصوصاً ممن ليس له قَدْرُ سنٍّ، أو علم، أو منزلة، أو قبول عند الناس.

ولعل السبب في تنويع النبي" أنه كان يراعي أحوال المحاورين من حيث الشدة والرفق؛ فهو يستعمل الرفق في الأصل، ومع الجاهلين، أو الصغار، أو حديثي العهد بالإسلام، أو في غير ذلك من الأحوال والمصالح التي يحسن فيها الرفق.

ويستخدم الشدة أحياناً مع من صدر منهم ما لا يليق بهم ذلك؛ لطول صحبتهم، أو لعلمهم، وورعهم، وتقواهم([15]).

كما كان يستعمل الشدة مع المعاندين والمتكبرين، والمستهزئين، والمستخفين بالدعوة؛ فاستعمال الرفق في موضعه حكمة، كما أن استعمال الشدة في مكانها حكمة، كما قال أبو الطيب المتنبي:

إذا قيل: رفقاً قل: فللحلم موضع

 
 وحلم الفتى في غير موضعه جهل

 

وكما قال الحسين بن عبدالصمد يمدح الأمراء:

عجبوا لِحِلْمِكَ أن تحوَّل سطوةً

 
 وزُلالِ خُلْقكِ كيف عادَ مُكَدَّرا

 
لا تعجبوا من رِقَّةٍ وقساوة

 
 فالنارُ تُقْدَح من قضيبٍ أخضرا

 

ثالثاً: استعمال المداراة حال الحوار: فالمداراة من أخلاق المؤمنين، والمحاور الناجح محتاج إلى الأخذ بها.

وكثيراً ما تشتبه المداراة بالمداهنة؛ ذلك أن حدود الفضائل تقع بمقربة من أخلاق مكروهة.

وهذه الحدود في نفسها واضحة جلية، إلا أن تمييز ما يدخل فيها مما هو خارج عنها يحتاج إلى صفاءِ فطرةٍ، أو تربيةٍ تساس بها النفسُ شيئاً فشيئاً.

وكثيراً ما يتشابه على الرجل لأول النظر أمور؛ فلا يدري أهي داخلة في الفضيلة، أم هي خارجة عن حدودها؟

وربما سبق ظنه إلى غير صواب؛ فَيَخال ما هو من قبيل الفضيلة مكروهاً فَيَدَعُه، أو يَعِيبُ به غيرَه، أو يَخال ما هو من قبيل المكروه فضيلةً فيرتَكِبهُ، أو يمدح غيره عليه.

وهذا الشأن يجري في كثير من الأخلاق ومن ذلك _كما مر_ خلق المداراة؛ إذ يشتبه بالمداهنة مع أنه يمتاز عنه امتياز الصبح من الدجى. ([16])

ولا ريب أن المحاور من أحوج الناس إلى ذلك؛ إذ هو يلاقي الناس، ويخالطهم، ويَعْرِض عقله كثيراً أمامهم؛ فهو محتاج إلى مُدَاراة الناس عموماً، ومُداراة زَمانه، ومُداراة مخالفيه.

فالمداراة ترجع إلى حسن اللقاء، وطيب الكلام، والتودد للناس، وتجنب ما يشعر بغضب أو سخط، كل ذلك من غير ثلم للدين في جهة من الجهات.

قال ابن بطال ×: =المداراة من أخلاق المؤمنين، وهي خفض الجناح للناس، وترك الإغلاظ لهم في القول، وذلك أقوى أسباب الألفة+.([17])

ولقد كان النبي" يأخذ بهذا الأدب الجميل في حواراته _أحياناً_.

جاء في الصحيحين عن عروة عن عائشة _رضي الله عنها_ أن رجلاً استأذن على النبي " فلما رآه قال: =بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة+.

فلما جلس تطلَّق النبي " في وجهه، وانبسط إليه، فلما انطلق قالت له عائشة: يا رسول الله! حين رأيت الرجل قلت له: كذا وكذا، ثم تطلَّقت في وجهه، وانبسطت إليه؟

قال رسول الله " =يا عائشةُ! متى عهدتِّني فحَّاشاً؟ إن شر الناس عند الله منزلةً يوم القيامة من تركه الناس؛ اتقاء شره+.

وفي رواية =من تركه الناس، أو وَدَعَهُ الناس؛ اتقاء فحشه+.([18])

فلقاء رسول الله " لهذا الرجل المعروف بالبذاء من قبيل المداراة؛ لأنه لم يزد على أن لاقاه بوجه طلق، أو رَفَقَ به في الخطاب.

وقد سبق إلى ذهن عائشة _رضي الله عنها_ أن الذي بلغ أن يقال فيه: =بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة+ لا يستحق هذا اللقاء، ويجب أن يكون نصيبُه قسوةَ الخطاب، وعبوسَ الجبين.

ولكنَّ نَظَرَ رسولِ الله " أبعدُ مَدَىً، وأناته أطول أمداً؛ فهو يريد تعليم الناس كيف يملكون ما في أنفسهم؛ فلا يَظْهَر إلا في مكان أو زمان يليق إظهاره فيه.

ويريد تعليمهم أدباً من آداب الاجتماع، وهو رِفْقُ الإنسان بمن يقصد إلى زيارته في منزله، ولو كان شرُّه في الناس فاشياً.

على أن إطلاق الجبين لمثل هذا الزائر لا يمنع من إشعاره بطريق سائغ أنك غير راض عما يُشيعُه في الناس من أذىً، ولا يعوقك أن تعالجه بالموعظة الحسنة إلا أن يكون شيطاناً مريداً.([19])

فهذه نبذة يسيرة عن رفقه " وحلمه، وسعة صدره حال الحوار.

 

--------------------------------------------------------------------------------

[1] _ انظر محمد رسول الله وخاتم النبيين ص 113، والخطابة لأبي زهرة ص 161 _ 162.

[2] _ البخاري (462 و 469 و 2422 و 4372) ومسلم (1764).

[3]_ صحيح مسلم بشرح النووي 12/89.

[4] _ بدائع الفوائد لابن القيم 3/132_ 133.

[5] _ رواه مسلم (2593).

[6] _ رواه مسلم (2594).

[7] _ رواه البخاري (6124) ومسلم (1733).

[8] _ البخاري (2183 و 2260 و 2271 و 2465 و 2467) ومسلم (1601).

[9] _ البخاري (5678 و 5683 و 5901 و 6038) ومسلم (2165).

[10] _ أخرجه البخاري (6404).

[11] _ انظر محمد رسول الله وخاتم النبيين ص72، وموسوعة نضرة النعيم 6/2287_2299.

[12] _ البخاري (6788) ومسلم (2648).

[13] _ البخاري (657) ومسلم (651).

[14] _ من (6109) إلى (6113).

[15]_ انظر: من صفات الداعية مراعاة أحوال المخاطبين ص86، وانظر: من صفات الداعية الرفق واللين د. فضل إلهي ص39_45.

[16] _ انظر رسائل الإصلاح 1/124.

[17] _ فتح الباري 10/545.

[18] _ البخاري (6032) و(6054) و(6131) ومسلم (2591).

[19] _ انظر رسائل الإصلاح 1/131_138 و 2/100.

Share it now!
شارك شارك

تابعونا على المواقع التالية:

Find موقع نبي الرحمة on TwitterFind موقع نبي الرحمة on FacebookFind موقع نبي الرحمة on YouTubeموقع نبي الرحمة RSS feed

عدد المعجبين على فيسبوك

استمع إلى شرح كتاب مختصر السيرة

فضل المدينة وسكناها

فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

يطلب تطوعك في المجال الذي تحسنه

كتب فلاشية للتحميل

برامج إذاعية